السوق المحلية تئن على وقع انهيار الأسواق العالمية: ما بين تراجع الجنيه لأدنى مستوياته منذ شهر مارس الماضي وانخفاض المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية، أصبحت السوق المحلية هي الأخرى ضحية موجة بيع الأسهم العالمية.

بالأرقام: تراجع الجنيه أمام الدولار إلى مستوى 49.2 - وهو أدنى مستوى له منذ مارس - بينما انخفض المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية EGX30 بنسبة 2.3% ليغلق عند 27.8 ألف نقطة أمس، وفقا لبيانات السوق.

ارتفاع قيمة الدولار مقابل الجنيه يعد مؤشرا صحيا على مرونة سعر الصرف، بما ينفي مزاعم تدخل السلطات المصرية في سوق الإنتربنك بتقييد جانب الطلب، وكذلك المزاعم باستجابة السلطات لضغوط صندوق النقد لتحقيق مرونة أكبر لسعر الصرف، إذ ينفي إقرار الصندوق للمراجعة الثالثة لبرنامج قرضه لمصر تلك المزاعم، وفقا لما قاله عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال لإنتربرايز.

السبب الرئيسي لتراجع قيمة الجنيه يتمثل في تزايد مخاوف المستثمرين بشأن دخول الاقتصاد الأمريكي مرحلة الركود، بعد قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي بتثبيت أسعار الفائدة يوم الخميس على خلفية المؤشرات السلبية للاقتصاد، بما في ذلك ارتفاع معدل البطالة وتباطؤ معدلات نمو القطاع الصناعي والسلع المعمرة، وفقا لما قاله عبد العال، مضيفا أن انكماش الطلب واضطراب البورصات دفع المستثمرين الأجانب في الأسواق المتقدمة والناشئة إلى اللجوء إلى الملاذات الآمنة. وتأثر سعر صرف الجنيه مقابل الدولار جزئيا بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة والتي هوت بأسعار النفط بنحو 10 دولارات للبرميل، بحسب عبد العال.

خفض سعر الفائدة على الدولار سيحفز تدفقات الاستثمار الأجنبى فى أوراق الدين العام وبالتالي يزيد المعروض من الدولار، وسط ترقب الإعلان عن بعض الصفقات المليارية "قريبا جدا"، وفقا لما قاله عبد العال. ومع انكماش حال التوترات الجيوسياسية في المنطقة الجارى حصارها وتبريدها كالمعتاد. واختتم عبد العال بأن كل تلك العوامل الإيجابية ستساعد في عودة الجنيه إلى مدى متوسطه السابق قبل تلك الأحداث بين 47-48 جنيها لكل دولار.

لا يوجد سبب مؤثر لارتفاع الدولار في مصر حاليا مثل المخاطر الجيوسياسية إقليميا، حسبما قالت إسراء أحمد محللة الاقتصاد الكلى لدى الأهلي فاروس، مشيرة إلى تراجع قيمة الدولار أمام مختلف العملات الرئيسية على مؤشر dxy، بينما لم تشهد عملات الأسواق الناشئة الأخرى، بما في ذلك المكسيك ونيجيريا أي تحركات ملحوظة. وأوضحت أحمد أن العوامل المتعلقة بمصر تحديدا هي السبب في انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار، والذي يعزو إلى خروج الأموال الساخنة بسبب المخاطر السياسية في المنطقة، فضلا عن توصيات صندوق النقد الدولي بمرونة أكبر في سعر العملة و"إلغاء القيود". وأضافت أحمد أن ما يؤكد وجهة النظر هذه، ارتفاع عقود مقايضة العجز الائتماني (CDS) بشكل كبير في الأيام القليلة الماضية وارتفاع العائد على أذون الخزانة في عطاءات البنك المركزي المصري مجددا لتتجاوز مستوى الـ27% لبعض الآجال بعد ما كان المتوسط عند مستوى الـ 25% في فترة سابقة، ما يشير أيضا إلى "ضعف السيولة المتاحة ومنها طبعا السيولة الأجنبية".

وقد أدت مخاوف حدوث ركود في الولايات المتحدة بعد بيانات الاقتصاد الأمريكي "المزعجة" - بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة إلى 4.3% - في الأيام الأخيرة إلى تراجعات كبيرة بأسواق الأسهم، مما أدى إلى موجة بيع عالمية دفعت وول ستريت لتسجيل أسوأ أداء يومي لها منذ ما يقرب من عامين. المزيد حول الموضوع في فقرة "نتابع اليوم" أعلاه.

تدفقات خارجة -

المزيد من المستثمرين الأجانب يخرجون من سوق الدين المحلية: باع المستثمرون الأجانب ما قيمته نحو 600 مليون دولار من أدوات الدين المحلية على مدار اليومين الماضيين، حيث ضخوا رؤوس أموالهم في أصول الملاذ الآمن، حسبما قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح لإنتربرايز، موضحا أن هذا لعب دورا في انخفاض الجنيه مقابل الدولار.

نشاط تعاملات سوق الإنتربنك لا يزال قويا، حيث اشترت وباعت البنوك المحلية نحو 800 مليون دولار في المتوسط على مدار اليومين الماضيين، وهي زيادة كبيرة عن المتوسط السابق البالغ 250 مليون دولار، حسبما قال مصدر مصرفي لإنتربرايز. وقال إن البنوك تداولت أكثر من مليار دولار (خلال فترة لم يتم الكشف عنها) في الوقت الذي سارعت فيه البنوك لتلبية الطلب المتزايد على الدولار من المستثمرين الساعين إلى سحب أموالهم من البلاد، حسبما قال أحد المصرفيين لرويترز.

الأمور ليست كلها قاتمة: في حين شهدت الأسواق قيام المستثمرين الأجانب ببيع أذون الخزانة المقومة بالجنيه وتحويل العائدات إلى الدولار، فإن التدفقات الخارجة من أذون الخزانة المصرية لم تتجاوز 10%، حسبما قال مصرفي آخر لرويترز. وقال الخبير الاقتصادي فاروق سوسة من جولدمان ساكس لرويترز "تظهر الأسواق الناشئة مثل مصر مرونة نسبية، على الرغم من تأثرها إلى حد ما".

الاحتياطيات لا تزال قوية: لم يؤد خروج الأموال الساخنة على مدى الأيام الثلاثة الماضية إلى استنفاد احتياطيات البنوك من الدولار، حيث أن هناك حسابا مخصصا يغطي هذه التدفقات الخارجة كجزء من التدابير الاحترازية التي تهدف إلى الحماية من الاضطرابات المحتملة للاحتياطيات النقدية أو السيولة الدولارية، وفقا لما قاله مصدر مصرفي رفيع المستوى لإنتربرايز.

كان الشهر الماضي مختلفا: اشترى المستثمرون الأجانب أدوات دين حكومية بقيمة 900 مليون دولار الشهر الماضي، وفقا لما قالته مصادر لجريدة المال، مضيفة أن الشهر الماضي لم يشهد خروج أي مستثمرين أجانب من أدوات الدين المصرية.

تذكر: شهد شهر يونيو خروج نحو 4 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية، بسبب المخاوف والتكهنات بشأن بدء خفض أسعار الفائدة في كل من مصر والولايات المتحدة. في حين ضخ المستثمرون الأجانب أكثر من 35.2 مليار دولار في أذون الخزانة الحكومية بنهاية أبريل الماضي، ارتفاعا من 32 مليار دولار بنهاية مارس، بحسب بيانات البنك المركزي.

..وأخرى داخلة - يتطلع البنك المركزي إلى جمع 115 مليار جنيه من خلال بيع أذون خزانة مقومة بالجنيه في مزادات خلال الأيام القليلة المقبلة، وفقا لموقعه الإلكتروني. وتنتهي فترة تلقي العطاءات في مزادي بيع أذون خزانة لأجل ستة و12 شهرا الساعة 11:00 صباحا يوم الخميس، ويوم الأحد المقبل لمزاد بيع أذون خزانة لأجل ثلاثة وتسعة أشهر.

الصورة الأكبر -

أسواق المنطقة تضررت أيضا: انخفض مؤشر تداول السعودي 2.1% خلال تعاملات أمس، فيما كان مؤشر بورصة إسطنبول 100 التركي الأكثر تأثرا، حيث انخفض بأكثر من 5.5%. وانخفض أيضا مؤشر بورصة تل أبيب تي أيه -35 بنسبة 0.9% - حيث تراجع خلال التعاملات بما يصل إلى 3.1% مسجلا أدنى مستوى له منذ فبراير.

التوترات الإقليمية تزيد الوضع سوءا: أفادت تقارير أن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أبلغ نظرائه في مجموعة السبع أن إيران وحزب الله يمكن أن يهاجما إسرائيل بحلول اليوم، وفقا لما ذكره ثلاثة مصادر مطلعة لموقع أكسيوس.

البلدان الأكثر عرضة للخطر: "لا يزال هناك خطر أكبر بكثير على أسعار الأصول في إسرائيل ولبنان وإيران، مع كون الأخيرة تخضع لعقوبات كاملة فيما يخص المستثمرين الأجانب على أي حال، مقارنة بأي مكان آخر في المنطقة"، حسبما قال حسنين مالك مدير قسم بحوث استراتيجية الأسهم في مزود البيانات العالمي تيليمر، في تصريحات لبلومبرج.

هل يقترب الفيدرالي من تخفيض أسعار الفائدة؟ توقع عبد العال خروج رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول الليلة لتهدئة الأسواق أو حتى عقد اجتماع استثنائي لخفض الفائدة قبل سبتمبر. وقال باول يوم الأربعاء إن خفض أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر سيكون مطروحا على الطاولة، إذا تماشت معدلات التضخم والنمو والتوظيف مع التوقعات.