كيف تصبح اللغة أداة لممارسة القوة الناعمة؟ تلجأ الدول إلى تعزيز وتعليم لغتها في الخارج كأداة لممارسة القوة الناعمة والنفوذ الثقافي وكذلك لتنمية العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الدول. وتعد المعاهد الثقافية التي ترعاها السفارات، مثل المجلس الثقافي البريطاني، ومعهد جوته الألماني، والمعهد الفرنسي، إحدى الطرق التي تعمل بها الدول الثلاث في هذا الصدد، إذ تتواجد هذه المعاهد في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مصر. تحدثت إنتربرايز إلى مسؤولي المعاهد الثلاثة لمعرفة سبب كون تعليم اللغة جزءا لا يتجزأ من مهمتهم، وما الذي يميزهم في السوق، وكيف تبدو نماذج أعمالهم.
مؤسسات عتيقة: يعمل المجلس الثقافي البريطاني في مصر منذ 86 عاما، وفقا لما قاله كيفين ماكلافين رئيس مجموعة منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا للغة الإنجليزية ومدير المجلس في مصر، مضيفا أن مكتب مصر كان أول مكتب عالمي للمجلس الثقافي البريطاني. كما تمتد مسيرة مكتبي معهد جوته في القاهرة والإسكندرية - وهما من بين أقدم المعاهد التي أنشئت في جميع أنحاء العالم - إلى 66 و65 عاما على التوالي، وفقا لما قالته نيفين السيوفي، رئيس قسم اللغات في مكتب المعهد بالقاهرة والمسؤولة الإقليمية عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لإنتربرايز. في غضون ذلك، أنشأ أحدث أعضاء المجموعة، المعهد الفرنسي في مصر، مقره بمنطقة المنيرة في القاهرة عام 1996.
تعد اللغة نقطة انطلاق للتقارب الثقافي: يعتبر تعليم اللغات ربما الركيزة الأساسية لما تفعله المعاهد الثقافية. "اللغة مهمة بشكل خاص لأنها تيسر دور معهد جوته كجسر بين مصر وألمانيا" من خلال تمكين الطرفين من التواصل وتقديم أداة للطلاب لتعلم الثقافة الألمانية، بحسب السيوفي. كما "كان هدف المجلس الثقافي البريطاني دائما، تعزيز التواصل والتفاهم والتعاون بشكل أفضل بين الثقافات المختلفة"، وفقا لما قاله ماكلافين، مضيفا أنه "يكاد يكون من المستحيل تحقيق تلك الأهداف" ما لم تتمكن من التواصل بشكل مجد.
المعاهد الثقافية أكثر تميزا مقارنة بالمراكز التعليمية للغات: على عكس المراكز المحلية للغات، تتميز المعاهد الثقافية بتوفير إمكانية الوصول إلى اختبارات ومؤهلات اللغة المعتمدة. "المعهد الفرنسي هو مصدر معتمد للمؤهلات الدولية مثل شهادات DELFوDALF أو اختبارات TCFوTEF، والمطلوبة للهجرة إلى كندا وكذلك الدراسة في فرنسا. "هذه الشهادات غير متوفرة في أي مراكز لغات أخرى محليا"، وفقا لما قالته نانسي إبراهيم، مديرة الدورات الفرنسية بالمعهد الفرنسي في مصر. الأمر نفسه ينطبق على المجلس الثقافي البريطاني الذي يدير جميع امتحانات GCSE وIGCSE في جميع أنحاء البلاد، وكذلك معهد جوته الذي يقدم العديد من الامتحانات لجميع المستويات تبعا للإطار الأوروبي المرجعي الموحد للغات.
منهج شامل: تتمكن المعاهد الثقافية من تزويد الطلاب بتجربة شاملة أكثر ثراء من المراكز التعليمية الأصغر حجما لتعليم اللغات من خلال عروض أوسع وأكثر شمولية. تقدم المعاهد الثلاثة مجموعة من الأنشطة الثقافية وتدعم المنح الدراسية للطلاب الذين يتطلعون للدراسة في بلدانهم. "يقدم المعهد الفرنسي عرضا سينمائيا يوم اثنين من كل أسبوع، ومعارض مستمرة، وقسما لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها (عادة طلاب فرنسيين)، وأنشطة مشتركة بين الطلاب الفرنسيين والمصريين تساعدهم على ممارسة اللغة التي يتعلمونها"، وفقا لما كشفته إبراهيم. وقال ماكلافين: "بسبب حضورنا العالمي، نحن قادرون على منح طلابنا المزيد من التعرض الدولي.. لدينا برامج للبالغين والأطفال حيث يمكنهم التعلم جنبا إلى جنب مع أشخاص من دول أخرى في جميع أنحاء العالم".
الإدماج له أهمية بالغة: "شيء آخر نفخر به كثيرا هو كوننا مؤسسة تعليمية شاملة. ومن بين طلابنا، لدينا متعلمون من متحدي الإعاقات وذوي الاحتياجات الخاصة"، وفقا لما قاله ماكلافين لإنتربرايز، مضيفا: "سنبذل دائما كل ما في وسعنا لتلبية تلك الاحتياجات، وفهم التحديات التي قد يواجهونها من الأفراد أنفسهم وكيف يمكن لمعلمينا دعمهم في التغلب على بعض تلك التحديات".
مصر تعد دولة ذات "أولوية قصوى" بالنسبة للمجلس الثقافي البريطاني، وفقا لما قاله ماكلافين، مضيفا "أنها أكبر منطقة لدينا في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا، بغض النظر عن كيفية النظر إليها - من حيث عدد الموظفين، أو عدد الطلاب، أو المرشحين للاختبار، أو البرامج التي نقدمها". يرجع هذا إلى عدد من العوامل، بما في ذلك حجم سكان البلاد وإمكاناتها لتكون لاعبا عالميا مهما وأهميتها الجيوسياسية، حسبما أوضح ماكلافين. "وجود دولة مستقرة ومزدهرة وصديقة في المنطقة أمر مهم للغاية" بالنسبة للمملكة المتحدة وقد أصبح "أكثر أهمية، للأسف، في الأشهر الاثني عشر الماضية"، وفقا لما قاله ماكلافين، في إشارة منه إلى عدم الاستقرار في المنطقة.
التعداد السكاني الكبير = طلب أكبر: "البرامج التي يقدمها المجلس البريطاني موحدة إلى حد كبير في جميع أنحاء العالم. ولكن هناك بعض البلدان التي ربما لا تستطيع تقديم المجموعة الكاملة من تلك البرامج لمجرد أنها لا تملك نفس الطلب الموجود في مصر"، وفقا لما قاله ماكلافين. وتابع: "أعتقد أن الاختلاف الكبير هنا هو أن لدينا أعدادا كبيرة جدا من الطلاب الذين يتابعون تلك البرامج".
الربح ليس هدفا في حد ذاته: على الرغم من أن المنظمات الثلاث غير هادفة للربح، إلا أن هناك بعض الاختلافات في طريقة تمويل عملياتها. الدعم المالي من وزارة الخارجية الألمانية هو المصدر الرئيسي لتمويل معهد جوته، إذ يغطي نحو ثلثي نفقات المعهد، بينما تغطي رسوم دورات واختبارات اللغة الألمانية باقي النفقات، وفقا لما كشفته السيوفي. على العكس من ذلك، يحقق المجلس الثقافي البريطاني معظم دخله من دورات واختبارات اللغة الإنجليزية، بحسب ماكلافين. وتعتبر اتفاقيات الشراكة والعقود والعمل الخيري والتمويل من الحكومة البريطانية أيضا مصدرا رئيسيا للتمويل، وفقا للتقرير السنوي العالمي للمركز لعام 2023/2022 (بي دي إف). وفيما يتعلق بعمليات اللغة في المعهد الفرنسي، قالت إبراهيم إن المركز ممول ذاتيا تماما، إذ يستخدم الدخل من الدورات والاختبارات لتغطية نفقاته.
هذا ليس كل شيء: في الجزء الثاني، سنلقي نظرة أعمق على كيفية قيام هذه المعاهد بتوسيع عملياتها - من خلال افتتاح المزيد من المواقع وتقديم دورات مخصصة وتدريب المعلمين. كما سنتطرق إلى التحديات التي تواجه المعاهد، بما في ذلك الرياح الاقتصادية المعاكسة وصعوبة إيجاد المعلمين المناسبين، ومراحل تطورها على مر السنين.
أبرز أخبار قطاع التعليم في أسبوع:
- وزير جديد للتعليم: شهد التعديل الوزاري خلال الأسبوع الماضي تنصيب محمد عبد اللطيف (السيرة الذاتية) وزيرا جديدا للتعليم بدلا من رضا حجازي.
- إدراج 15 جامعة مصرية في تصنيف ليدن الهولندي لعام 2024: أدرجت جامعتا قناة السويس وحلوان ضمن تصنيف الجامعات الدولية المقرر من قبل مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا التابع لجامعة ليدن الهولندية، ليصل إجمالي عدد الجامعات المصرية في القائمة إلى 15 جامعة، وفقا لبيان وزارة التعليم العالي.
- الأهلي سيرا تؤسس شركة جديدة لتطوير 4 نماذج لجامعات دولية جديدة في مصر: وقع صندوق مصر السيادي وشركة الأهلي سيرا للخدمات التعليمية اتفاقية لتطوير أربعة نماذج جامعية دولية جديدة في مصر، بالتعاون مع مؤسسات تعليمية عالمية مرموقة من كندا وسويسرا وألمانيا والولايات المتحدة.