يقال إن الجهل نعمة، ولكن هذا ليس صحيحا في حالة الحديث عن أزمة تغير المناخ، التي قد يسبب التغافل عنها كوارث جمة. الفكرة الشائعة لدى كثيرين أن درجة حرارة الكوكب تزداد ببطء، ومعها ترتفع مستويات المياه في المحيطات ببطء، وهو ما يحول الأرض إلى كوكب غير صالح للسكن بشكل تدريجي. ولكن كثيرا من العلماء يحاولون منذ عقود أن ينبهونا إلى أن الأمر لا يحدث هكذا، وأن خطورته أكبر مما نظن.

نظرية القارب: تخيل أنك في قارب صغير داخل البحر، وأن أحد الركاب الآخرين يهز القارب من جانب لآخر من خلال دفعات صغيرة، وفي كل مرة يزداد ميل القارب أكثر إلى أحد الجانبين. النتيجة المتوقعة دون شك أن القارب سيصل إلى نقطة معينة ثم ينقلب تماما، وينهار كل شيء في لحظة. هذا باختصار ما يحدث في أزمة التغير المناخي وفقا لكثير من العلماء المتخصصين. المسألة ليست بطيئة وتدريجية كما نتصور، بل هناك لحظة ذروة قد تودي بحياة 3.4 مليون إنسان خلال عام واحد فقط.

طرق مختلفة نحو الكارثة: ثمة كثير من الطرق التي يمكن أن تقذف بنا إلى ذلك المصير المشؤوم، ويرجح العلماء أن فشل النظام البيئي قد يبدأ الانهيار المفاجئ في التيار الأطلسي الشمالي الذي يعد جزءا من "دوران انقلاب خط الزوال الأطلسي" (أموك). هذا الدوران مسؤول عن نقل المياه الدافئة إلى الشمال وتنظيم المناخ العالمي من خلال توزيع الحرارة والطاقة على الكوكب، وهو أهم الأسباب التي تجعل أوروبا منطقة صالحة للعيش.

مزيد من التفاصيل حول أموك: تلعب الحرارة الملحية دورا مهما في النظام الجوي على الأرض، إذ تتبخر مياه المحيط الأطلسي مما يؤدي إلى زيادة الملوحة، وبعد هذا تنتقل المياه الدافئة والمالحة شمالا وتبرد حرارتها وتزداد كثافتها على السطح، بينما تستمر دورة التيار البارد في اتجاه الجنوب. لكن مع ذوبان القمم الجليدية تقل نسبة الملوحة ودرجة حرارة الأجزاء القريبة من المحيط، ويتعطل دوران انقلاب خط الزوال الأطلسي.

أوروبا في خطر: تعد القارة العجوز هي الأسرع احترارا في العالم، وفقا للوكالة الأوروبية للبيئة. هذه التغييرات لا تهدد الأمن الغذائي والنظم البيئية وموارد المياه في أوروبا فحسب، بل تؤثر على صحة السكان أيضا. ففي عام 2022، توفي أكثر من 61 ألف شخص في القارة بسبب ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف. وقد وصلت تلك التأثيرات إلى مستويات خطيرة، ويمكن أن تخلف آثارا كارثية لو لم نتحرك سريعا، بحسب تقرير الوكالة.

حين يتعطل دوران انقلاب خط الزوال الأطلسي، ستفقد أوروبا المصدر الذي تعتمد عليه لنقل الحرارة. ولنضرب مثلا بالمملكة المتحدة التي تقع على نفس خط عرض سيبيريا (رغم صعوبة تصديق هذا، لكنه حقيقي). ففي ظل عدم نقل الحرارة، قد يصبح مناخ بريطانيا أقرب إلى بيئة الأراضي الروسية، والتي تصل حرارة بعض مناطقها أحيانا إلى 73 درجة مئوية تحت الصفر. وحينها لن تجد بريطانيا أرضا تصلح للزراعة، وسوف يتوقف إنتاجها الزراعي بالكامل. وعندما تصبح بعض البلدان غير صالحة للعيش بسبب تغير المناخ وما يتبعه من آثار اقتصادية، ستصل الهجرات الجماعية إلى مستويات غير مسبوقة، إذ يتوقع البنك الدولي نزوح 140 مليون شخص بحلول عام 2050.

مصر ليست بعيدة عن الخطر: ربما تتعرض مصر لضربة قاسية بسبب التغير المناخي تؤدي إلى خسارة قناة السويس. لا نقصد بذلك تأثر المجرى الملاحي نفسه بسبب التبخر والتلوث فحسب، بل من حيث الجدوى الاقتصادية أيضا. ففي حال تزايد تدفق المياه من المحيط الهندي أو طريق بحر الشمال (الذي لا يمكن استخدامه إلا في الفترة من يوليو إلى أكتوبر بعد ذوبان الجليد) سيخلو الممر من الجليد على مدار العام، وبالتالي تفقد قناة السويس أهميتها لحركة التجارة القادمة من الصين وأوروبا.

السفر جوا سيصير خطرا داهما: ازدادت الاضطرابات الجوية بنسبة 55% خلال العقود الأربعة الأخيرة بسبب تداعيات التغيرات المناخية المستمرة منذ أواخر السبعينات، بحسب دراسة نشرت العام الماضي. فحينما تزداد سخونة الهواء، تتغير سرعة الرياح واتجاهاتها على نحو عنيف. ومع صعوبة التنبؤ بدوران الهواء عن ذي قبل، ازدادت صعوبة الرحلات الجوية، مما جعل الاضطرابات الجوية السبب الأكثر شيوعا لحوادث الطيران. هذا لا يعني أن حوادث الطيران سوف تزداد في المستقبل بالضرورة، ولكن ستكون هناك زيادة في تعرض المسافرين لإصابات في العمود الفقري وكسور الأطراف وكذلك الشلل بسبب الاضطرابات الجوية.

أضرار جانبية: يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى جعل الناس أكثر ميلا للعنف بوجه عام، سواء من خلال المشاحنات الفردية أو حتى حالات العنف المنظمة مثل الحروب، وهو ما تؤكده 56 دراسة منفصلة. وثمة تداعيات أخرى قد تزيد من غضب كثيرين مثل القهوة التي لن تكون متوفرة كما هي الآن، فهناك احتمال لانخفاض مساحة الأراضي المخصصة لزراعة البن بنسبة 50% خلال العقدين المقبلين، وفقا لإحدى الدراسات. وقد شهدت البرازيل (أكبر مصدر للبن في العالم) فشل بعض المحاصيل بسبب عدم استقرار المناخ. القهوة ومعها والأفوكادو والكاجو تعد من المحاصيل التي تحتاج إلى مناخ مستقر للنمو، مما يجعلها أكثر المنتجات عرضة للاختفاء. ومع وقوع القهوة ضحية للتغير المناخي، سيؤثر هذا بالتبعية على سبل العيش وكسب الرزق لملايين من العاملين في الصناعة.

وداعا للمومياوات: بعد سبعة آلاف عام، بدأت بعض مومياوات صحراء أتاكاما التشيلية في التحلل، رغم حفظها داخل المتاحف، بسبب ارتفاع مستويات الرطوبة التي أدت لتشجيع نمو البكتيريا التي تلتهم المومياوات. ومن المتوقع أن تتأثر قطع أثرية تاريخية أخرى، مثل التماثيل الرخامية الإيطالية والمقابر المجمدة في سيبيريا.

صيف الساحل إلى زوال: يؤدي ارتفاع منسوب مياه البحر إلى تآكل مساحات كبيرة من شواطئ العالم، لكن ثمة تهديدات أخرى للساحل الشمالي بالذات هو هجرة الحيوانات بحثا عن بيئات معيشية مناسبة، بما في ذلك قناديل البحر وأسماك القرش، التي يبدو أنها تميل إلى مياه البحر الأبيض المتوسط.

ندرة السوشي: ليس غريبا أن تتحمل المحيطات العبء الأكبر من أزمة المناخ، فهي تمتص 93% من الحرارة التي تحتجزها الغازات الدفيئة و30% من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الوقود الأحفوري. ويؤثر هذا بالفعل على مئات الآلاف من الأسماك، مما سيجعل طعاما شهيا مثل السوشي أكثر ندرة وأعلى تكلفة.

العلامات: