الكثافة السكانية سلاح ذو حدين: في الوقت الذي تنعم مصر بقوة عاملة وقاعدة استهلاكية كبيرة تحسد عليها، فإنها مثقلة أيضا بمسؤولية ضمان تحقيق نمو اقتصادي يحقق الرفاهية للجميع - أي نحو 111 مليون نسمة. ومع اقتراب ثورة الرقمنة والأتمتة من تحويل المهارات التي تحتاجها القوى العاملة الأكبر سنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحا: كيف نعد السكان للنجاح في اقتصاد مصري من الجيل الثاني؟

..والحل؟ برامج تعليم الكبار. تتمثل مهمة تعليم الكبار في "توفير اكتساب عادل للمعرفة والقدرات والمهارات ذات الصلة بطريقة مرنة للجميع مدى الحياة"، وفقا لتقرير (بي دي إف) صادر عن اليونسكو حول تعليم الكبار في عام 2022. ويعد تشجيع هذا النوع من المرونة في المهارات مهما بشكل خاص مع إزاحة التغييرات الاقتصادية للقوى العاملة الحالية، حسبما يشير التقرير.

الأمر لا يقتصر على الطرق القديمة للقراءة والكتابة والحساب: رغم أن محو الأمية من بين المهارات الأكثر أهمية في برامج تعليم الكبار، فإن المصطلح يعني أكبر بكثير من مجرد الإشارة إلى القدرة على القراءة؛ إذ أصبح يضم محو الأمية الحسابية والرقمية والمالية بالإضافة إلى تطوير مهارات التفكير النقدي.

مصر متأخرة في محو الأمية: تشير تقديرات بعض المصادر الحكومية إلى أن نسبة الأمية بين السكان البالغين تتراوح بين 20-22%، بينما تقدر بعض المنظمات الدولية مثل البنك الدولي واليونسكو النسبة أعلى بقليل بين 25-28%، أي أعلى من المتوسط العالمي لنسبة الأمية البالغ 17%، إلى جانب ترتيب أقل لنسبة محو الأمية في مصر مقارنة مع 20 دول عربية تقدم بيانات حول محو الأمية باستثناء خمسة منها.

تدشين الهيئة العامة لتعليم الكبار: تأسست الهيئة عام 1991 تحت مظلة وزارة التربية والتعليم، وسبب وجودها يكمن في اسمها - النهوض بتعليم الكبار وخاصة محو أميتهم. تعمل الهيئة في جميع محافظات الجمهورية وتستهدف تقديم دروس محو الأمية المصممة خصيصا لتلبية احتياجات الطلاب، إلى جانب تدريب المعلمين المتخصص وتقييمات محو الأمية.

استهداف نسبة أمية مقاربة للصفر بحلول عام 2030 : تتمثل رؤية الهيئة في القضاء فعليا على الأمية بحلول عام 2030، وهو ما يشير وفقا لمعايير اليونسكو إلى الوصول إلى نسبة تتراوح بين 7-10%. وتركز الهيئة بشكل خاص على استهداف الأفراد في سن العمل وتطوير المناهج التي تدمج مفهوم ريادة الأعمال. وقال عيد عبد الواحد رئيس الهيئة لإنتربرايز إن الأمل يكمن في رؤية مساهمة محو الأمية في خلق فرص اقتصادية وتوليد مستويات أعلى من الدخل.

كما يعتبر محو الأمية الرقمية أحد محاور التركيز: هناك جهود تبذل أيضا لدمج المعرفة الرقمية في المناهج الدراسية نظرا لانتشار التطبيقات الرقمية في القطاعات الخدمية والمصرفية.

التركيز على الجودة وليس الكم: ركزت حملات محو الأمية السابقة بشكل غير متناسب على عدد المتعلمين الذين يتم الوصول إليهم بدلا من محتوى التعليم المقدم وتوافقه مع احتياجات سوق العمل، حسبما يرى عبد الواحد. كما لم تشمل المناهج الدراسية القديمة مفاهيم مهمة مثل الاستدامة الخضراء والمواطنة ومواجهة الشائعات والمعرفة الرقمية. تهدف الهيئة العامة لتعليم الكبار إلى دمج هذه المفاهيم، إلى جانب تركيزها على ريادة الأعمال، في مجموعة جديدة من المناهج الدراسية عالية الجودة.

..ما يعني أيضا تصميم مناهج جديدة للوظائف وفقا لمختلف المهام الوظيفية، مما يضمن أن المحتوى مفيد لعمل الفرد. ويجري أيضا تعديل آليات اختبار الحصول على شهادات محو الأمية، بحيث تتضمن مفردات خاصة بالوظائف ومهارات تقنية.

لكن، ضمان المشاركة يمثل تحديا: واجهت برامج محو أمية الكبار بعض المقاومة من جانب المشاركين وأسرهم، ولا تزال معدلات التسرب تشكل مصدر قلق، بحسب دراسة (بي دي إف) صدرت عام 2022 حول المعوقات التي تواجه فروع الهيئة العامة لتعليم الكبار. وقد سعت الهيئة إلى تذليل تلك التحديات عبر توفير خيارات النقل من وإلى الفصول الدراسية وإتاحة فصول دراسية منفصلة للمتعلمات.

..والتمويل أيضا، وفقا لما قاله عبد الواحد، مشيرا إلى الجهود الجارية حاليا للعثور على شركاء محليين ودوليين مهتمين بتمويل مبادرات الهيئة. كما يعد إشراك القطاع الخاص أمرا ضروريا للتوصل إلى حلول مبتكرة لاستدامة وتوسيع البرامج القائمة، وربطها بأحدث التطورات الرقمية والأمنية، وتحسين الوعي العام والتثقيف المجتمعي بشأن القضايا المهمة، حسبما أكد عبد الواحد.

الهيئة نفذت بالفعل بعض البرامج المتخصصة لمحو الأمية: لقد عملت الهيئة مع شركاء خارجيين على عدد من المشاريع المتخصصة، بدءامن مبادرة مع وزارة الزراعة تقدم فصول محو الأمية التي تركز على الزراعة إلى مشروع يجري تنفيذه بالتنسيق مع البنك الأهلي المصري بهدف بناء معرفة وظيفية ومالية في وقت واحد. أسفرت شراكة اليونسكو مع الهيئة العامة لتعليم الكبار عن برنامج لمحو الأمية يمتد لعامين بهدف تعليم 500 امرأة في محافظات الجيزة وأسوان ودمياط، بالإضافة إلى مبادرة لتدريب المعلمين وبرنامج يضيف خدمات التعليم للكبار إلى الجمعيات والنوادي القائمة.

..بينما تفتح الباب أمام القطاع الخاص للمشاركة: لا يزال هناك تقدم كبير ينبغي إحرازه على صعيد محو الأمية، والقطاع الخاص لديه حافز قوي لدعم المشروع. ومع قيام المؤسسات المالية باستهداف الشرائح التي لا تمتلك حسابات مصرفية من المجتمع المصري بشكل متزايد، فإن الأمر لا يقتصر فقط على الوعي المالي. لن تساعد زيادة معرفة القراءة والكتابة الوظيفية فقط على تنمية مهارات وقدرات الأفراد، بل ستساعدهم أيضا على الوصول إلى الموارد المالية التي قد تحول حياتهم، وقد يكون غرس روح المبادرة من خلال برامج محو الأمية هو ما يحتاجه الاقتصاد المصري في الجيل التالي.


أبرز أخبار قطاع التعليم في أسبوع:

  • جامعة النيل والبنك التجاري الدولي، يعلنان عن تخريج أول دفعة من برنامج "التمويل المستدام للشركات الصغيرة والمتوسطة"، وفق بيان صحفي (بي دي إف) صادر عن البنك. ويهدف البرنامج إلى معالجة الفجوة في الكفاءات بمجال التمويل المستدام لدعم الشمول المالي والتمويل المستدام، عبر توفير الكوادر المؤهلة لسوق العمل المصرفي والاستفادة من مهارتها على الصعيد المصرفي والمالي.
  • "حماية المنافسة" يتهم 3 شركات طباعة ونشر بالتلاعب بالأسعار: قرر جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية ثبوت المخالفة على ثلاثة من الشركات العاملة في طباعة ونشر وتوزيع الكتب الخارجية المدرسية لمراحل التعليم الأساسي والثانوي، وذلك للاتفاق فيما بينها، بالمخالفة للقانون، على رفع أسعار الكتب من خلال خفض نسبة الخصم التي تمنح لتجار التجزئة وهم صغار المكتبات، مما تسبب في زيادة الأسعار على الطلاب وأولياء الأمور، حسبما أعلن الجهاز في بيان صحفي.