رحل دانيال كانمان أستاذ علم النفس الفخري بجامعة برنستون الذي أرسى دعائم الاقتصاد السلوكي يومالأربعاء الماضي عن عمر ناهز تسعين عاما. نقلت أعمال المؤلف -وأغلبها بالاشتراك مع صديقه عالم النفس عاموستفرسكي - النظرية الاقتصادية التقليدية من افتراض أن الناس يتخذون قرارات عقلانية بناء على مصالح الشخصية، إلى افتراض أن الناس يستخدمون الطرق العقلية المختصرة ويتأثرون بالمشاعر ويتخذون قرارات تفشل في الغالب في الوصول إلى أفضل النتائج الاقتصادية.

حصل كانمان على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 2002 "لدمجه بين الأبحاث النفسية والعلوم الاقتصادية، لا سيما حول عملية الحكم البشري واتخاذ القرار في ظل عدم اليقين"، بحسب إعلان جائزة نوبل. وكان يمكن لتفرسكي أن يشاركه الجائزة لولا وفاته عام 1996.

عرفت فكرة التفكير الثنائي بعد صدور كتاب "التفكير السريع والبطيء" عام 2011. ويدور الكتاب حول فكرة أن الناس يتبعون طريقتين في التفكير: الطريقة الأولى هي عملية انتقائية يقودها الحدس والانفعالات العاطفية، والطريقة الثانية هي طريقة بطيئة ومتعمدة ويقوم العقل فيها بالتحليل وصياغة الرؤى العقلانية، لتصحيح أخطاء الطريقة الأولى. ويفترض كانمان أن الوضع الطبيعي عادة يكون على الطريقة الأولى، إذ يستخدم العقل قواعد التجربة والتحيزات المعرفية وغيرها من الآليات لإنجاز عملية اتخاذ القرار بسرعة.

المثال على الطريقة الأولى تأثير الإطار وهو انحياز إدراكي اكتشفته أبحاث العالمين وفيه يمكن لطريقة عرض شيء أو تقديمه بالإيجاب أو السلب أن تؤثر على اختياراتك وتدفعك لتفضيل خيار على آخر حتى لو لم يكن هناك فرق في النتيجة. وعلى سبيل المثال من المرجح أن يختار الناس القيام برحلة مدتها 20 دقيقة لتوفير 5 دولارات لشراء منتج بقيمة 15 دولار، بدلا من القيام بنفس الرحلة لتوفير نفس الدولارات الخمس لشراء منتج بقيمة 125 دولار.

المثال على الطريقة الثانية: مغالطة الاقتران، وهو الخطأ الاستدلالي الذي يعرف أيضا باسم "معضلة ليندا"، وهي المغالطة التي تقودنا إلى الاعتقاد بأن مجموعة من الشروط أو الصفات أكثر ترجيحا للحدوث معا، مقارنة بحدوث أي منها منفردا، وهو ما يتعارض مع قوانين الاحتمالات. ويحكي المثال الأشهر على ذلك قصة خيالية لامرأة تدعى ليندا تبلغ من العمر 31 عاما ودرست الفلسفة، وتهتم كثيرا بقضايا التمييز والعدالة الاجتماعية. عندما طلب من مجموعة من الأفراد أن يختاروا سيناريو واحدا أرجح في حدوثه من الثاني فيما يتعلق بطبيعة عمل ليندا، وجرى تخييرهم بين أن ليندا تعمل صرافة بالبنك، أو أن ليندا تعمل صرافة بالبنك وناشطة نسوية، اختار أغلب المشاركين الإجابة الثانية، رغم أن الاحتمال الأكبر هو أن تكون الإجابة الأولى أصح، لأن الإجابة الثانية تشمل الأولى في كل الأحوال.