لماذا يحتل البودكاست هذه المساحة الكبيرة من حياتنا الآن؟ من النادر هذه الأيام أن تجد شخصا لا يستمع إلى البودكاست، إن لم يكن متابعا نشطا لبعض البرامج. ويبدو أن هذا الاتجاه آخذ في الصعود، إذ يضم أبل بودكاستس وحده نحو 2.5 مليون بودكاست بأكثر من 100 لغة، بينما يتجاوز عدد المستمعين حول العالم 400 مليون شخص.

ظاهرة البودكاست شهدت تناميا ملحوظا: قبل جائحة كوفيد-19، كان مستمعو البودكاست في الولايات المتحدة 62 مليون شخص تقريبا، لكن النسبة ارتفعت بمقدار 18% بعد أول شهر من العزل المنزلي. هذا الارتفاع لا يكاد يذكر إذا ما قارناه بالعقد الماضي، حين تحول البودكاست من وسيلة مهملة إلى أداة ترفيه مشهورة عام 2018، بحسب نيويورك تايمز. فبين عامي 2018 و2019 فقط، ارتفع عدد الأمريكيين الذين يتابعون بودكاست واحدا على الأقل إلى 1 من بين كل 3، من 1 من بين كل 4 قبلها.

عرفت فكرة البودكاست في البداية باسم التدوين الصوتي، وبدأت مع مقدم الحفلات بقناة إم تي في آدم كاري وخبير البرمجيات ديفوينر ، اللذين ابتكرا فكرة ملفات الصوت التي يمكن تحميلها من الإنترنت، بحسب موقع بينكستون .أما كلمة "بودكاست" فقد صكها المذيع والديفولبر البريطاني بين هامرسلي عام 2004، في مقاله على الجارديان بخصوص الموضوع. وفي العام التالي أطلق الكاتب والصحفي كريستوف ليدون مع ديف وينر أول بودكاست بعنوان Open Source، ليكون وسيلة لمساعدة "كل من يريد أن يصبح مذيعا".

حظي مشهد البودكاست بشعبية كبيرة مع إتاحة أبل الآلاف من برامج البودكاست مجانا على منصة أي تيونز عام 2005. لكن النقلة النوعية كانت في 2014 مع إطلاق نظام أي أو إس 8 الذي احتوى على تطبيق مخصص للبودكاست، ما سهل الاستماع إليه بشكل ملحوظ، وفق تقرير بينكستون.

بودكاست Serial (وهو أحد مفضلاتنا) كان أول برنامج يحصد 5 ملايين عملية تحميل على مستوى العالم. وبعد خمس سنوات من نجاحه، ارتفع عدد مستمعيه من 39 مليون شخص إلى 90 مليون شخص.

أسباب النمو الضخم الذي حققه البودكاست -

1#- الإنتاج متاح للجميع: يمكن إنتاج برنامج بودكاست بتكلفة منخفضة، إذ لا يتطلب الأمر أكثر من ميكروفون وهاتف ذكي. هذا الاستثمار قليل التكلفة أتاح ظهور برامج بودكاست تتناول كل الموضوعات تقريبا، مما جعل السوق شديدة التنوع.

وفي نفس الوقت، من السهل تحقيق دخل: ما يميز البودكاست أن مقدمه لا يحتاج إلى المعاناة أو الاتفاق مع شبكات البث الضخمة لإيصال صوته للمستمعين، فكل الناس يمكنهم دخول المشهد بسهولة، ويمكن لأي أحد أن يحقق دخلا لا بأس به إذا نجح في حصد الشعبية اللازمة. ومن المتوقع أن تنمو إيرادات إعلانات البودكاست العالمية إلى 4 مليارات دولار خلال العام الجاري، مقابل 1.1 مليار دولار في مرحلة ما قبل الجائحة، بحسب تقرير ستاتيستا.

2#- التواصل الإنساني: تسببت الجائحة في ارتفاع عدد مستمعي البودكاست بشكل ضخم، بفضل الحاجة الإنسانية إلى الارتباط والتواصل. وفرت برامج البودكاست مصدرا للحميمية في وقت التباعد الاجتماعي والعزل المنزلي، وملأت الفراغ الذي خلفه غياب التفاعل الإنساني المباشر، في وقت كان الناس يشتاقون فيه إلى نوع من الحميمية يعوض فراغ افتقاد البشر.

3#- التوفر: يمكن سماع حلقات البودكاست بكل سهولة، فهي متاحة على جميع الأجهزة ومعظم المنصات لا تتطلب اشتراكا مدفوعا. كما أن بعضها متاح بالصوت والفيديو، ما يجعل استخدامها سهلا ومتعددا.

4#- يمكن استهلاكه في أي مكان: أسهمت مرونة الاستخدام في انتشار البودكاست، إذ يمكن الاستمتاع به أثناء أداء المهام اليومية أو التنقل بين مكان وآخر، وحتى خلال أوقات الاسترخاء في البيت.

5#- المحتوى مناسب للجميع: هناك بودكاست يتناول أي موضوع نتخيله، سواء أنتجه صغار صناع المحتوى أو الشركات الكبرى. يتنوع المحتوى بين طرق الزراعة ومراجعات الأفلام وتطورات الأحداث العالمية وغيرها، وهناك برامج للتسلية والتعليم وأخرى عن الجرائم والرعب والكثير، ما يجعلها مناسبة مهما كانت حالتك المزاجية أو اهتماماتك.

العلامات: