قاتمة وكئيبة وقمعية.. هكذا ينظر الفن إلى طبيعة أماكن العمل: من شاهدوا فيلم Barbie سيلاحظون هيمنة اللون الوردي بمختلف درجاته على العمل، بينما يأتي تصور المقر الرئيسي لشركة ماتيل المنتجة لدمى باربي على النقيض، فهو "مجموعة من الحجيرات المعدنية القاتمة والمقبضة"، وفق تقرير بلومبرج.
تصميم مكاتب ماتيل مستوحى من الفيلم الكوميدي Playtime عام 1967، حسبما تذكر مخرجة فيلم باربي جريتا جيرويج لبيزنسإنسايدر. الفيلم يتناول إشكالية الارتباك في عصر التكنولوجيا المتطورة، ويصور المكاتب باعتبارها صفوفا متتالية من الحجرات التي تشبه الصناديق بشكلها الرمادي الكئيب، داخل مبنى أشبه بالمتاهة يكتظ بالممرات والمصاعد والسلالم الكهربائية.
الجذور التاريخية: مصطلح "مكتب" ليس اختراعا رأسماليا، طبقا للمؤرخة أماندا فورمان في وول ستريت جورنال، إذ يعود تاريخها إلى عام 3000 قبل الميلاد، عندما كانت المعابد في بلاد ما بين النهرين توطف مجموعات من الكتبة لحفظ السجلات الأعمال الرسمية. تصف فورمان لفظ Office باعتباره مزيجا من الكلمة اللاتينية Officium التي تعني منصبا أو واجبا، وOb ficium التي تشير إلى أداء شيء ما.
تصوير عالم الشركات في أسوأ صورة ينتشر كذلك في أشكال أخرى من الأدب، مثل رواية Yellowface للكاتبة ريبيكا إف كوانج التي تصور المكتب باعتباره مكانا "يتمتع فيه الناجحون بميزة غير عادلة، على حساب الموظفين الأقل ثقة وشهرة"، بحسب بلومبرج. بينما تدور أحداث رواية Demon Copperhead الفائزة بجائزة بوليتزر للكاتبة باربرا كينجسولفر، في أجواء عمال ترتيب وتعبئة أرفف المتاجر الذين يتقاضون أقل الأجور والعاملين في مجتمعات التعدين.
انشغال الفن بتصوير الصعوبات الاقتصادية وتراجع الصناعات ليس بالأمر الجديد. مثال على ذلك أغنية Allentown (شاهد: 3:45دقيقة) لبيلي جويل، والتي أعاد غنائها أمام مئات المحبين في حفلين بنيويورك ولندن العام الماضي بعد 40 عاما من إطلاقها لأول مرة. ولا تزال أغنيات مثل Nine to Five لدوللي بارتون (شاهد: 2:33 دقيقة) وOney لجوني كاش (شاهد: 3:05 دقيقة) وHard Day's Night لفرقة البيتلز (شاهد: 2:38 دقيقة)، أو حتى Workin' Man Blues لميريل هاجارد (شاهد: 2:35 دقيقة)، تعبر عن قصص ساعات العمل الطويلة المرهقة والضغط الناجم عن محاولة كسب لقمة العيش.
العيش في ظل سباق الفئران: كان الفنان الإنجليزي إل إس لوري يعمل في وظيفة تحصيل الإيجارات بدوام كامل، وقد قضى معظم حياته خارج ساعات العمل في رسم مشاهد لعمال المطاحن والأرصفة في شمال إنجلترا. يظهر العمال في لوحات مثل Going to Work وMill Gates وهم يحثون الخطى من وإلى العمل، أو يحتشدون في صفوف على خلفية تهيمن عليها مناظر المصانع والمداخن التي تلوح في الأفق، في أعمال لا تقل شبها عن التصميمات الداخلية لشركة ماتيل في فيلم باربي. أما الفنان الأمريكي إدوارد هوبر فيتأمل داخل مكتب العمل في لوحته Office at Night، ليجسد قلق الموظف الوحيد الذي يبقى في المكتب لساعات متأخرة وعزلته، إلى جانب الشعور الذي يتملكه مع اشتداد الظلام كونه لا ينتمي للمكان الذي يعمل فيه.
الهوس بالمكتب.. ألم تشاهدوا ذا أوفيس؟ لتعرفوا مدى حب الجمهور للمنافسات التافهة والمهام اليومية المبتذلة، ليس عليكم إلا أن تشاهدوا المسلسل الكوميدي ذا أوفيس، وهو تحفة فنية لا تزال تجتذب المشاهدين لدرجة إصدار نسخة عربية بعنوان " المكتب "، والتي تحاكي المسلسل الأصلي ولكن في سياق سعودي. وقد صدرت عدة نسخ أخرى من المسلسل في ألمانيا والهند وتشيلي وفرنسا، إلا أن نسخة الولايات المتحدة هي الأكثر شهرة.
لا تصدق كل ما تراه على الشاشة: صناع السينما يظهرون بيئة العمل بطريقة "ظالمة" لا تعبر عن الواقع، بحسب ما قاله المهندس المعماري ورئيس شركة رياض للهندسة المعمارية محمود رياض في حديثه لإنتربرايز. إذ أن العزلة الواضحة في فيلم باربي تعتمد على فكرة الصورة الكاريكاتورية التي تساعد على خلق رد فعل سلبي لدى الجمهور، ويصبح المكان نفسه وكأنه إحدى شخصيات الفيلم، بحسب رياض. الصورة الرمادية والخافتة للمكاتب تلعب دورا في رسم صورة الشركة الشريرة، في حين أن شركات الإعلام والتكنولوجيا عادة ما تظهر في الأفلام من خلال مكاتب واسعة عامرة بالمحادثات والنشاط، التي تحفز على الإبداع والانفتاح والأفكار الجديدة.
الإنتاجية بين المرح والعمل: نشرت الجارديان في عام 2016 تقريرا عن التصميم الجديد لمكاتب شركة جوجل الذي يوازن بين العمل والمرح والاسترخاء باعتباره مستقبل مساحات العمل الإبداعية، وكان ذلك قبل تشات جي بي تي وميدجورني. في ذلك النموذج، تجد المكاتب وطاولات البلياردو والبولينج والجيم والطعام المجاني وكبسولات القيلولة الشهيرة، وكل هذا يهدف إلى تعزيز الشعور بالسعادة والراحة عند الموظفين، مما ينعكس على إنتاجيتهم وولائهم ومشاركتهم للمعرفة وبالطبع استمرارهم في الشركة. ولكن كما تبالغ الأفلام في تصوير شر الشركات، تقع وسائل الإعلام في فخ المبالغة أيضا عند الحديث عن نموذج جوجل في بيئة العمل، بحسب رياض، الذي يؤكد أن مسألة الإنتاجية لا تزال أهم أولويات التصميم المعماري للمكاتب خاصة في مصر.
مساحة الرؤية تؤثر على الإنتاجية: يلعب الجانب المعماري والتصميم دورا في تعزيز الإنتاجية، إذ توضح الأبحاث أن التصميم الجيد للمنزل يمكن أن يزيد الإنتاجية حتى 20%. كما أن المكاتب المنظمة التي تدخلها أشعة الشمس تؤثر على مستويات الطاقة وتقلل الضغط، بينما تؤدي المكاتب المغلقة إلى أمراض مثل متلازمة العمارة المريضة. يحدث هذا حين يشعر ساكنو المباني بعدم ارتياح وتأثير سلبي على صحتهم على نحو يرتبط بقضاء وقت طويل داخل تلك المباني، دون التمكن من تحديد أمراض أو أسباب بعينها.