نحن في إنتربرايز، ورغم اهتمامنا بمتابعة وتغطية جميع القطاعات بطبيعة الحال، إلا أننا مهتمون بصفة خاصة بصناعة التمويل، فالأموال هي العدسة التي نرى بها الفرص والتحديات على حد سواء. والأسئلة التي تُطرح عند دراسة فرصة استثمارية جديدة أو محاولة حل مشكلة ما، هي: كم سيكلف ذلك؟ من أين سيأتي المال؟ وما تكلفة الحصول على هذا المال (تكلفة التمويل)؟ هل يوجد عائد على هذا الاستثمار، وما جدواه؟ هل هذا هو الاستخدام الأمثل لتلك الأموال؟
أسئلة التمويل خطوة رئيسية للأعمال، وتحدد أجوبتها عدة أمور، من بينها أولويات التوظيف، والأسواق المستهدفة للتوسع، والمنتجات التي تُطرح في الأسواق. تساعد الأموال في تحديد التشريعات التي تنظم الأعمال وتشكيل السياسة الضريبية. الأموال تجعل العالم يدور.
حددنا في إنتربرايز سبعة موضوعات رئيسية أثناء التحضير لمنتدى التمويل الأول لدينا، كانت هي الموضوعات البارزة في كل يوم عمل وكل ربع في عام 2023 بالنسبة لنا جميعا. ويبدو أن هذه الموضوعات مستمرة في العام المقبل. ببساطة، مجتمعنا لم يمر أبدا بمثل هذا الوقت المليء بالتحديات والمتخم بالفرص السانحة لتنمية الأعمال.
استضفنا على منصات منتدى إنتربرايز للتمويل على مدار يومين أكثر من ثلاثين من رؤساء وقيادات الشركات. وهذه هي الموضوعات الرئيسية التي ناقشوها:
1 - عدم اليقين يهيمن على الموقف
لم يسبق لأي منا إدارة شركة في بيئة محاطة بمثل هذا القدر المزمن من عدم اليقين، بدءا من الاضطرابات التي تلت ثورتي 25 يناير و30يونيو وأزمة العملة الأجنبية في 2016، وحتى كوفيد ونهاية عصر التمويل الرخيص وعاصفة جديدة من نقص العملة الأجنبية والتضخم المنفلت.
أزمة العملة هي المعضلة الأكبر: كيف يمكنك استثمار أموالك في أصل ما مع عدم اليقين بشأن قيمته في اليوم التالي؟ كيف يمكنك تأمين العملة الصعبة اللازمة لاستمرار شركتك، ناهيك عن توسيع أعمالها؟ هل بالإمكان الاستثمار في خط إنتاج جديد في ظل أسعار الفائدة الحالية؟ هل تستطيع الاحتفاظ بالمواهب التي تعمل لديك عندما يعرض عليهم رواتب بالدولار، بينما تنخفض قوتهم الشرائية تحت تأثير الضغوط التضخمية؟
2- أسواق منافسة جديدة
تفرض علينا أسواق المملكة العربية السعودية والإمارات تحديا لا يحدث إلا مرة واحدة كل جيل. قبل 20 عاما كنا نتحدث عن "هجرة العقول إلى الغرب"، واليوم نواجه منافسة شرسة على المواهب ورؤوس الأموال والفرص في مختلف أنحاء منطقتنا العربية. ولا يعني هذا أننا نتنافس مع الشركات السعودية: بل نتنافس مع عالم بأكمله يريد الذهاب إلى السعودية ويرى آفاقا قوية في الإمارات.
تطرح هذه المنافسة سؤالا مهما: كيف نعثر على المواهب ونحتفظ بها بينما تهاجر أفضلها إلى الرياض وأبو ظبي ودبي؟ وما الدور المنوط بصناعة التمويل المصرية في المنطقة؟ ليس في منافسة دبي باعتبارها مركزا ماليا عالميا فحسب، بل أمام المنافسة الناشئة في المملكة العربية السعودية؟
صادراتنا أصبحت قادرة على المنافسة العالمية أخيرا. التخفيضات المتتالية في قيمة الجنيه جعلت تكلفة بعض الأنشطة في مصر أرخص من الهند، ومنها خدمات التعهيد والبرمجة والتصنيع. مصر لديها المواهب اللازمة، والموقع الجغرافي والمنطقة الزمنية المناسبين لتصدير المنتجات والخدمات إلى أوروبا والخليج وأفريقيا.
يحدث هذا بالتزامن مع إعادة ترتيب جميع أوراق اللعبة الدبلوماسية. "الصديق المقرب" للصين هو النقاش الرئيسي للمصنعين في الوقت الحالي، هل مصر هي "الصديق المقرب"؟ السعودية تتقارب مع الأعداء القدامى. القاهرة وأنقرة تعملان على استعادة العلاقات. أزمة الطاقة في أوروبا لن تنتهي قريبا، بفضل بوتين. والثورة المناخية تغير (ببطء) وجه عالم الأعمال والتمويل.
3 - نهاية عصر التمويل الرخيص
مع ارتفاع أسعار الفائدة عالميا. وظهرت النتيجة في جفاف مصادر التمويل من صناديق رأس المال المغامر وصناديق الاستثمار المباشر. ولم تعد صناديق رأس المال المغامر تشهد ذلك الاصطفاف من الشركاء المحدودين المستعدين لتخصيص الأموال. وانخفض التمويل الموجه للشركات الناشئة في مصر والمنطقة بحدة على أساس سنوي. ولم يشهد حجم استثمارات صناديق الاستثمار المباشر زيادة مقارنة بالعام الماضي على مستوى العالم. وأصبحت الشركات مترددة بشأن الاستثمار في الخارج، خاصة عندما لا تستطيع الاقتراض بالعملة المحلية في ظل أسعار الفائدة الحالية، وفي ظل وجود فجوة كبيرة بين السوق الرسمية والموازية.
النتائج المترتبة على تلك التحولات كانت هائلة، بدءا من إفلاس بعض الشركات الناشئة، وغيرها التي تتجه إلى لإفلاس، وانتهاء بالقيمة التي تضيفها صناديق الاستثمار المباشر ومؤسسات التمويل الدولية.
4 - نقطة تحول للشمول المالي
جرى دمج الملايين في النظام المالي، ما ساهم في تغيير حياتهم وفتح أبواب جديدة أمام رواد الأعمال. ويعود الفضل في ذلك إلى السياسة الجيدة التي تنتهجها الحكومة والبنك المركزي، وطفرة الخدمات المالية غير المصرفية التي أطلقها رجال الأعمال والبنوك الاستثمارية على حد سواء، وقدر كبير من المساعدة من مؤسسات التمويل التنموية والبنوك الكبرى المملوكة للدولة.
ولكن، ماذا يعني الشمول المالي حقا؟ هل المحفظة المالية الإلكترونية كافية؟ أم هي سلاسة التعاملات المالية الرقمية؟ هل هو القدرة على الوصول إلى الائتمان؟ أم الحساب المصرفي الرسمي؟
كيف تشجع 20 مليون شخص على إجراء التعاملات المالية بعد دمجهم في النظام المالي؟ وما هو معيار النجاح؟
5- التكنولوجيا تغير العالم
لن نجد مثالا مهما على ذلك أكبر من مصر، فقد تجاوز جيلين وسائل مثل الهواتف الأرضية والإنترنت السلكي والحسابات المصرفية ليستعملوا الهواتف الذكية، واستبدلوا تبادل الرسائل (من الحديث من الأصدقاء إلى الحديث مع الذكاء الاصطناعي)، وصار لكل شيء تطبيق. وربما نكون قد أفرطنا في انتقاد تلك الوسائل الحديثة حتى فقد ذلك النقد معناه. ولكن الحقيقة البسيطة هي أن التكنولوجيا في الجزء الذي نعيش فيه من العالم قد اقتصر دورها على إنشاء أعمال تجارية وتوفير وظائف مجدية.
الوجه الآخر للتكنولوجيا: ربما تقضي التكنولوجيا على بعض الأعمال، وتتوقف عن خلق وظائف جديدة وتبدأ في تدمير الوظائف القائمة حاليا، ولم نعرف بعد هل ستكون محصلة الإيجابيات والسلبيات في صالح أولئك الذين يعتمدون على قدراتهم الذهنية لكسب العيش. ويبدو أن الذكاء الاصطناعي والرقمنة في بيئة الأعمال سيؤديان إلى تغيير المشهد التنافسي. وقد أصبحنا الآن نستكشف الأثر الحقيقي لذلك على الأعمال والصناعات.
6- مُلاك جدد = أفكار جديدة
يتغير هيكل الملكية في صناعتنا بسرعة، ومن المنتظر أن يؤدي شح رأس المال المغامر إلى إجبار بعض الشركات الناشئة على تغيير سياستها، وستسعى بعض الشركات الأخرى إلى الحصول على عروض استحواذ بمنظور جديد.
بنوك كثيرة ومنافسة من نوع مختلفة: أقدمت مؤسسات تابعة للدولة على شراء حصص في شركات الخدمات المالية غير المصرفية (ومنها البنوك الاستثمارية) على نحو كبير في السنوات الخمس الماضية. وتستثمر المؤسسات الحكومية في شركات رأس المال المغامر أو تديرها، ولكن أعلنت الدولة عن عزمها بيع حصص في بعض المؤسسات المالية. وقد تساهم بعض التطبيقات الجديدة كما رأينا من قبل في تغيير سوق الوساطة في الأوراق المالية، ولكن ذلك لا ينفي أن لدينا بالفعل كثير من التراخيص على الطاولة. ويضع المستثمرون الخليجيون (ومعظمهم من الصناديق السيادية) أعينهم على البنك التجاري الدولي وبلتون القابضة وإي فاينانس وبعض الشركات الناشئة وغيرها، ويضخون الاستثمارات ويبحثون عن أفضل الأصول لاستهدافها.
7- وضع صعب
يعاني مجتمعنا من اضطراب وقد مر بمراحل الحزن الخمس من الإنكار إلى الغضب مرورا بالمساومة ووصولا إلى الاكتئاب. ولكن يبدو أنه وصل في الأسابيع الأخيرة إلى نوع من القبول.
زادت شكوى مجتمع الأعمال لخلال الشهور الست الأخيرة من العام الجاري، ولكن قادة القطاع المالي (وكثير من القطاعات الأخرى) قد قبلوا بحقيقة أن الحل لن يأتي عن طريق معجزة تهبط علينا من السماء وتغير كل شئ على النحو الذي نرجوه. وإننا في حاجة إلى التكاتف معا واتخاذ القرارات اللازمة حتى نحافظ على استمرار الأعمال في ظل الظروف العصيبة التي نمر بها، ومواصلة النمو والنجاح.
إن تخيل الطريق إلى المستقبل مفروشا بالورود هو تخيل ساذج ومتوهم، فلو تغيرت سياسات الشركات غدا فلن يغير ذلك من الواقع بطريقة سحرية. إذ نتوقع أن نواجه صعوبات وتحديات تستمر سنتين أو ثلاثة.
وعلى هذه الخلفية، بدأت تظهر بعض علامات القبول بالوضع الراهن، ولكنه قبول أيضا بأن في أيدينا ما نقدمه، وقبول علينا أن نروج له في بلدان أخرى كذلك، وأن يكون محطة للانتقال نحو التأكد من أننا نستفيد من كل جنيه ينفق في البلاد، وأن نتفهم الضغط والتوتر الذي يشعر به الكثيرون في الفترة الحالية.
ما البديل؟ هل نستسلم لما حدث ونبدأ من جديد؟ هل نتقاعد؟ يبدو أننا لسنا مستعدين لذلك وهو رأي اتفق معنا فيه أكثر من ثلاثين من أبرز قادة الأعمال الذين انضموا إلينا على مدار يومين.
أجمع الحضور في المنتدى أننا سنكون أمام فرص كبيرة مواتية بمجرد تحسن الاقتصاد الكلي، وذلك رغم أننا مقبلون على عامين أو ثلاثة نواجه فيهم عوائق وتحديات. وقد أعلنت بعض قادة الشركات الذين حضروا المنتدى عن اعتزامهم التوسع خارجيا على أن تبقى مصر هي مركز نشاطهم ومحل تركيزهم. بينما اتخذت بعض الشركات الأخرى قرارات بنقل خطوط الإنتاج والوظائف المكتبية الخلفية وغيرها من الوظائف إلى مصر.
على مدار الأسابيع القادمة سنأخذكم في جولة تغطي تلك النقاط ضمن تغطيتنا لفعاليات المنتدى.
