بعد زيارته الأخيرة إلى منطقة الشرق الأوسط، تحدث كبير المستشارين الاقتصاديين لدى مجموعة HSBC والمؤلف ستيفن كينج عن رؤيته حول التوقعات الاقتصادية العالمية والإقليمية.

كيف يؤثر التضخم في الأسواق المتقدمة على الأسواق الناشئة؟

تعتمد الضغوط التضخمية على الأسواق الناشئة على أسباب التضخم في الأسواق المتقدمة. يعتبر ارتفاع أسعار الطاقة، على سبيل المثال، ظاهرةً عالميةً ومن المرجح أن يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم في جميع أنحاء العالم. إلا أنه من المرجح أن يؤثر الارتفاع المتأصل في معدل التضخم المحلي في الاقتصادات المتقدمة على الأسواق الناشئة بسبب تأثير السياسة النقدية الأمريكية أو الأوروبية الأكثر تشددًا فيما يتعلق بأسعار الصرف. وكلما زادة قوة الدولار الأمريكي أو اليورو كلما أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الواردات لتلك الأسواق الناشئة ذات العملات المرنة.

ما هو برأيك أكبر عامل مساهم في ارتفاع معدلات التضخم في الأسواق الناشئة؟ هل هي الزيادة في السيولة المحلية أم أنها التقلبات والتأثيرات الخارجية؟ وما هي أفضل طريقة لمواجهتها؟

تتنوع معدلات التضخم في الأسواق الناشئة من المستوى المنخفض للغاية – كالصين على سبيل المثال، إلى المستوى المرتفع للغاية – كالأرجنتين وتركيا. وإن الخروج البطيء الصين من التأثيرات السلبية لجائحة كوفيد-19 إلى جانب الإحجام عن تقديم الحوافز السياسية على نطاق مكافئ لتلك التي شوهدت في الغرب يفسر سبب ضعف معدلات التضخم هناك. ومن جانب آخر، ساعد الإحجام عن رفع معدلات الفائدة (أو حتى خفض المعدلات عندما كان معدل التضخم مرتفعاً بالفعل) إلى جانب اعتماد نهج مريح لتقييم أسعار الصرف على تأجيج الضغوط التضخمية.

ومهما كان سبب التضخم، فإن من أحد إجراءات المواجهة والرد الضرورية هي عادة ما تكون وجوب الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية. ويمكن لـ “تأثيرات الجولة الثانية”، مثل التي تظهر في شكل المطالبة برفع مستويات الأجور أو زيادات أكبر في الأسعار، أن تنجم عن معدلات النمو الأسرع في التدفقات النقدية الواردة أو ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. ولا يمكن للحكومات الوطنية والبنوك المركزية والجهات التنظيمية الاعتماد على الضغوط الخارجية من الأسواق الأخرى، على أمل ألا تكون هناك أي عواقب تضخم معاكسة.

ما مدى أهمية السياسة المالية / ميزان المدفوعات (خاصة عندما يعاني بلد ما من عجز في حساب الموازنة) في سياق التضخم؟

بالعودة إلى السؤال الأول، قد تكون الدولة التي لديها متطلبات تمويل خارجي كبيرة – جرى الكشف عنها من خلال عجز كبير في حساب الموازنة – معرضة للمخاطر إذا كانت تكلفة الاقتراض ترتفع في مكان آخر. فإذا كانت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تقوم برفع معدلات الفائدة، فإن تدفقات رأس المال التي كان من الممكن أن تذهب بسهولة إلى سوق ناشئة تعاني من عجز خارجي كبير قد تتجه الآن إلى الولايات المتحدة. ومن المرجح أن تكون النتيجة فرض المزيد من الضغوطات السلبية على عملة السوق الناشئة، مما يزيد من مخاطر ارتفاع التضخم في أسعار البضائع المستوردة.

ما مدى ثبات معدلات التضخم في المستقبل؟

تعتبر معدلات التضخم “الثابتة” المرتفعة باستمرار أكبر بالفعل مما توقعته البنوك المركزية. فقد كان العديد من محافظي البنوك المركزية يخشون الانكماش أكثر من خوفهم من التضخم، معتقدين لفترة طويلة أننا نعيش في عالم على غرار اليابان يتسم بالانخفاض في الأسعار. ويعتمد استمرار الثبات على ما إذا كان لدى صناع السياسة الرغبة في تشديد السياسة النقدية بشكل كاف لإنهاء حالة التضخم من النظام المالي. وهناك قلق بشأن العواقب على “الاقتصاد الفعلي” وعلى الاستقرار المالي، على الرغم من أن الإجراءات الاحترازية البديلة – مثل ضوابط الأسعار والأجور – لها تاريخ متقلب. وعلى هذا النحو، يأمل بعض صناع السياسة ببساطة أن يزول التضخم، في انتظار عدم تحقق ما يسمى بـ “تأثيرات الجولة الثانية” – المتمثلة في ارتفاع الأسعار والأجور.

ما مدى خطورة دوامة تخفيض قيمة العملة / التضخم ودوامة الأجور / الأسعار على الأسواق الناشئة؟

يعتمد ذلك على حالة السوق الناشئة، ومن المرجح أن يكون أداء تلك الأسواق التي يوجد لديها بنوك مركزية مستقلة أفضل. وكذلك الحال بالنسبة لتلك الأسواق التي تعاني من عجز بسيط أو فوائض كبيرة في حساب الموازنة، مثل تلك الأسواق التي تتمتع بمراكز مالية جيدة ولديها “فسحة” كافية لزيادة الضرائب أو خفض الإنفاق وممن ليس لديها الكثير من الارتباط بين الأسعار أو الأجور. وإن اللجوء إلى “مطبعة الأوراق النقدية” لحل مشكلة مالية يمثل إشكالية، كما أظهر التاريخ وأحدث الأمثلة في جميع أنحاء العالم.

ومن المرجح أن تحقق البلدان ممن لديها ربط قوي بالعملات نتائج جيدة – إذ يوجد لديها سياسات نقدية مجربة ومختبرة. وبالنسبة للعديد من البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، فإن هذه الأخبار جيدة للغاية. وبسبب إجراءات البنك الاحتياطي الفيدرالي والربط بالدولار، أصبحت الظروف النقدية أكثر إحكاما، إلا أن الاقتصادات الإقليمية في كثير من الحالات لا تزال قوية بما يكفي للتعامل معها.

ستيفن كينج (لينكد إن) هو كبير المستشارين الاقتصاديين لدى HSBC ومؤلف كتاب: نحن بحاجة للتحدث عن التضخم: 14 درسا عاجلا منذ السنوات الـ 2000 الماضية (مطبعة جامعة ييل).