اكتسب أكتوبر لقبا لا علاقة له بالهالوين بعد موجة من الهجمات السيبرانية حول العالم، إذ بات خبراء الأمن السيبراني يطلقون عليه اسم "أكتوبر الأسود"، وذلك بعد أن استخدم القراصنة الذكاء الاصطناعي لاكتشاف عدد من أخطر الثغرات في أنظمة عدة حول العالم. أما في أم الدنيا، فكانت النتيجة عرض محتوى جنسي صريح على لوحة إعلانية مطلة على طريق سريع مزدحم في الجيزة.
اللوحات الإعلانية تخرج عن السيطرة
فوجئ سائقو السيارات على محور 26 يوليو بعرض غير متوقع يوم الخميس 29 أكتوبر الماضي، عندما توقفت لوحة إعلانية رقمية عن بث الإعلانات وعرضت لقطات جنسية صريحة، مما دفع بعض السائقين إلى التوقف لتصويرها. وأوضحت وزارة الداخلية أن قراصنة اخترقوا الموقع الإلكتروني لشركة دولية، تستخدمها شركة العربية المتحدة المشغلة للشاشة من أجل بث المحتوى على لوحاتها الإعلانية، مضيفة أن اللقطات عُرضت في الوقت نفسه في عدة دول أخرى. العربية المتحدة مشروع مشترك مصري سعودي، يدير نحو ألفي لوحة إعلانية في مصر، من بينها نحو 240 لوحة رقمية.
ولا يبدو أن تنفيذ الهجوم تطلب مستوى عال من الذكاء؛ إذ أعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم "ليكرز" مسؤوليتها عن الهجوم عبر تطبيق تيليجرام. اكتشفت المجموعة عبر فحص آلي عشوائي استغرق ساعتين آلافا من أنظمة العرض المتاحة لأي شخص يملك متصفحا للإنترنت، وتقول إن أي شخص "يملك خليتين في دماغه" كان بإمكانه تنفيذ الهجوم. وقد عرضت 8 شاشات تابعة للبلدية في مدينة كلوانج الماليزية وشاشات أخرى في البرازيل اللقطات ذاتها، كما زعمت المجموعة تنفيذ هجمات في العراق والصين، مؤكدة أنها أرادت فقط كشف "ضعف الحماية الأمنية" في بعض من أكبر مدن العالم.
الثلاجات تشتعل
لم تكن اللوحات الإعلانية وحدها هدفا للهجمات، إذ سبقتها المتاجر الفرنسية. ففي يوم الاثنين 12 أكتوبر الماضي، تمكن قراصنة من اختراق أجهزة التحكم الإلكترونية التي تستخدمها شركات الصيانة لضبط درجات الحرارة في المتاجر، وشغلوا دورات إذابة الثلج. طالت الهجمات نحو 700 متجر، وظلت ثلاجات متاجر إنترمارشيه عند 50 درجة مئوية لمدة 6 ساعات طوال الليل، لتندلع النيران في بعض المتاجر إثر ذلك. وقدر تييري كوتيار، الرئيس التنفيذي لإنترمارشيه، خسائر تلك الهجمات بنحو "عشرات الملايين من اليوروهات على مستوى البلاد في يوم واحد".
الأجهزة القديمة كانت الحلقة الأضعف: أرجعت الوكالة الوطنية للأمن السيبراني في فرنسا تلك الاختراقات إلى أجهزة تحكم من إنتاج شركة دانفوس الدنماركية وشركة ديكسيل المملوكة لشركة كوبلاند، التي لم يعد كثير منها يتلقى تحديثات أمنية، علما بأن شركة الأمن السيبراني كلاروتي كانت قد نبهت إلى ثغرات في أجهزة دانفوس في 9 أغسطس الماضي. وحذر المفوض الأوروبي للزراعة والغذاء كريستوف هانسن من أن "تحويل الغذاء إلى سلاح أصبح واقعا".
ثم ضربت جولة ثانية 8 دول، إذ بدأت موجة أخرى من الهجمات يوم الاثنين 2 نوفمبر الجاري، وطالت متاجر في 8 دول أوروبية. وكانت جميع متاجر سلسلة "آي سي إيه" المتضررة في السويد، البالغ عددها 23 متجرا، تمتلك معدات متصلة خارج الشبكة المركزية للسلسلة. أما إنجلترا فنجت إلى حد كبير من تداعيات الهجمات على أجهزة التجميد، إذ استهدف القراصنة شركات صغيرة لتجهيز اللحوم ولم يحققوا سوى ضرر محدود، وفقا لريتشارد هورن، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للأمن السيبراني. غير أن بريطانيا مرت بتجربة مماثلة من قبل، ففي يوليو الماضي تسبب هجوم سيبراني يشتبه في ارتباطه بإيران في توقف محطة كهرباء صغيرة عن العمل لمدة 4 أيام. أما فرنسا، فتعرضت للهجمات بعد أسابيع من مطالبة الرئيس إيمانويل ماكرون المشرعين بإعداد خطة جديدة لمواجهة التهديدات السيبرانية.
كيف تقع تلك الهجمات؟
كانت الثغرة الكبرى في لغة البرمجة PHP، التي تشغل ما بين 70 و75% من المواقع الإلكترونية. وفي 21 أكتوبر الماضي أصلح مطورو اللغة ثغرتين تعرفان باسم PHP2Shell ظلتا في الكود لأكثر من عقد. ولا تزال هناك خوادم تعمل بإصدارات من PHP لم تتلقى تلك الإصلاحات، يبغ عددها نحو 1.5 مليون من أصل 2.6 مليون خادم. حتى الوكالة الهولندية للأمن السيبراني عطلت موقعها الإلكتروني، فيما تعتزم شركة "إي مودرا" الهندية الخروج من سوق بروتوكولات SSL/TLS العالمية، بعدما تبين إمكانية كشف المفاتيح الخاصة بثمانية من شهاداتها بشكل شبه فوري، وأحدها "ببساطة كان الرقم أربعة".
كذلك استغل المهاجمون الذكاء الاصطناعي لصالحهم: فقد استخدمت مجموعة "ستورم-0940" الموالية للصين أداة أرتيكس، وهي أداة لاختبارات الاختراق تعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي، وذلك لمحاولة ولوج أكثر من 2250 بيئة لعملاء "مايكروسوفت 365" بعد اختراقها شركة كونكت وايز، وفقا لمايكروسوفت. وسرع الذكاء الاصطناعي من وتيرة تنفيذ الهجوم لتصل إلى "سرعة الآلة"، إذ تمكنت المجموعة في عدة حالات من الانتقال من مرحلة الاستهداف الأولية إلى الحصول على صلاحيات متقدمة في أقل من 3 ساعات. وبمجرد الإعلان عن إصلاح ثغرة PHP2Shell، تمكنت أدوات الذكاء الاصطناعي من تحليلها بالهندسة العكسية "بجهد بسيط"، مما أطلق "سباقا على الاستغلال"، حسبما وصفه كوستين رايو، الشريك المؤسس لشركة "تي إل بي بلاك". ويتفق المركز البلجيكي للأمن السيبراني على أن الجهات المتمرسة باتت قادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي لاستغلال هذه الثغرات أيضا.
وقد ساعد الذكاء الاصطناعي في اكتشاف هذه الثغرات الأمنية؛ إذ اكتشفت شركة ويز ثغرة PHP2Shell باستخدام أداتها ويز أطلس، إلى جانب نموذج "جيميناي 4 أرجون" من جوجل ونموذج "جي بي تي 5.6-سول" من شركة "أوبن إيه آي". ذلك أن إثبات قابلية تلك الثغرات للاستغلال تطلب خطوات تتجاوز "ما يمكن للباحثين البشريين تحقيقه عمليا"، وفقا لشركة ويز.
ماذا نفعل إذن؟
الخطوة الأولى هي فصل الأجهزة عن الإنترنت. إذ قال محلل الأمن السيبراني كين مونرو لشبكة سي إن إن: "لم تكن هناك حاجة تجارية لإتاحة الوصول إلى أجهزة التحكم في الثلاجات عبر الإنترنت العام". فيما حث جيسون كلينتون، نائب كبير مسؤولي أمن المعلومات في شركة أنثروبيك، رؤساء أقسام الأمن على "التوجه إلى مجالس إدارتهم وطلب المساعدة فورا... ليس من أجل الذكاء الاصطناعي، بل من أجل توفير الأساسيات".
لكن قواعد اللوحات الإعلانية في مصر تهتم بالمحتوى أكثر من الأمن السيبراني؛ إذ أنشأ القانون رقم 208 لسنة 2020 الجهاز القومي لتنظيم الإعلانات على الطرق العامة التابع لرئيس الوزراء، والذي يضع معايير تتعلق "بالنظام العام والآداب العامة". ولا يحدد القانون ولا البيانات الرسمية الأخيرة معايير للأمن السيبراني لشبكات الإعلانات التي تدار عن بعد، أو الجهة المسؤولة عن تدقيق برمجيات الأطراف الخارجية المتصلة بالشاشات العامة. وفي الوقت الحالي، أوقفت السلطات عرض الإعلانات على طول الطريق وفتحت تحقيقا في الواقعة.
غير أن الحوكمة بدأت تلحق بالركب: إذ أعلن معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني أنه سيجري اختباراته السيبرانية دون اتصال بالإنترنت، بعدما حاول أحد وكلاء الذكاء الاصطناعي دس كود خبيث في مشروع برمجي مفتوح المصدر. ويطالب مستشار الأمن السيبراني جوزيف ستاينبرج بتحميل مالكي الشركات المسؤولية الجنائية عندما تشن أدوات الذكاء الاصطناعي الخاص بهم هجمات اختراق، قائلا إن "الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي كائن مستقل هو ضرب من الجنون".
الدرس المستفاد من أكتوبر الأسود قديم قدم الإنترنت: أي جهاز متصل بالإنترنت يمكن أن يصل إليه شخص آخر، وقد صار ذلك أسعر وأسهل بفعل الذكاء الاصطناعي. وإلى أن تتسارع وتيرة إصلاح الثغرات وتطبق إجراءات أفضل للأمن السيبراني، ستظل أي شاشة أو ثلاجة أو خادم متاح على الإنترنت المفتوح هدفا سهلا.