تصدرت الاحتجاجات التي يقودها الشباب في أنحاء أوروبا عناوين الأخبار خلال الشهر الماضي، دون أي أمارات على التراجع: خرج أكثر من 500 ألف شخص إلى الشوارع في فرنسا، تزامنا مع إغلاق المدارس وتصاعد أعمدة الدخان في سماء ليموج وباريس. في إسبانيا، سيطرت خيام المعتصمين على ساحة بويرتا ديل سول المركزية في مدريد، تلتها بعد أسابيع مظاهرات مماثلة في ساحة روسيو بلشبونة. في غضون ذلك، ملأت التظاهرات وأعمال العنف والحواجز شوارع إيطاليا في ميلانو وتورينو وبولونيا بسبب المخاوف من التضخم. وزادت الاعتقالات وأعمال النهب والعنف والاشتباكات مع شرطة مكافحة الشغب الطين بلة، في حين تصدرت أزمة القدرة على تحمل تكاليف الإسكان وغلاء المعيشة المشهد في معظم الاحتجاجات.
ديجافو؟ تعكس سلسلة الاحتجاجات التي اجتاحت مختلف البلدان والمدن، التي يبدو أن كل موجة جديدة منها تكتسب زخما من الموجة السابقة، تعاقبا للأحداث يمسنا عن قرب هنا في مصر والمنطقة، إذ أصبح من الصعب تجاهل أصداء ثورات الربيع العربي منذ عقد ونصف تقريبا. مع توالي الأحداث، تبرز بعض التساؤلات: هل يمثل الربيع العربي معيارا صالحا لقياس موجة الاضطرابات التي تشهدها أوروبا؟ وهل هناك أوجه تشابه حقيقية بين الاثنين، أم أنها مجرد روح ثورية مشتركة تشق طريقها عبر الحدود؟
ماذا يحدث؟
بدأت موجة الاحتجاجات في فرنسا في 21 سبتمبر، عندما نزل الطلاب إلى الشوارع احتجاجا على تدهور حالة التعليم، والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، والقضايا الناجمة عن التغير المناخي. تعاني البلاد منذ سنوات من سياسات التقشف في قطاع التعليم، ما ترك الطلاب في مواجهة مبان متهالكة وفصول دراسية متداعية وغياب للمعلمين وتدن في الأجور وأيام دراسية طويلة، في الوقت الذي كشفت فيه موجة الحر الأخيرة عن مدى افتقار البنية التحتية التعليمية في البلاد للجاهزية اللازمة للتعامل مع مثل هذه الكوارث.
تصاعدت الأحداث سريعا عندما تدخلت الشرطة لتفريق الاحتجاجات، مستخدمة القوة المفرطة وقنابل الغاز المسيل للدموع. وأسفر ذلك عن اندلاع حرائق ألحقت أضرارا بمداخل العديد من المدارس، حيث أقام طلاب المدارس الثانوية حواجز وقاطعوا الفصول الدراسية. ومع استمرار تصاعد الاحتجاجات حتى شهر أكتوبر وأوائل نوفمبر، سقط العديد من الجرحى واعتُقل المئات واحتُجز الآلاف، من بينهم قصر وعاملون في قطاع التعليم.
في ألمانيا، تصدر جيل زد والأجيال الشابة المشهد في الاحتجاجات، إذ حشدت حملة "جين زي ريجلت" مظاهرات في أكثر من 30 مدينة، ونادى الطلاب بزيادة التمويل المخصص للمدارس،وتوفير مساكن بأسعار معقولة وتعزيز تدابير حماية المناخ، كما عارضوا خطط الحكومة لإعادة التجنيد الإجباري، معلنين في الوقت ذاته تضامنهم مع جيرانهم في فرنسا.
أما في إسبانيا — أشعل طرد سيدة تبلغ من العمر 87 عاما من منزلها في مدريد، الذي عاشت فيه لسبعين عاما بعد ارتفاع إيجارها بنسبة 230%، الاحتجاجات ضد أزمة الإسكان والارتفاع الحاد في تكاليف الإيجار في البلاد. وسرعان ما نُصبت الخيام في مدريد ومدن إسبانية أخرى، في حين حذت البرتغال حذوها، حيث نصب المحتجون خيامهم في لشبونة وبورتو بسبب مخاوف مماثلة بشأن القدرة على تحمل تكاليف الإسكان وغلاء المعيشة، بعدما قفزت أسعار المساكن في البلاد بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، وهو ما يعادل ضعف المتوسط في الاتحاد الأوروبي تقريبا.
كما خرج الإيطاليون إلى الشوارع لأسباب مشابهة تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، إذ سرعان ما تحولت الاحتجاجات السلمية إلى اشتباكات بين مثيري الشغب الملثمين والشرطة، وتخللتها أعمال نهب للمتاجر وإشعال للحرائق وحملات اعتقال واسعة وإصابات في صفوف قوات الأمن.
الرابط المشترك بين كل ذلك هو أسعار الإسكان: في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، يعيش أكثر من 34 مليون شخص في أسر تستهلك تكاليف الإسكان فيها أكثر من 40% من دخلهم المتاح، وتتصدر ألمانيا القائمة بأكبر عدد من المتضررين بواقع 9.4 مليون شخص، تليها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا بـ 4.4 مليون و3.5 مليون و2.9 مليون شخص على التوالي.
ورغم أن الاحتجاجات قد تكون نابعة من ظروف وطنية مختلفة، إلا أنها تعكس إحباطا أوسع نطاقا من الوضع السياسي الراهن بين الشباب الأوروبي، وشعورا قويا بعدم اليقين وفقدان السيطرة. كما تقاوم المنطقة أيضا إحساسا بانعدام المستقبل في ظل ضغوط مجتمعية تشمل الهجرة والتراجع الديموغرافي وعوائق دخول سوق العمل والتغيرات المناخية. ومؤخرا، تركز الإحباط أيضا على الالتزامات المالية الضخمة التي تتحملها أوروبا لدعم المجهود الحربي والدفاعي لأوكرانيا، وفي ألمانيا مثلا، وافقت الحكومة على تراخيص تصدير أسلحة إلى إسرائيل بقيمة 800 مليون يورو خلال الأشهر الخمسة الأولى فقط من هذا العام، وهو ما يفوق ما وافقت عليه خلال العشرين شهرا السابقة مجتمعة.
تجارب مختلفة
يواجه الشباب الأوروبي أزمة في القدرة على تحمل التكاليف، إذ أصبحت السبل التقليدية للترقي الاجتماعي — مثل تملك المنازل والشهادات الجامعية والوظائف المستقرة — بعيدة المنال بشكل متزايد. تحمل هذه الإحباطات أصداء للمظالم التي دفعت التونسيين إلى الشوارع في يناير 2011، حين كان المتظاهرون يتحدون حكومة استبدادية، وسنوات من الركود الاقتصادي، ومستقبل لا يملك فيه الشباب المتعلم أي بارقة أمل. وهو الأمر الذي وجد طريقه في سائر بلدان المنطقة، وسرعان ما امتدت المظاهرات إلى البحرين والأردن والكويت وليبيا واليمن وسوريا ومصر، مع تحدي الأجيال الشابة للأنظمة التي شعروا أنها فشلت في خدمتهم.
عنصر السوشيال ميديا: اشتهرت انتفاضة مصر عام 2011 باسم "ثورة فيسبوك"، عندما اتضح للمرة الأولى الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في حشد الحركات السياسية والاجتماعية. ولأن هذه المنصات كانت لا تزال أدوات جديدة نسبيا في التنظيم السياسي، أصبح دورها في ظهور الربيع العربي جزءا حاسما من القصة. ومن غير المرجح أن يُقال الشيء نفسه عن احتجاجات أوروبا، بالنظر إلى مدى انتشار وسائل التواصل منذ ذلك الحين، رغم دورها البارز في الحشد، ففي فرنسا، على سبيل المثال، استخدم طلاب المدارس الثانوية تطبيقات مثل تيك توك وسناب شات وإنستجرام وإكس لتنظيم احتجاجاتهم.
معركة العرب كانت مختلفة، فقد كان الربيع العربي نضالا ضد الأنظمة الاستبدادية، حيث طالب المتظاهرون بالحريات السياسية، وسعوا في دول عدة إلى الإطاحة الكاملة بحكوماتهم. وعلى النقيض من ذلك، تتعامل أوروبا مع ديمقراطيات راسخة بينما تثور على سياسات التقشف والركود السياسي مدفوعة بالاستياء الشعبي المتزايد. وتتركز مطالب المتظاهرين إلى حد كبير على تغيير السياسات: مثل حظر الإخلاء وفرض ضوابط على الإيجارات وزيادة ميزانيات التعليم وربط الأجور بمعدلات التضخم.
والأهم من ذلك، لا تزال هناك قنوات يمكنهم من خلالها السعي نحو التغيير، كالانتخابات المقبلة أو تقديم تنازلات في ميزانية العام التالي أو استقالة أحد الوزراء. فالديمقراطيات المنهكة ليست بالضرورة أرضا خصبة للثورات، بل قد يجد هذا الاستياء متنفسا له في زيادة حدة الاستقطاب السياسي وتقلبات الشوارع وتنامي الدعم للحركات الشعبوية في صناديق الاقتراع.