يفرض واقع الاقتصاد المحلي على العلامات التجارية ألا تعتمد على البرمجيات ذات التكاليف المقومة بالدولار، لكن واقعيا؟ لا يوجد مفر. بالنسبة لشركات التجزئة المحلية، تزداد السوق تشبعا يوما بعد يوم، بشكل يجعل وجود بنية تحتية جيدة للتجارة الإلكترونية ضرورة حتمية للبقاء حتى وإن كانت مستوردة ومكلفة، ذلك لأن البدائل المحلية لم تثبت بعد قدرتها على الاستمرار.
شوبيفاي تهيمن: تتصدر منصة شوبيفاي حلول المتاجر الرقمية في مصر، حسبما كشف تقرير حديث صادر عن ستور ليدز، مشيرا إلى أن عدد المتاجر الإلكترونية القائمة على المنصة في مصر بلغ نحو 13 ألف متجر في الربع الثاني من عام 2026، بزيادة قدرها 85% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
تكلفة الاستقرار
أهم من الدولار: "انطلقت أعمالنا في عام 2020، في وقت كانت فيه الخيارات المتاحة محدودة للغاية، بحيث كانت شوبيفاي هي الخيار الحقيقي الوحيد أمامنا، لأنها قدمت حلا متكاملا أتاح لنا بناء واجهة متجرنا وإدارتها دون أي تنازلات"، حسبما قال حسين شاهبندر (لينكد إن)، مؤسس شركتي سايت كايرو ودروب ذا شوب.
التكلفة الدولارية هي ثمن الاستقرار والتوسع المستقبلي، حسبما رأي شاهبندر موضحا أن التوسع عالميا كان دائما في صدارة رؤيتهم، وقدرة شوبيفاي على دعم ذلك مثلت أمرا مهما بالنسبة لهم. "كان قرارنا عمليا، إذ أتاحت المنصة المزيج الأقوى من حلول إدارة المخزون وخصائص واجهة المتجر والكفاءة ما جعلها الخيار البديهي".
التكلفة هنا ليست العامل الحاسم، حسبما أكد شاهبندر، قائلا إن "الخصائص والكفاءة أهم بكثير من التكلفة"، معتبرا أن هذه ميزة تنافسية لم تتمكن البدائل المحلية من مضاهاتها بنفس مستوى تلك المنصة العالمية. لا تكمن المشكلة في عدم موثوقية مزودي الخدمات المحليين، بل في أنهم خارج حسابات رواد الأعمال في مصر من الأساس، حسبما أضاف.
أين تبدأ الثقة؟
شوبيفاي سمعته سابقة: "يمكنك دائما تمييز إذا كان المتجر الإلكتروني مبنيا عبر شوبيفاي أم لا، إذ يتمتع بمظهر مميز يحظى بثقة المستهلكين على الفور، وهذا ما أردته لعلامتي التجارية"، وفق ما قاله سيف خميس (لينكد إن)، خبير التسويق ومؤسس علامة هاوس أوف إيجيبشن بلو للإكسسوارات.
التقينا خميس في أحد مقاهي القاهرة الجديدة بينما كان يبني متجره، وبدت العملية سلسة تماما كما وصفها: "حتى فيما يتعلق بواجهة المستخدم، تبدو المنصة بديهية للغاية، فكل شيء يعتمد ببساطة على سحب العناصر إلى أماكنها، دون أن تحتاج إلى مطور". وعند سؤاله عما إذا كان قد فكر في بديل محلي، أجاب خميس بوضوح: "لم أسمع حقا عن أي بدائل محلية لشوبيفاي، وبصراحة لو كانت هناك بدائل فلن أفكر في استخدامها.. شوبيفاي ببساطة جديرة بالثقة".
كما أكد شاهبندر وجود فجوة في التواصل من جانب مزودي البرمجيات المحليين، قائلا: "لم يتواصل معنا أي كيان محلي حتى الآن"، في حين أبدى استعداده للاستثمار في منصة يثق في أنها ستؤدي عملها بكفاءة على الدوام، "لكننا لن نتنازل عن جودة التجربة لمجرد خفض النفقات". رغم أن الدفع بالعملة المحلية سيمثل تغييرا حقيقيا لعلامته التجارية، إلا أن ذلك يتطلب "دليلا واضحا على قدرة تلك المنصة البديلة على مضاهاة أداء شوبيفاي ومنظومتها". وليس هناك مبرر للمخاطرة بتغيير البنية التحتية الأساسية للمتجر ما لم يثبت البديل المحلي قدرته على الصمود.
بسرعة وكفاءة
في الصدارة لسبب وجيه: قبل خمس سنوات، تواصلت منصة محلية مع المدير العام لشركة فاشون سكوير يوسف سامي (لينكد إن) — الشركة الأم لعدة علامات تجارية مصرية من بينها لا بلانكا — لكنه في النهاية تبني نفس نهج شاهبندر، موضحا: "حضرت بضعة ورش عمل حينها لمنصة تدعى فيندو، وكان مؤسسوها يعرفون ما يفعلونه، لكني شعرت بأن فريق تطوير المنتج لم يتحرك بالجرأة الكافية.. وما أقصده بالجرأة هنا هو أن الخصائص كانت تتطور بالفعل لكن بوتيرة بطيئة لم يكن بإمكاني قبولها، لهذا السبب يلجأ المرء إلى شركة كبرى [مثل شوبيفاي]".
بدأ سامي عمله في فاشون سكوير عندما كانت العلامات التابعة لها معتمدة على مواقع إلكترونية مبرمجة يدويا، وأمضى سنوات في البحث عن البنية التحتية المناسبة للتجارة الإلكترونية قبل أن يستقر على شوبيفاي. بدت الحسبة بالنسبة له كسبانة، إذ قال: "تبلغ التكلفة السنوية نحو 300 دولار، وهو مبلغ لا يذكر مقارنة بكل الفوائد والميزات التي تحصل عليها في المقابل، بخلاف رسوم المعاملات واشتراكات الإضافات والملحقات".
تكتفي معظم العلامات التجارية بالباقة الأساسية من شوبيفاي، التي تتضمن صفحة الدفع المميزة التي أشار إليها خميس. ويتطلب تخصيص صفحة الدفع الاشتراك في باقة أعلى، وصف سامي سعرها بغير المعقول، لكنه رأى أن الباقة الأساسية تلبي كافة الاحتياجات تقريبا.
رغم ذلك، لا تزال هناك بعض العقبات، إذ أشار شاهبندر إلى "الصداع" الإداري المصاحب لاستخدام المنصة، موضحا أن عملية تحميل التقارير والقيود المفروضة على المستخدمين "غالبا ما تكون أمرا مزعجا". لكن هذا ليس كافيا للبحث عن بديل في رأيه، لأن "القيمة التي تقدمها شوبيفاي تفوق التكلفة بكثير".
المنافس المحلي
من ينافس شوبيفاي في مصر؟ حسنا.. لا أحد تقريبا، لكن منصة ويلت الواقع مقرها في القاهرة المتخصصة في بناء المواقع باللغة العربية، هي الأقرب إلى المنافسة. تحولت المنصة إلى النموذج المجاني في أبريل 2025، وجمعت تمويلا بقيمة مليوني دولار للتوسع بنموذجها للتجارة الإلكترونية إقليميا. ويعتمد نموذج أعمالها على خدمات القيمة المضافة بدلا من تحصيل رسوم المواقع الإلكترونية، مثل خدمة ويلت باي للمدفوعات الإلكترونية المتكاملة، ومحفظة ويلت لإدارة الأرباح، وشحنات ويلت للشحن عبر شركاء التوصيل ومنهم أرامكس ومايلرز وبوسطة، وهم نفس مشغلي خدمات التوصيل للمستهلكين الذين تقوم عليهم البنية التحتية لتلبية الطلبات.
لكن أرقام استخدام المنصة لا تتطابق مع بياناتها، إذ أشارت في بيان صحفي صدر عام 2025 إلى انضمام أكثر من 20 ألف تاجر إليها منذ تحولها للنموذج الجديد، لكن بيانات ستور ليدز تكشف وجود 328 متجرا نشطا فقط على المنصة بنهاية الربع الأول من عام 2026. وقد تواصلت نشرة إنتربرايز مع ويلت للتعليق على هذا التباين، لكننا لم نتلق أي رد. وعلاوة على ذلك، يبدو أن العديد من المتاجر المدرجة كأمثلة على موقع المنصة لم تعد نشطة.
حسبة مغرية ولكن..
ما طرحه سامي حول سبب تمسكه بشوبيفاي ورفضه اللجوء إلى أي بديل محلي هو الحجة الأهم في تلك المسألة: "إذا افترضنا أنني سأنتقل من شوبيفاي إلى برنامج محلي، يجب أن أتأكد أولا من أن هذه الشركة ستستمر، فإن لم تعمل في السوق منذ أكثر من 10 سنوات ورسخت مكانتها، لن أفكر في الأمر من الأساس. لن أعمل مع جهة محلية قد تغلق أبوابها خلال ثلاث أو أربع سنوات، فهذا سيعطل عملي تماما وسيستنزف مبيعاتي ووقتي والوقت من ذهب".
ومخاوفه هذه في محلها، فالعديد من المنصات المحلية لم تصمد طويلا. على سبيل المثال، يبدو موقع إكسباند كارت حاليا أشبه بمدينة مهجورة، وصفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي مليئة بالتعليقات الغاضبة من عملاء وموظفين سابقين. هذا هو المعيار الذي تعتمد عليه أي شركة كبيرة تستخدم شوبيفاي عند تقييمها لفكرة تغيير المنصة.
أضف إلى هذا أنه ليست هناك دوافع تقريبا للبحث عن بديل: "أود كثيرا دعم الشركات المحلية، لكني أختار شوبيفاي لأنهم يكتشفون المشكلات قبل حتى أن تدرك وجودها، كما يطرحون تحديثات ضخمة كل 3 أو 6 أشهر، لتوفر ميزات لم تكن تعلم حتى أنك بحاجة إليها، بناء على بيانات ورؤى مستمدة من آلاف بل وربما ملايين العلامات الأخرى على المنصة"، حسبما أكد سامي.