تحدثنا على هامش منتدى إنتربرايز مصر لهذا العام مع خالد درويش، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة بلتون لإدارة الأصول، حول التحولات التي يشهدها قطاع صناديق الاستثمار في مصر. فمع إعادة تشكل العادات المالية بسبب انخفاض قيمة العملة، بدأ المستثمرون الأفراد من الشباب يبحثون عن بدائل تدر عوائد أعلى من أدوات النقد التقليدية. وتحدث درويش معنا عن أسباب الإقبال المتزايد على الأنواع الجديدة من الاستثمارات البديلة مثل الملكية الجزئية للعقارات، وعما يراه من إمكانات نمو هائلة في قطاع إدارة الأصول بمصر.
إنتربرايز: تتركز معظم أموال الصناديق في مصر في صناديق أسواق النقد وليس في صناديق الأسهم. لماذا تطور القطاع بهذا الشكل؟
خالد درويش: أعتقد أن هذا الوضع يتغير الآن، فقد بدأ الناس يدركون أن هناك استثمارات أخرى متاحة. وفي بلتون، نميل بدرجة أكبر نحو الأسهم، فتتراوح نسبتها بين 35% و40%، في حين تبلغ نسبة الأسهم لدى معظم شركات إدارة الأصول الأخرى ما بين 10% و15%، والباقي من نصيب أسواق النقد. كما أن صناديق الأسهم بدأت تحظى باهتمام كبير، وبدأ الناس يتعرفون على معنى الاستثمارات البديلة، ويبدي الجيلان زد وألفا اهتماما خاصا بهذه الأدوات الاستثمارية.
تعلم الجميع درسا في معنى التحوط من انخفاض قيمة العملة خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية. وكما يقول المثل "رب ضارة نافعة"، فقد أدرك الناس المعنى الحقيقي للاستثمار، وتخلوا عن عقلية الاكتفاء بإيداع الأموال في البنك بينما يلتهمها التضخم، واتجهوا إلى وضعها في أصول من أجل التحوط.
إنتربرايز: هل ترون هذا التحول نحو الأسهم في الغالب من الأجيال الأصغر سنا والمستثمرين الأفراد، وليس من المؤسسات؟
درويش: يشكل المستثمرون الأفراد نحو 85-90% من السوق، بينما بدأت حصة المؤسسات في التراجع، وذلك لأن تسجيل المستثمرين الأفراد بات متاحا عبر جهات عديدة، والكثير من الناس في أنحاء البلد يقبلون على التسجيل. كما يستثمر الناس بكثافة يوميا، ويدخل السوق مستثمرون جدد كل يوم. فالأجيال الجديدة تفهم تماما معنى الاستثمار وكيفية المشاركة في السوق والشراء. ولم يعد أحد يذهب إلى البنوك، بل أصبح من الصعب اليوم إقناع شاب بفتح حساب مصرفي، فهو لا يريد الذهاب إلى الفرع. كل شيء أصبح عبر الهاتف المحمول ومتاحا على الفور، وهذه مجرد البداية.
ولأعطيك منظورا إحصائيا للوضع: تبلغ نسبة صناديق الاستثمار المشتركة في مصر إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 1.5%، مقارنة بنحو 25% في الأسواق الناشئة الأخرى، وأكثر من 100% في الولايات المتحدة، وأكثر من 85% في أوروبا، وما بين 50% و60% في شرق آسيا. لذا لدينا مجال هائل للنمو.
إنتربرايز: ذكرت أن نسبة صناديق الأسهم لدى بلتون أعلى من نظيراتها في السوق. فما الذي يمنع شركات إدارة الأصول من إصدار صناديق الأسهم؟
درويش: علينا ألا نعيد اختراع العجلة. انظر إلى ما حدث في الولايات المتحدة قبل 35 عاما، حين بدأت مؤسسات مثل بلاكستون في طرح صناديق المؤشرات، وانتشرت هذه الصناديق عالميا، مثل ستاندرد آند بورز وداو جونز وغيرهما. طرحت بلتون صناديق مؤشرات مماثلة، حتى أننا سمينا أنفسنا بيت صناديق المؤشرات، ونتيجة لذلك بدأنا نجتذب جمهورا ضخما يبحث عن هذه الصناديق. وهي تتطلب أنظمة وبنية تحتية خاصة. انظر مثلا إلى صندوقنا الحصري "مائة مائة"، والذي يضم 100 سهم تحاكي مؤشر EGX100. فهو صندوق ناجح للغاية، إذ حقق أداء يعادل أداء مؤشر EGX30 نحو 5-6 مرات خلال السنوات الخمس الماضية.
وقد بدأت صناديق المؤشرات تجذب الناس. كما أن الفكرة اليوم لم تعد تقتصر على إصدار الصناديق، فهي موجودة في كل مكان، بل أصبحت تتعلق بكيفية تسويقها وبيعها. لقد تحول النشاط من الجوانب الفنية البحتة إلى التسويق والتوزيع.
إنتربرايز: حين تخرج الأموال من صناديق أسواق النقد، إلى أين تذهب؟ هل ترونها تنتقل من صناديق أسواق النقد إلى الأسهم، أم أن كل الأموال المتجهة إلى الأسهم مصدرها مستثمرون أفراد جدد؟
درويش: أقول دائما إن صناديق أسواق النقد مجرد أداة لتخزين الأموال مؤقتا. فإذا كان لديك قسط عقاري قادم، تضع أموالك في صندوق لسوق النقد حتى موعد تسديده. لكن الاستثمار طويل الأجل في هذه الصناديق ليس استثمارا حقيقيا، ففي النهاية تحقق عائدا بين 18% و19%، بينما حقق السوق في المتوسط خلال 3-10 سنوات ما بين 50% و60%. لذا ليس من المنطقي الاحتفاظ بالأموال في أصل تتآكل قيمته حين يكون التضخم مرتفعا للغاية، لكنه استثمار مناسب على المدى القصير.
إنتربرايز: قلت إن الأمر أصبح لعبة تسويق وبيع لأن لدينا ما يكفي من الصناديق. هل هناك منتجات استثمارية تحتاجها السوق وليست موجودة حاليا؟
درويش: تشهد الصناديق المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية رواجا كبيرا عالميا، إذ يحظى كل ما يرتبط بمبادئ الشريعة بطلب ضخم من جميع الفئات، لأن الناس ينظرون إلى تلك المنتجات في الغالب من منظور ثقافي على أنها أخلاقية أكثر. وصندوقنا وفرة هو أكبر صندوق متوافق مع الشريعة في السوق، وهو أحد منتجاتنا الرئيسية.
بالإضافة إلى ذلك، سنطرح صناديق للملكية الجزئية للعقارات. فيمكنك اليوم شراء حصة في عقار بدءا من ألف جنيه فقط. ويختلف نموذجنا لأنه لا يقوم على أقساط شهرية، فبمجرد إتمام الصفقة تدفع مرة واحدة فقط دون أي التزامات أخرى، وتحصل على شهادة ملكية تثبت امتلاكك جزءا من هذا العقار. وفكرة الملكية الجزئية هذه تشهد انتشارا واسعا حول العالم، فهي آلية جديدة لإنقاذ القطاع العقاري حين يحتاج إلى السيولة، وهي قادمة إلى مصر بقوة. ومن المرجح أن نطرح صندوقنا الأول قبل نهاية العام الجاري بالشراكة مع أمتار، التي أعتقد أنها أفضل منصة للملكية الجزئية في مصر.
إنتربرايز: إلى أين يتجه قطاع الصناديق في مصر برأيك؟
درويش: أكثر ما نحتاجه مستقبلا هو وعي الجمهور بها، إذ يجب أن نوضح للسوق وجود خيارات مشروعة وخاضعة للرقابة تحقق عوائد جيدة. فلم نصل بعد بشكل كامل إلى بعض الفئات، لكننا نعمل على ذلك بدأب، إذ عقدنا مؤخرا شراكة مع تيلدا لاجتذاب الجيلين زد وألفا. ففي خلال 5 سنوات سيدخل جيل ألفا سوق العمل، وسيصبح الجيل زد في موقع صنع القرار ولديه دخل متاح للإنفاق. وباجتذاب كل من هذين الجيلين الآن سنحظى بمكانة لدى الأجيال القادمة.
ولا تزال الفرص في السوق هائلة، فعدد السكان يقترب من 130 مليون نسمة. ومع اقتصار نسبة انتشار صناديق الاستثمار المشتركة على 1.5% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، فإن إمكانات النمو لا تقتصر فقط على وصول تلك النسبة إلى الضعف، بل يمكن أن تنمو 30 مرة مقارنة بالمستويات الحالية. وتدعم الحكومة ذلك عبر مبادرات الشمول المالي، كما أصبح كل شيء متاحا عبر تطبيقات الهاتف المحمول. وبالتالي فالوضع مهيأ للاتجاه في المسار الصحيح.