Posted inبعد الخامسة

نادي "ضد الأيه أي".. الإبداع البشري في مواجهة الخوارزميات

🤖 تسلل الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل أيامنا، مقتحما مساحات العمل والدراسة والإبداع، وحتى في أكثر لحظات التواصل حميمية نستعين به للتعبير عن أنفسنا بدلا من البحث عن لغتنا الخاصة أو ربما تجنبا لها. مع هذا التمدد، تتلاشى المسافة بين التقنية كأداة وبين تأثيرها المباشر على طريقة حياتنا ونظرتنا لذواتنا وبالتبعية للآخر، ليعيد تشكيل علاقتنا بالإبداع والتواصل الإنساني في حد ذاته.

في الوقت الذي باتت فيه الخوارزميات صاحبة اليد العليا في التفكير والإنتاج، يتبلور اتجاه عكسي يسعى لاستعادة التجارب التي لا يمكن لها أن تخوضها نيابة عنا، كأن نرسم بأيدينا ونتحدث وجها لوجه ونعيد ابتكار وإنتاج الأشياء من الصفر ونقضي وقتا مع آخرين دون وسيط رقمي. من هذه المعضلة الحديثة، استلهم صانع المحتوى مروان سلام (لينكد إن)، فكرة نادي ضد الأيه أي، ليكون مساحة تهدف إلى إحياء هذا الجانب الإنساني من الإبداع، دون معاداة للتكنولوجيا أو دعوة إلى التخلي عنها.

استهل النادي نشاطه بفعالية جمعت العشرات من المهتمين بالفنون وصناعة المحتوى والتفكير الإبداعي حول تجربة قائمة بالكامل على ما هو مصنوع بشريا. "الفكرة لا تقوم بأي حال على الرفض المطلق للتكنولوجيا أو دعوة راديكالية لمقاطعتها، بقدر ما تنطلق من سؤال يشغلني: ماذا يحدث لوجداننا ومهاراتنا عندما يصبح استخدام الأدوات الذكية الجاهزة هو الخيار الأسهل والوحيد حتى في الأشياء التي اعتدنا أن نفكر فيها ونبذل الجهد لصنعها بأنفسنا"، حسبما صرح سلام لإنتربرايز.

اهتمام سلام بخلق هذه المساحة التفاعلية لم يبدأ مع موجة الذكاء الاصطناعي الحالية، بل تشكل منذ عودته إلى مصر عام 2018، بعد نحو عقد قضاه في الشارقة، وانتقاله إلى الإسكندرية للدراسة الجامعية. وخلال سنوات دراسته، تنقل بين التسويق وإدارة منصات التواصل وصناعة المحتوى وتحرير الفيديو، قبل أن تقوده تجربة الاغتراب والتأرجح بين الخليج ومصر إلى ملاحظة حاجة متزايدة إلى ما أسماه المساحة الثالثة، وهي مساحات يجتمع فيها الأشخاص خارج إطار المنزل والعمل دون أن يكون الإنفاق المبالغ فيه شرطا للتواجد والتعارف كما وصفها. اختبر سلام هذه الفكرة عبر عدة تجمعات وفعاليات نظمها سابقا، أكدت له أن المشكلة لا تكمن في غياب الرغبة في التواصل البشري، بقدر ما تتمثل في دافع حقيقي إلى هذا التواصل.

بدأت ليلة ضد الذكاء الاصطناعي كترجمة واقعية لهذه الدوافع، ماذا يمكن أن نصنع معا عندما نضع الأدوات الذكية جانبا؟ "استلهمت الفكرة من نموذج خارجي، وأعدت تشكيلها بما يناسب السياق المحلي، وأطلقتها أولا في القاهرة ثم نقلتها إلى الإسكندرية"، حسبما أوضح سلام، مضيفا أنه قد وجهت دعوات إلى الفنانين الرقميين والرسامين والمصممين لإحضار أوراقهم واسكتشاتهم وأدواتهم اليدوية، ليجلس المشاركون إلى جوار بعضهم للرسم وتبادل الملاحظات حول ما يصنعونه لحظة بلحظة. وفي الاسكندرية، اتسعت التجربة بشكل أكثر عفوية عندما أحضرت أحد المشاركين آلة العود الخاصة به، ليتداخل العزف الحي مع الممارسات الفنية المختلفة ونقاشات الحاضرين، ليتحول المكان إلى مساحة مفتوحة للفن والحوار.

تضمنت الليلة أيضا جلسات حوارية بين المبدعين حول سؤال أكثر تعقيدا: متى يكون الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة، ومتى يتحول إلى اختصار غير ضروري يؤثر في مهاراتنا في الكتابة والتعبير والإبداع؟ لم نحاول تقديم إجابات أو فرض موقف محدد، بل تركنا التجربة نفسها تشتبك مع هذه الأسئلة، فإذا كان الهدف اختبار قيمة الجهد البشري، لا توجد طريقة أفضل من أن نجلس معا، ونتبادل الأفكار وجها لوجه، وفقا لما أضافه سلام.

في النسخة الأولى بالقاهرة حضر نحو 50 شخصا، بينما جمعت نسخة الإسكندرية 20 شخصا في مساحة لم تكن تتسع في الأصل لهذا العدد. شهدت اللقاءات لحظات عفوية فارقة، إذ تأمل المشاركون أعمال بعضهم للمرة الأولى، وتبادلوا النقاشات الفنية ثم انتقلوا إلى الحديث عن فرص للتعاون ومشاريع مشتركة عقب انتهاء الفعالية، بحسب سلام.

ماذا يحدث بعد انتهاء النادي؟ يأمل سلام أن تستمر التجمعات بين الفنانين دون الاعتماد على مبادرته وحدها، وأن يبدأ المشاركون في تنظيم لقاءاتهم الخاصة وبناء مساحات جديدة للتعارف والتعاون دون الحاجة إلى وجود حلقة وصل دائمة.

رفض للتكنولوجيا أم استعادة اللمسة البشرية؟ يرتبط أثر التكنولوجيا بكيفية استخدامنا لها، حسبما يرى سلام، إذ لاحظ أحيانا تراجعا في قدرته على التفكير أو إنجاز بعض المهام عندما تصبح الإجابة أو النتيجة متاحة فورا عبر أدوات مثل تشات جي بي تي وهو ما أثار لديه سؤالا حول مدى حاجتنا إلى تطوير مهاراتنا البشرية بالتوازي مع التطور السريع للأدوات الذكية.

بالنسبة له تظل مراحل التجربة والخطأ جزءا من عملية إنتاج العمل نفسه، بينما الوصول السريع إلى نتيجة جاهزة يختصر هذه العملية وما يصاحبها من تعلم واكتشاف. كما أن سهولة التواصل عبر الشاشات لا تعني بالضرورة بناء علاقات أعمق، وهو ما دفع سلام بحكم عمله المستمر أمامها، إلى البحث عن فرص تجمع الأشخاص في مكان واحد.