🎨 يعمل الفنانون المصريون جنبا إلى جنب مع رواد الحداثة في أوروبا وأمريكا منذ ما يقرب من قرن، إلا إن الجمهور العالمي نادرا ما أتيحت له فرصة مشاهدة هذا التاريخ متجمعا في مكان واحد. في محاولة لتحقيق ذلك، افتتح معرض "المرسم: الفن الحديث والمعاصر من مصر" في جاليري معهد الشرق الأوسط بواشنطن في 18 سبتمبر الماضي على أن يستمر حتى 11 ديسمبر المقبل، إذ يعد المعرض أحد أول المعارض الفنية في الولايات المتحدة المخصصة بالكامل للفن المصري الحديث والمعاصر.
يتتبع عنوان المعرض تاريخ الحركة الفنية نفسها، فكلمة المرسم تعني الاستوديو باللغة العربية وقد حلت تدريجيا محل الكلمة الفرنسية بين الفنانين المصريين، بعد أن ظل المصطلحان يستخدمان بالتبادل لفترة طويلة. حمل هذا التحول رمزا موجزا للحداثة المصرية، التي استلهمت التيارات العالمية مع احتفاظها بروح مستمدة من التقاليد والموضوعات والجماليات المحلية، بحسب منسقة المعرض هبة الكيال، إذ تعتبر المرسم مساحة جمعت كبار الفنانين بتلاميذهم للتدريب والتعليم، وهو خط التأثير المتبادل الذي يستند إليه ترتيب المعرض.
تتنوع الأعمال المعروضة بين التصوير الزيتي والنحت والرسم والتصوير الفوتوغرافي والكولاج، وتتراوح تواريخ إنتاجها بين لوحات تعود إلى عام 1937 وأخرى أنتجت في عام 2026، بمشاركة 29 فنانا وفنانة، إذ تتجاور أعمال رواد الحداثة مثل، محمود سعيد وإنجي أفلاطون وعبد الهادي الجزار وجاذبية سري وحسن سليمان وتلميذه السابق سمير فؤاد. أما على صعيد الفن المعاصر، يضم المعرض أعمالا للمصور يوسف نبيل وهدى لطفي ولارا بلدي، وياسمين المليجي التي صممت جدارية من الخزف المنتج في أحد المصانع المصرية، وغيرهم.
تعود غالبية الأعمال المعروضة لإعارات من مقتنين أفراد، وجاليريات خاصة في مصر والجامعة الأمريكية بالقاهرة. قدم نجیب ساويرس التمويل الرئيسي للمعرض وأعار قطعا من مقتنياته الخاصة، وإلى جانب حسن علام وديفيد وجريتشن ويلش أحد كبار الممولين للمعرض. جاء هذا الدعم في سوق وصفتها كيال بأنها لا تزال دون قيمتها الحقيقية، إذ أوضحت أن الفن المصري الحديث مهدور حقه مقارنة بنظرائه في فرنسا وأمريكا، كما أن غالبية المشترين هم من المقتنين المصريين والخليجيين.
بعد أقل من شهر على افتتاح المعرض، التقت إنتربرايز بمنسقة المعرض هبة الكيال (لينكد إن) للحديث عن معرض "المرسم"، وكيف أبصر النور والأثر الذي يسعى إلى تحقيقه ومكانة الفن المصري على الساحة العالمية اليوم، وإليكم مقتطفات محررة من الحوار:
إنتربرايز: متى استقر رأيك على اختيار المرسم عنوانا للمعرض؟
هبة الكيال: كانت مهمتي تنظيم معرض يعرف الجمهور الأمريكي بالفن المصري الحديث والمعاصر. تبلورت فكرة المرسم بينما كنت أفكر في الأعمال التي سأدرجها وكيفية الربط بينها، إذ إن تقديم نظرة عامة على نمط فني أو تاريخ الفن ككل مهمة واسعة للغاية.
بدأت بسؤال المقتنين عن الأعمال التي يمتلكونها ومدى استعدادهم لإعارتها، وكانت إحدى اللوحات التي المعروضة تصور مشهدا لعدد من الفنانين داخل مرسم ضخم مقسم إلى أجزاء، يجلس كل منهم أمام حامل لوحاته عاملا على فنه. دفعني ذلك إلى التفكير في المرسم باعتباره مساحة للتجمع والتعلم والتبادل والتدريب، تجمع كبار الفنانين بالفنانين الشباب. قررت اختيار "المرسم" لما يتيحه من ضم أعمال متنوعة وإبراز العلاقات بين الفنانين، سواء كانت مباشرة أو حلقات متصلة من الإلهام والتأثير بين الأجيال.
رغبت في إدراج أعمال الفنان محمود سعيد، نظرا لتأثيره الكبير على العديد من الفنانين الذين جاءوا بعده، وكذلك حسن سليمان لأنه درس فنانين مثل سمير فؤاد. لذا عرضت أعمالهما جنبا إلى جنب في المعرض، إلى جانب ياسمين المليجي، التي تعمل بالخزف الذي أنتجه فتحي محمود، الذي كان صانعا وحرفيا كلف بإنتاج قطع كبيرة للمكاتب الحكومية، وقدمت المليجي تحية له باستخدام أدوات سيراميك من المصنع وإنشاء جدارية تشير إلى أحد الأعمال الفنية التي أنجزها.
إنتربرايز: درست الأدب الإنجليزي والمقارن في الجامعة الأمريكية بالقاهرة قبل دراسة تاريخ الفن في جامعة كولومبيا، ما الذي جذبك من الأدب إلى الفن؟
الكيال: درست بعض من تاريخ الفن في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأعتقد أنه لو كان هناك تخصص كامل في تاريخ الفن لدرسته إلى جانب الأدب الإنجليزي والمقارن. عقب تخرجي، بدأت العمل كصحفية وكتبت الكثير عن التطورات الفنية التي كانت تشهدها مصر في ذلك الوقت، إذ كنت أكتب مراجعات للمعارض وأجري مقابلات مع الفنانين وأزور مراسمهم.
لكن ما دفعني حقا للتحول من الأدب إلى تاريخ الفن هو إدراكي خلال ثورة يناير أن الكثير مما حدث قد تنبأت به الأعمال الفنية التي شاهدتها قبل الثورة، إذ أقام سمير فؤاد معرضا قبل 25 يناير بشهرين، قدم فيه تعقيبا على ما حدث للأسرى العراقيين في سجن أبو غريب بالعراق، مصورا شخصيات تحدق من النوافذ بينما تعلق فوق رؤوسها ذبائح الأبقار، تعقيبا على الغرابة والعنف الذي كان سائدا في المنطقة. كانت اللوحة بمثابة نبوءة بما سيحدث، ما دفعني لإدراك قوة الفن كوسيط وأداة للتعبير والنقاش والنشاط السياسي. ولهذا السبب تحولت إلى تاريخ الفن لأنه أتاح لي رواية القصص وفهم الأمور بطريقة معاصرة ووثيقة الصلة بالواقع.

إنتربرايز: كيف حددت الأعمال التي اخترت عرضها، وما الذي ربط بينها؟
الكيال: المنهج الذي اتبعته في المعرض بدأ من قائمة بالأشخاص الذين أردت تضمينهم، ممن كان لهم أثر في تسلسل تاريخ الفن المصري وتحفيز الحركات الفنية. كان من المهم جدا بالنسبة لي محاولة تقديم أقصى ما يمكن من قصة مترابطة عن الفن المصري الحديث والمعاصر، وهي ليست حاصرة بأي حال من الأحوال، ولكنها محاولة لعرض مدى اتساع تاريخ الفن المصري.
عانيت من أجل الحصول على موافقة لإعارة الأعمال لفترة زمنية محددة، إذ يحدث أحيانا ألا يتمكن المعرض من تضمين أعمال لشخص ما لأسباب لوجستية بسيطة. كنا محظوظين بالحصول على الأعمال التي حصلنا عليها، ولو أتيح لي توسيع المعرض لأبرزت المزيد من الفنانين ونماذج متعددة من أعمال كل فنان منهم حتى أتمكن من إظهار مدى اتساع ممارستهم الفنية مرة أخرى، إذ قدم كل من جرى اختيارهم كما هائلا من الأعمال واشتهروا بسلاسل فنية مختلفة.
كل عمل كان له ارتباط قوي جدا بالهوية المصرية والانتماء إلى مصر. وأعتقد أن هذا هو السبب في أن العديد من هذه الأعمال رغم اختلافها الشديد، تتجاور وتترابط بشكل جيد للغاية، إذ توجد أعمال مختلفة جدا، من لوحات تعود لعام 1937 إلى أعمال التصوير الفوتوغرافي والكولاج الحديثة لعامي 2025 و2026.
إنتربرايز: ما الذي أردت للمرسم أن يقدمه بشكل مختلف، خاصة للجمهور الأمريكي؟
الكيال: أردت أن يغير مفاهيم الأفراد وافتراضاتهم حول ماهية الشرق الأوسط ومصر وكيف يبدو الفن فيها، وإظهار مدى الموهبة والقدرة والروعة في الأعمال التي أنتجها الفنانون المصريون عبر العقود، وأن أعرض على الجمهور الأمريكي ليس فقط التاريخ الممتد للفن المصري، بل أيضا المستوى الرفيع من المهارة والموهبة الموجودة في مصر.

إنتربرايز: بعد مرور عدة أسابيع، من هم معظم الزوار؟ وهل هناك سؤال يستمر الزوار الأمريكيون في طرحه عليك؟
الكيال: معظم الذين يمرون عبر الباب هم من زوار وضيوف معهد الشرق الأوسط، إذ يستضيف المعهد ضيوفا بانتظام لفعاليات مختلفة وحلقات نقاشية وأشخاص من الحكومة، وهناك أيضا العديد من أبناء الجالية المقيمين في واشنطن والأشخاص الذين سمعوا عن هذا المعرض والأمريكيين. أبدى الجمهور الأمريكي إعجابا وانبهارا بما شاهدوه، أشعر بأني محظوظة جدا لأننا تمكنا من إحداث هذا النوع من الأثر، إذ أثار المعرض الكثير من الأسئلة والأفكار المتعلقة بفهم الناس لمصر.
إنتربرايز: من وجهة نظرك، كيف تُقيم أعمال رواد الحداثة المصريين مقارنة بنظرائهم في أوروبا وأمريكا؟ وهل لا تزال قيمتها السوقية أقل من قيمتها الحقيقية؟
الكيال: نعم، رواد الحداثة المصريون قيمتهم محددة بأقل من قيمتها الحقيقية عالميا، إذ لا يحققون ولا يتلقون الاهتمام الذي يحظى به المحدثون الفرنسيون أو الأمريكيون حاليا في السوق. رغم أن الفن المصري معروف، إلا إنه ليس الأكثر شهرة ولا الأكثر فهما.
يتعين على الأكاديميين وضع هؤلاء الفنانين وهذه الأعمال في سياقها في الأوراق البحثية والمؤتمرات والنصوص، ويجب على قيمي المعارض ومنسقيها بذل قصارى جهدهم للتعلم عن هؤلاء الفنانين وإدراجهم في المعارض. كما يتعين على المقتنين والداعمين أن يكونوا أسخياء ويعيروا هذه الأعمال للعرض على جمهور مختلف، فالفن المصري الحديث خاص وجديد وجميل، ومع ذلك، لا يحتل المكانة التي أعتقد أنه يستطيع ويجب أن يكون فيها، لكني أظن أن ما نحاول القيام به سيدفعه إلى تلك المكانة في نهاية المطاف.
إنتربرايز: من يشترى الفن المصري الآن؟
الكيال: الأشخاص الذين يقتنون الفن المصري حاليا على الأغلب مقتنين مصريين ومن الشرق الأوسط والخليج، وقد بدأت المؤسسات الغربية في اقتناء بعض أعمال رواد الحداثة وبعض الفنانين المعاصرين، وأعتقد أنه من الرائع حدوث ذلك. لكنها لا تزال سوقا غير متطورة بما فيه الكفاية، وكلما زاد الاهتمام بالفن المصري زاد عدد المشترين وكبرت السوق وتوسعت أكثر. إنه أمر تدريجي أعتقد أنه سيحدث مع مرور الوقت.