خلال نسخة منتدى إنتربرايز مصر هذا العام، والتي خصصناها للذكاء الاصطناعي، سألنا ثلاثة من قادة الأعمال عن كيفية تعاملهم مع العام الحالي، والذي تتشكل ملامحه بالتغيرات التكنولوجية المستمرة والاضطرابات الإقليمية. وناقش كل من كريم عوض، الرئيس التنفيذي لمجموعة "إي إف جي القابضة"، وداشا بدراوي، نائب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لشركة مراكز، وهشام مهران، الرئيس التنفيذي لشركة أورنج مصر، الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في أعمالهم، إلى جانب آفاق الاستثمار في مصر.
أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل جزءا من مهام العمل اليومية؛ إذ يستخدمه عوض في ترجمة الرسائل وإعداد وثائق مجلس الإدارة، وطلب منه بدراوي تفنيد رؤيته المتفائلة بشأن مستقبل مصر، في حين يعتمد عليه مهران للتحضير للاجتماعات رفيعة المستوى. أما خارج مكاتبهم، فباتت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي توجه القرارات الاستثمارية، وتصمم العروض المقدمة للعملاء، وتساهم في تدريب الموظفين.
لكن هل يصنف الذكاء الاصطناعي ضمن أهم أولويتين لعام 2027؟ بالنسبة لمهران الإجابة هي "نعم". إذ توظف أورنج الذكاء الاصطناعي في شبكاتها وعملياتها التجارية ومواردها البشرية، كما عينت رئيسا لقطاع الذكاء الاصطناعي. وأكد مهران أن "الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارا"، موضحا أن زيادة فعالية الاستثمار في الشبكات أسهمت بالفعل في تحقيق نتائج ملموسة على صعيد حجم الاستخدام والإيرادات ورضا العملاء، بينما تتيح العروض المخصصة فرصا واعدة لزيادة الإيرادات.
وتمتد تطبيقات هذه التكنولوجيا إلى الخدمات العامة؛ إذ أشار مهران إلى أداة "اسأل مريم"، مساعد السفر القائم على الذكاء الاصطناعي في مطار القاهرة الدولي، إلى جانب الواجهة الرقمية لخدمات النيابة العامة. وتمثل هذه النماذج أمثلة واضحة على كيفية تعاون أورنج مع الحكومة، بالتوازي مع تطوير استخدامات تلبي احتياجات المستهلكين والشركات، بهدف دمج التكنولوجيا في الحياة اليومية العملية.
أما بالنسبة لمراكز، فالمحفظة العقارية والكوادر البشرية هما أولويات الشركة. ويقول بدراوي عن ذلك: "نحن شركة عقارية، لذا فإن تنمية محفظة أراضينا هي أولويتنا الأولى.. يليها الارتقاء بفريق العمل من خلال التوظيف والاحتفاظ بالكفاءات وتطويرها. لكن هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل مراكز التسوق العصرية التي نبنيها، أو المنازل التي ننشئها، أو المساحات التي صممناها لجمع الناس معا؟ الإجابة هي لا، لكنه يظل أداة يتعين علينا استخدامها لتطوير أعمالنا".
ويتبنى عوض وجهة نظر مماثلة، إذ يقول إن "الذكاء الاصطناعي ليس ضمن أهم أولويتين لعام 2027، لكن التكنولوجيا بوجه عام تلعب دورا متزايد الأهمية في أعمالنا يوميا". فتحدد إدارات الشركة احتياجاتها التدريبية بدعم من متخصصين في الذكاء الاصطناعي. كما يتوقع بدراوي أن يقود الموظفون الشباب التوجه إلى تبني هذه التقنيات، مضيفا: "أعتقد أن هذا التوجه سينطلق من القاعدة إلى القمة، وليس العكس".
هل تتيح الاضطرابات الإقليمية فرصة لمصر؟ يعتقد بدراوي أن مصر قد تصبح المستفيد الأكبر في ظل تضرر صورة الخليج كملاذ آمن. ويرى أن الأموال بدأت تتدفق مجددا عبر الاستثمارات والتحويلات المالية، وأن الفرص المتاحة لا تقتصر على القطاع العقاري. ورغم التحديات المتمثلة في ارتفاع أسعار النفط وضغوط العملة، فإن حجم السوق المصرية واستقرارها النسبي قد يعززان جاذبيتها للمستثمرين.
وتستثمر أورنج أموالها لاقتناص هذه الفرصة؛ إذ أوضح مهران أنها توجه لمصر نحو نصف مخصصاتها للاستثمار في الشركات الناشئة الأفريقية، والتي تبلغ قيمتها 50 مليون يورو. كما تخطط الشركة لتدريب 200 ألف شخص خلال السنوات المقبلة، مضيفا أن "الاستثمار في المواهب أمر بالغ الأهمية، واعتبار مصر مركزا رئيسيا للأعمال يمثل ركيزة أخرى أساسية".
وقد تشكل مراكز البيانات جزءا من مسيرة هذا التطور؛ إذ أشار مهران إلى أن إمكانات مصر في قطاع الطاقة المتجددة، وتوفر الأراضي، وشبكات الكابلات البحرية، والكوادر البشرية، كل هذا بات يجذب انتباه كبرى شركات التكنولوجيا السحابية. ويتوقع مزيدا من التطورات في هذا الصدد مع إعادة تقييم المستثمرين لمصر كوجهة واعدة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة لعوض، يمثل اتساق السياسات الإشارة الأقوى للمستثمرين. إذ يرى أن التزام البنك المركزي بمرونة سعر الصرف خلال فترة الحرب ساهم في بناء الثقة، مضيفا أن "الرسالة التي وجهها ذلك إلى قاعدة المستثمرين العالميين كانت في غاية الأهمية". كما لفت الانتباه إلى الاستثمارات المتدفقة نحو المشاريع الجديدة والقائمة، بما في ذلك الأنشطة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وفي سياق متصل، تتنامى قائمة الطروحات الأولية المرتقبة؛ فلدى مجموعة "إي إف جي القابضة" 3 طروحات أخرى قيد التنفيذ، تأمل في إتمامها قبل نهاية العام، بعدما أتمت طرح شركتي جورميه و"إم إن تي-حالا"، وفقا لعوض. وأوضح أن أحد هذه الطروحات قد يصبح من أكبر الإدراجات المصرية خلال الأعوام الخمسة عشر أو العشرين الماضية بحسب قيمته الدولارية. وبعدها بأسبوع، أصدر بنك القاهرة إعلان نية الطرح لبيع 30% من أسهمه. تقدر قيمة هذه الحصة بنحو 24 مليار جنيه (نحو 460 مليون دولار)، وفقا لحساباتنا، وهو ما يعادل ثلاثة أمثال قيمة الأسهم المطروحة في اكتتاب "إم إن تي-حالا" والبالغة 150 مليون دولار، ليصبح بذلك الطرح الأكبر الذي تشهده البورصة المصرية حسب القيمة الدولارية منذ طرح شركة إي فاينانس في عام 2021.
ماذا عن المستهلكين؟ أوضح بدراوي أن الإنفاق في مول العرب ارتفع بنحو 30% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي على أساس المثل بالمثل. في حين سجل "ديستريكت 5" نموا بنحو 50%، وإن كان توسع الخدمات المقدمة يجعل المقارنة هنا ليست على أساس المثل بالمثل. ويبدو أن زيادة الإقبال على المراكز التجارية هي المحرك الرئيسي لهذه الزيادة، إلا أن التعافي المستدام في الدخل المتاح للإنفاق سيشكل دافعا أقوى لتعزيز النمو.
وقد يعني ذلك مجالا أكبر للتوسع في إنشاء متاجر التجزئة. فبعدما ركزت الشركة لسنوات على حماية قيمة أعمالها والحفاظ عليها، يرى بدراوي فرصة سانحة لتوسيع أعمال مراكز الموجهة للمستهلكين. أما رسالته لمشتري العقارات فكانت أن يتحلوا بالانتقائية، وأن "يحددوا "من يقدمون جودة عالية ليشترو منهم".
وتتضمن أجندة أورنج أيضا التمويل الاستهلاكي؛ إذ تدرس الشركة خيارات منها الشراكة أو الاستحواذ أو تأسيس عملها الخاص في هذا القطاع، بحسب مهران. كما أقر عوض باستثمار مجموعة "إي إف جي" في قطاع التمويل الاستهلاكي، لكنه استبعد وجود فقاعة ائتمانية، مشيرا إلى انخفاض معدلات التعثر. ودعا إلى تقديم دعم أكبر للتمويل متناهي الصغر لمساعدة الشركات الصغيرة التي تفتقر إلى الموارد الكافية للنمو.
أما عن طموحات أورنج المستقبلية فتتعلق بتصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات. إذ نمت هذه الأعمال من عمليات محدودة في عام 2021 لتشكل اليوم نحو نصف إيرادات قطاع الشركات أو أكثر، حسبما أوضح مهران، الذي أضاف أن أورنج "تقدم القيمة الأفضل، وإن لم تكن الأرخص".
لكن هذه الخطط ما زالت تعتمد بالأساس على تقلبات العملة والرواتب. فأشار عوض إلى توقعات الاقتصاديين بأن يتراوح سعر الصرف بنهاية 2027 بين 52 و54 جنيها للدولار في حال استمرار الحرب، أو بين 49 و51 جنيها إذا انتهت. وفي المقابل، توقع بدراوي أن يتراوح السعر بين 55 و60 جنيها للدولار، بينما تضع أورنج موازنتها بناء على سعر صرف يتراوح بين 53 و54 جنيها. وبشأن الزيادات السنوية في الرواتب، يرى مهران أنه سيكون من الإنصاف منح موظفي أورنج هذا العام زيادة بنسبة 20% تقريبا، بينما يتوقع بدراوي إقرار زيادات تقترب من معدل التضخم. وأكد عوض أن الموظفين الأقل أجرا في مجموعة "إي إف جي القابضة" سيحصلون على أعلى نسبة زيادة، في حين لن يحصل الموظفون الأعلى أجرا على أي زيادة.
للاطلاع على نص الحوار بالكامل، اضغط هنا.