Posted inعلى الساحة

أزمة سد النهضة: تصعيد إثيوبي ومصر تتمسك بالمسار الدبلوماسي

🌊 تعتبر أزمة سد النهضة من الملفات الحرجة بالنسبة لنا على مدار السنوات، بيد أنها اتخذت في الآونة الأخيرة منحنى جديدا تحول إلى أزمة دبلوماسية بين طرفي النزاع هيمنت منذ ذلك الحين على الرأي العام المحلي، خاصة مع بلوغ الأزمة ذروتها بتحركات دبلوماسية أضفت مزيدا من التوتر إلى علاقات مصر وإثيوبيا.

إثيوبيا تعاند: أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية الدبلوماسي المصري أحمد محرم أحمد سليمان "شخصا غير مرغوب فيه"، مع إمهاله 48 ساعة لمغادرة البلاد، موضحة أن هذا القرار اتخذ بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، دون الكشف عن أسباب دقيقة تبرر هذا التصرف، لترد القاهرة في اليوم ذاته بإمهال مستشار السفارة الإثيوبية نفس المدة لمغادرة أراضيها، انطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل.

جاء ذلك في أعقاب اتهامات وجهها قائد الجيش الإثيوبي، بأن القوات التي تقاتل جيشه حاليا لن تنجح ما لم تكن مدعومة ومساندة ومزودة من قبل السودان ومصر وقوى خارجية أخرى، ما نفاه سريعا المتحدث باسم وزارة الخارجية نادر زكي في اليوم التالي، مؤكدا أن أي ادعاءات تشكك في سياسة مصر القائمة على عدم التدخل هي ادعاءات باطلة ولا أساس لها. وفي سياق متصل، طردت أديس أبابا 10 دبلوماسيين إريتريين وأغلقت سفارتها في أسمرة في نفس اليوم الذي صعدت فيه ضد مصر، ما دفع إريتريا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها ردا على ذلك.

تتركز الخلافات بين مصر وإثيوبيا حول مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير على مجرى نهر النيل، الذي تعتمد عليه مصر لتوفير أكثر من 95% من احتياجاتها من المياه العذبة، وفقا لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي. وقد بدأت إثيوبيا بناء السد عام 2011، غير أن القاهرة لا تزال متمسكة بالمسار الدبلوماسي مع إثيوبيا لحل أزمة السد حتى اليوم.

تستند حصة مصر من مياه النيل إلى اتفاقيات تعود إلى الحقبة الاستعمارية، إذ منحت معاهدة عام 1929 المبرمة بين المملكة المتحدة ومصر للقاهرة حق النقض على أي مشاريع بناء على مجرى النهر، ثم جاءت اتفاقية عام 1959 مع السودان لترفع حصة مصر من تدفقات النهر إلى 66%.

في المقابل، جادلت إثيوبيا ودول المنبع الأخرى لاحقا بأنها غير ملزمة باتفاقيات استبعدتها، وفي عام 2024، وقعت بوروندي وإثيوبيا و4 دول أفريقية أخرى على اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل ودخلت حيز التنفيذ، وهي معاهدة ترفضها مصر والسودان جملة وتفصيلا. وعقب سنوات من المفاوضات المتعثرة بين الدول الثلاث للتوصل إلى اتفاق ملزم، افتتحت إثيوبيا السد رسميا في 9 سبتمبر 2025.

الخسائر والمكاسب

بالنسبة لإثيوبيا، يتمحور الهدف من السد حول توليد الكهرباء، إذ تعتبر أديس أبابا سد النهضة مصدرا حيويا للطاقة التي تشتد حاجة البلاد إليها، خاصة أن السد مصمم لتوليد 5.15 ألف ميجاوات، وهو ما يتجاوز ضعف القدرة السابقة للبلاد. فضلا عن ذلك، تتحكم إثيوبيا في منابع النيل، حيث تقع بحيرة تانا في المرتفعات الإثيوبية، والتي تعد الخزان الرئيسي وتوفر أكثر من 80% من مياه النهر.

بالنسبة لنا، تتمثل إحدى أبرز المخاطر في تهديد الأرض الزراعية، خاصة أن منطقة الدلتا تمثل سلة الغذاء الرئيسية للبلاد. وتناول تحليل أجرته شبكة الجزيرة عام 2020 بالتعاون مع عالم الأرض والفضاء عصام حجي 5 سيناريوهات كانت مطروحة للتفاوض حينها بين مصر والسودان وإثيوبيا، إذ تواجه مصر خطر فقدان ما بين نحو 2 مليون فدان (حوالي 18% من أراضيها الزراعية) إلى 6.75 مليون فدان (حوالي 67%). وفي أحد السيناريوهات المتوسطة، قد يخرج نصف الأراضي الزراعية في البلاد عن الإنتاج تماما.

أيضا.. تقبع مصر بالفعل تحت عتبة الشح المائي المطلق: تراجعت حصة الفرد من المياه إلى نحو 472 مترا مكعبا سنويا، وهو ما يقل عن خط الـ 500 متر مكعب المستخدم عادة لتعريف الشح المطلق، وفقا لبيان صادر عن وزير الموارد المائية والري هاني سويلم في سبتمبر، موضحا فيه أن الإمداد المتجدد السنوي لمصر البالغ نحو 56.8 مليار متر مكعب يقل بكثير عن احتياج البلاد البالغ 123 مليار متر مكعب.

لسد جزء من هذه الفجوة، تعيد الحكومة استخدام نحو 23.2 مليار متر مكعب من المياه سنويا، وتعمل على توسيع محطات المعالجة لتصل طاقتها الإجمالية إلى 4.8 مليار متر مكعب، بالإضافة إلى جهود تعزيز كفاءة استخدام المياه، بما في ذلك المراقبة بالأقمار الصناعية والنمذجة التنبؤية وأنظمة الري الذكية كجزء من استراتيجيتها الأوسع "الجيل الثاني لمنظومة المياه 0.2".

الرد المصري

تخطط إثيوبيا لبناء 3 سدود جديدة للطاقة الكهرومائية هي: كارادوبي ومندايا وبيكو أبو، حسبما أكد وزير المياه والطاقة الإثيوبي في أغسطس الماضي، مشيرا إلى مساعي بلاده لزيادة سيطرتها على تدفق مياه النيل نحو مصر والسودان. في هذا الصدد، تمثل التحركات الإثيوبية الأحادية بشأن سد النهضة تهديدا لدول المصب، وفقا لما قاله أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي، مؤكدا أن تشغيل السد دون مراعاة لمصالحها يشكل مصدر قلق للأمن القومي لمصر ويهدد الاستقرار الإقليمي.

من جانبها، استبعدت القاهرة هذه الخطط تماما: خلال اجتماع عقد برئاسة الرئيس السيسي في 29 سبتمبر، شدد وزير الخارجية والتعاون الدولي بدر عبد العاطي على أن مصر لن تقبل بإنشاء أي سدود جديدة أو تكرار ما حدث مع السد الإثيوبي الحالي. وفي الأسبوع ذاته، جددت مصر تأكيدها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على أن أمنها المائي يعد قضية وجودية، وأنها تحتفظ بحقوقها بموجب القانون الدولي لحماية أمنها المائي من أي تهديدات مستقبلية، وهو موقف حظي بدعم الرئيس الصيني شي جين بينج خلال زيارته الأخيرة للقاهرة.

المباحثات في العلمين الجديدة

استضاف الرئيس المصري كلا من الرئيس الإريتري والرئيس الصومالي والقائد العام للجيش السوداني في مدينة العلمين الجديدة يوم الأحد الماضي، في قمة أُطرت كدعوة للحوار. وأصدر القادة الأربعة إعلانا مشتركا دعوا فيه إلى ضرورة احترام القانون الدولي فيما يخص الأنهار العابرة للحدود، بما في ذلك نهر النيل، كما أبدوا معارضتهم لأي تحركات أحادية الجانب من شأنها الإضرار بإمدادات المياه لمصر والسودان، وفقا لبيان رئاسي. وتوافقت الدول الأربع كذلك على أن حوكمة البحر الأحمر هي حق أصيل للدول المشاطئة له، كرد على محاولات إثيوبيا إيجاد منفذ سيادي لها على البحر.

ماذا بعد؟ اتفق القادة الأربعة على عقد لقاءات دورية وتأسيس آلية مشتركة لمتابعة ما أُنجز، وتترقب الأوساط خلال الفترة المقبلة رد فعل أديس أبابا على هذا الإعلان، وما إذا كانت أي من خطط سدودها الثلاثة ستتجاوز مرحلة المقترح لتصبح واقعا ملموسا.