🎶 رعد.. جيل واعد من الموسيقيين: تأسست شركة الإنتاج الموسيقي المستقلة رعد ريكوردز على يد مالك تاج (لينكد إن) وعاصم تاج (إنستجرام) قبل أقل من عامين، بتمويل ذاتي بالكامل. وقد تعاونت الشركة المحلية مع فنانين من مصر والمغرب والجزائر وليبيا والسودان وسوريا والعراق والسعودية، بيد أن هدفها لا يقتصر على تقديم موسيقى جيدة فحسب، بل يمتد ليشمل التعاون عبر الحدود، حسبما صرح مالك تاج لإنتربرايز.
البحث عن الإيقاع
دخل مالك مجال الموسيقى بعد نحو عقد من العمل في شركات ناشئة أسسها آخرون: تخرج عام 2010 بشهادة في هندسة الإلكترونيات والاتصالات، وانتقل بعد التخرج مباشرة للعمل في مجال تطوير الأعمال لصالح مستثمر التقى به من خلال مسابقة لخطط الأعمال نظمها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث تولى كتابة العروض التقديمية وطلبات براءات الاختراع. وقاده أحد المشاريع الممولة لقضاء عام في وادي السيليكون، قبل أن يضطر للعودة إلى وطنه.
"كنت أبحث عما أريد بنائه بنفسي": بعد عودته إلى القاهرة، انضم إلى عدة مشاريع تجارية، منها تطبيق للمدفوعات انتهى به الأمر لإدارة أنظمة الدفع غير النقدي المعتمدة على تقنية تحديد الهوية بموجات الراديو للفعاليات في القاهرة، وشركة فو الناشئة للتوصيل عام 2017، التي شارك في تأسيسها. ثم دخل مجال التكنولوجيا الزراعية من خلال المشاركة في تأسيس فارم هير، وهي شركة للزراعة الرأسية طورت ثلاجات تعمل بنظام الزراعة المائية للمتاجر الكبرى لزراعة الخضروات الورقية والأعشاب، وكانت الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، بحسب ما ذكره مالك.
لكن شغفه بالموسيقى لم يخفت أبدا، فقد نشأ مالك محبا للموسيقى. ورغم أن نشأته ضمن أسرة صارمة، دفعته هو وشقيقه عاصم إلى إبقاء هوايتهما بعيدة عن الأنظار. "كانت الموسيقى دائما شيئا علينا بذل جهد مضاعف من أجله في صغرنا"، بحسب مالك. لاحقا، أسس شارك عاصم في تأسيس نادي فينت في وسط البلد بالقاهرة عام 2013، حيث أدى العديد من الفنانين الصاعدين والمستقلين من القاهرة والمنطقة أولى عروضهم. ومع انغماسه في مشهد الموسيقى المحلي، بدأ عاصم العمل مع الفنانين، فتولى إدارة أعمال نجم الراب المصري ويجز، وأسس وكالته الخاصة لإدارة المواهب "تي إم تي إم تالنتس".
غالبا ما لجأ عاصم لأخيه لطلب المشورة بشأن سير العمل والنمو، وفي إحدى الدردشات الليلية، طلب من أخيه الانضمام إليه. وافق مالك بشرط واحد يتمثل في بناء العمل بطريقته الخاصة، وهكذا ولدت رعد ريكوردز.
طريقته الخاصة كانت تعني الملكية المشتركة: "أردت أن أثبت أن الشركة لا يجب أن تتبع نموذجا رأسماليا بحتا يجني فيه عدد قليل من الأفراد كل الأرباح بينما تتقاضى بقية العمالة أجورا متدنية"، بحسب مالك الذي قال مضيفا إن هذا الهيكل الداخلي ينعكس على ثقافة شركتهم. كما أشار إلى أن معظم العاملين حاليا في رعد أمضوا وقتا طويلا في محيط الشركة قبل أن يطلبوا الانضمام إليها.
أمضى تاج ستة أشهر في تعلم كيفية عمل "تي إم تي إم تالنتس" قبل أن تتحول شركة الإدارة إلى شركة إنتاج، وهو هيكل أوضح أنه سمح للفريق بتخصيص المزيد من الموارد لدعم الفنانين وقضاء وقت أطول معهم في الاستوديو.
بداية قوية
انطلقت رعد ريكوردز مع ويجز وخمسة فنانين صاعدين أو في بداية مسيرتهم، قبل أن توقف التوقيع مع المزيد. فرغم تلقي الفريق لعروض يومية، أمضى أفراده الأشهر الأولى في إعداد سير العمل والبنية التحتية والشركاء قبل توسيع قائمة الفنانين. في البداية، كان النمو يقاس بعدد الفنانين والبلاد والأنواع الموسيقية التي تتبناها الشركة، إلا أن الفريق حاول عدم التركيز على تحقيق أرقام استماع عالية فحسب، وهو ما انعكس على قائمة موسيقاهم الآن، التي تتنوع لتضم موسيقى الهيب هوب والبوب والمهرجانات والجاز والموسيقى البديلة، إلى جانب أصوات رأى مالك أنها لا تندرج تحت فئة معينة.
يضع تاج شركة رعد في مكانة وسط بين نوعين من المنافسين: تمتلك الشركات الكبرى المال والانتشار الدولي، في حين تميل الشركات المستقلة المحلية إلى التمحور حول فنان أو اثنين. "نحن نقدم ما يمكن أن تقدمه الشركات الكبرى بالإضافة إلى العلاقة الوثيقة التي توفرها الشركات المستقلة مع الفنان". هذا قد يعني لبعض الفنانين الانتقال من مرحلة البداية إلى النجومية، وللبعض الآخر بناء مسيرة مهنية محلية مستدامة.
توقع رعد مع الفنانين بناء على قوة موسيقاهم، إذ أشار مالك أن الشركة موجودة لخدمة هدف أوسع. "يتعلق الأمر في منطقتنا بإنهاء التبعية الثقافية في الفن، وخلق فن يعبر عن الواقع وعن نضالات شعوبنا". ينعكس هذا الهدف في قائمة الشركة التي تضم حاليا فنانين من ثماني دول. ويبحث فريق الشركة دوما عن فرص للتعاون عبر الحدود، حتى يعتاد الجمهور الناطق بالعربية على سماع لهجات غير لهجاته المحلية.
المشاريع التي يفخر بها مالك أكثر من غيرها هي تلك التي عمل عليها مباشرة: أصدر المنتج الموسيقي عمر كيف مؤخرا الجزء الأول من ألبومه، والذي يضم خمسة مقاطع شارك فيها عدد من أبرز الفنانين الصاعدين في المنطقة، وقد بدأ مالك وكيف العمل على الألبوم معا قبل سنوات من تأسيس رعد. كما يدير مالك أيضا أعمال زاد، الذي وصف مشروعه بأنه شخصي للغاية وقريب جدا إلى قلبه. كما أشار إلى الفنان الليبي أماكا جاجي كأحد المواهب التي تستحق المتابعة، متوقعا فوزه بجائزة جرامي في المستقبل.

مشهد متغير
بدأ المستمعون المصريون في الابتعاد عن طفرة الهيب هوب التي انتشرت خلال سنوات الجائحة، حسبما رأي مالك، متجهين إلى الموسيقى ذات الطابع المحلي أكثر: "يعكس الهيب هوب حياة الشارع، لكن إيقاعاته مستوردة، والجمهور يبحث عن موسيقى تشبهه". يجد الكثيرون ضالتهم حاليا في موسيقى البوب من حقبتي التسعينات والألفينات، مشيرا إلى توليت الذي جذب صوته المفعم بالحنين قاعدة جماهيرية واسعة، كأبرز دليل على هذا التحول.
صناعة جاذبة للاستثمارات: تستثمر شركات الإنتاج الكبرى بكثافة في منطقة نمت فيها إيرادات الموسيقى المسجلة بنسبة 15.2% خلال عام 2025، وهو ثاني أسرع معدل نمو مشترك في العالم، وفقا لتقرير الموسيقى العالمي لعام 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي لصناعة التسجيلات الصوتية، إذ أكد مالك أن المستثمرين ينظرون إلى المنطقة بأكملها، ورغم أن حجم السوق المصرية كبير ومركزي، إلا أنها ليست السوق الوحيدة المثيرة للاهتمام.
مع ذلك، لا يصل سوى القليل جدا من هذه الاستثمارات إلى الفنانين حتى الآن، إذ قدر مالك أن الفنان يكسب نحو 4 دولارات لكل ألف استماع في أوروبا، مقابل 0.20 إلى 0.30 دولار في مصر. ينبع هذا التفاوت من طريقة تقسيم منصات البث الرقمي لعوائد الاستماع بناء على مصدرها، فالمشترك المصري في منصة سبوتيفاي يدفع حوالي 50 جنيها شهريا، مقارنة بنحو 5 إلى 10 دولارات في الولايات المتحدة، كما أن العوائد من الاستماعات المجانية المدعومة بالإعلانات تكون أقل بكثير. في حين ترتفع العوائد في السعودية، حيث تكلفة الاشتراكات أعلى.
"لا يمكننا تغيير كيفية دفع منصات البث الرقمي للفنانين، ولكن يمكننا تنويع مصادر الإيرادات بحيث يمكن للفنانين تحقيق الاستدامة دون الحاجة إلى 10 ملايين استماع لكسب لقمة العيش"، حسبما قال مالك، مضيفا أن الفنانين يحتاجون أيضا إلى فرص أفضل للحصول على التمويل والمشاركة في المسارح الدولية والتعاون العالمي.
يتمثل هدف مالك الأساسي من رغد هو تقديم موسيقى عابرة للحدود تستمتع بها الجماهير العربية: "أريد أن يعتاد المصريون على الدارجة المغربية، وعلى غناء الفنانين الليبيين بلهجتهم الخاصة"، وربط ذلك بشعور متزايد بالتواصل في جميع أنحاء العالم العربي والمغتربين، مسترجعا حلم طفولته بالقيادة عبر المنطقة لزيارة أصدقائه في بيروت، مؤكدا أن الوقت قد حان لكسر الحدود الرقمية والفنية.
خلال السنوات القليلة المقبلة، يسعى مالك أن تتواجد شركته فعليا في كل دولة عربية، ويطمح لأن يذكر كبار النجوم الشركة كمنطلق لبداياتهم. كما يريد أن تشارك شركة الإنتاج في تقديم ملكية فكرية بصرية تدعم الموسيقى، ويستشهد في ذلك بنموذج كوريا الجنوبية، التي صدرت ثقافتها للعالم عبر موسيقى الكي بوب والدراما الكورية.
كما يريد أن تظهر رعد للمؤسسين الآخرين أن الملكية المشتركة يمكن أن تنجح كنموذج عمل: كل موظف من موظفي الشركة البالغ عددهم نحو 20 موظفا، وكذلك الفنانين المتعاقدين معها، يمتلكون حصة فيها، لذلك إذا حققت رعد أرباحا، فإن الكل مستفيد: "وصف الناس هذا في البداية بأنه تصور وطموح مثالي للغاية، ولكنه نجح فعلا". ويضيف: "إذا جعلت كل شركة كل موظف مساهما فيها، فيمكنك القضاء على الفقر".
محصن ضد الذكاء الاصطناعي؟
قد يهدد الذكاء الاصطناعي صناعات أخرى، لكن الموسيقى ستصبح أكثر إنسانية لأنها طريقتنا في التعبير عن أنفسنا، بحسب ما رأي مالك. من وجهة نظره، لا تزال الصناعة في مرحلة الفضول المبدئي إزاء الذكاء الاصطناعي، إذ يختبره الفنانون والمنتجون كطريق مختصر، متوقعا أن ينصرف المستمعون في النهاية عن الموسيقى التي يصنعها الذكاء الاصطناعي ويعودوا إلى العزف على الآلات. "عندما ظهرت أجهزة الكمبيوتر، غيرت طريقة إنتاج الموسيقى دون أن تحل محل الآلات، واعتقد أن تأثير الذكاء الاصطناعي سيكون أقل من ذلك".
توقع مالك أن تستمر الموسيقى بغض النظر عما يحمله المستقبل، فإذا تحول العالم إلى واقع مرير، فسيقاوم الأفراد تلك القسوة والمرارة من خلال الموسيقى. وإذا تولت الآلات كل الأعمال، فسيقضي الجميع وقتهم في صنع الفن. باختصار: الموسيقى التي يصنعها البشر، من أجل البشر، وُجدت لتبقى.