Posted inفي المكتبة

الانتظار ليس فراغا: جغرافيا المخيم وحدود الجسد في Waiting on Borders

📚 عن السلطة والزمن الموقوف: في كتابه Waiting on Borders، يفكك المعماري والمخطط الحضري والجغرافي اللبناني بول معوض مفهوم الوقت المعلق، متتبعا تحول الانتظار من حالة سلبية إلى وسيلة فعالة للسيطرة على حياة اللاجئين، متخذا من جغرافيا المخيم العشوائي نقطة انطلاق لقراءة نقدية حادة تضيء العلاقة المعقدة بين السلطة وزمن الإنسان وجسده. يوثق معوض تفاصيل الحياة في مخيمات اللاجئين السوريين العشوائية في لبنان، حيث يتجاوز الانتظار كونه مجرد فترة تفصل بين الحاضر والمستقبل.

"لا شيء يحدث، لا أحد يأتي، لا أحد يذهب، إنه لأمر مروع"، بهذه المقولة الشهيرة من مسرحية صمويل بيكيت في انتظار جودو، افتتح معوض بحثه ليجسد حالة الزمن الممتد الذي لا يقود إلى نتيجة واضحة، مركزا على حالة العبث التي يمثلها الانتظار داخل مخيمات اللاجئين السوريين العشوائية في لبنان، وكيف ترتبط بهيكل دقيق من السلطات والعلاقات التي تحدد كيفية عيش اللاجئين ونطاق حركتهم وما يمكنهم وما لا يمكنهم فعله.

ينطلق معوض من بحث ميداني وإثنوغرافي أجراه بين عامي 2018 و2022، متجاوزا النظرة التقليدية للمخيمات بوصفها أماكن مؤقتة لإيواء النازحين، متعاملا معها كمساحات حية تتقاطع فيها السلطة والسياسة والعمران مع الزمن. كما أسس أطروحته على مركزية الوقت وتحويله إلى أداة للحكم والسيطرة، مركزا على جغرافيا المكان وشبكات النفوذ، إذ يتشكل المخيم العشوائي كمساحة تتداخل فيها علاقات قوة معقدة بين اللاجئين ومالكي الأراضي والمؤسسات المحلية والجهات الإنسانية. ومن خلال إدارة هذه العلاقات وتنسيق الفضاء المادي، يتحول تنظيم المكان نفسه إلى جزء أصيل من آلية السيطرة على حياة السكان.

ما أعجبنا: اعتمد الكاتب على أسلوب سردي ينم عن ذكاء وتوازن لافتين، إذ تجنب السرد الأكاديمي المباشر والجاف وصاغ بحثه بأسلوب يمزج بين الحقائق الصلبة والقصة الإنسانية، مبتعدا عن فخ الاستعطاف في صياغة حساسة ولعبة كتابية بالغة الصعوبة في هذا النوع من السرديات.

أحببنا أيضا قرار الكاتب بتقديم جميع الصور والخرائط باللونين الأبيض والأسود، لتجريد المشهد من المشتتات البصرية المجملة، دافعا القارئ إلى التركيز الكامل على جوهر التجربة الإنسانية، مع إتاحة مساحة واسعة للتأمل. كما لم يقدم اللاجئين باعتبارهم مجرد أشخاص خاضعين بل قادرين على الفعل والتكيف وإعادة تشكيل المساحات التي يعيشون فيها. كما أضافت خلفية معوض المعمارية والعمرانية عمقا تحليليا للبحث، إذ تعامل مع الخيام والمسارات والحواجز والحدود كمنظومة متكاملة، طارحا سؤال حول كيفية تأثير تصميم المكان وتنظيمه المادي على قدرة الأفراد على الحركة وبناء تفاصيل حياتهم اليومية.

رأينا النهائي؟ في هذا الكتاب، حول معوض الهامشي إلى أساسي، مع التمييز بين التحليل العمراني والإثنوغرافيا والتجربة الذاتية دون اختزال اللاجئين في دور الضحايا، بالإضافة إلى مساءلته لآليات السيطرة ليترك القارئ أمام تساؤل وجودي: ماذا يحدث للإنسان حينما يسلب منه حق التحكم في وقته ومستقبله؟

أين تقرأونه: النسخة الإنجليزية متاحة عبر مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومكتبات ديوان.

العلامات: