🍅 استعدوا يا محاصيل مستوردة.. فالمحلي قادم: في أراض زراعية على جانب طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، زرع هشام شلش أكثر من 15 صنفا من الفلفل والطماطم الشيري والشمر والسلق السويسري وكرنب بروكسل وأصناف أخرى من الخضروات الموسمية في مزرعته الخاصة ترو فارمز. وفي البحيرة، يدير المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة نيفرتوت أحمد عماد مشروعا لزراعة التوت الأزرق الذي كان من الصعب زراعته في المناخ المصري. أما في المريوطية، فقد قضت عائلة مقار عقودا في تزويد الطهاة بالهندباء البلجيكية والهليون والكرنب الأجعد أو الكيل، وهي محاصيل كانت تستوردها مصر بالكامل في الماضي.
رغم اختلاف طبيعة هذه المشروعات، فإنها تختبر الرهان ذاته: هل يستطيع المزارعون المتخصصون خلق سوق مجدية اقتصاديا لمحاصيل مكلفة في زراعتها وتستهدف شريحة محددة من المشتريين؟
الرواد
ترجع جذور مزارع مقار في الزراعة العائلية إلى ثمانينات القرن التاسع عشر، إذ درس الجد جورج مقار الزراعة في فرنسا، وعاد مصمما على تجربة زراعة محاصيل كان يعتقد أنها غير صالحة للبيئة المصرية. "اعتمد نهجه على عكس مواسم النمو الأوروبية، أي زراعة ما تزرعه أوروبا في الصيف خلال أشهر مصر الأكثر برودة. ثم جاء والدي منير مقار ليتخذ خطوة إضافية، فكان أول من طور أنظمة الزراعة المائية في مصر خلال الثمانينات لتوسيع نطاق ما يمكن للمزرعة إنتاجه"، حسبما صرحت فريدة مقار، التي تعمل ضمن فريق الفعاليات والتسويق في المزرعة، لإنتربرايز.
أصبح نبات الهندباء البلجيكية اليوم المحصول الرئيسي لمزارع مقار، إذ تباع المحاصيل التي يزرعونها على مساحة 25 فدانا تقريبا بشكل أساسي للفنادق والمطاعم والسوبرماركت المتخصصة، بينما تمثل المبيعات المباشرة للمستهلكين وأسواق المزارعين حصة صغيرة للغاية: "يمكنني أن أخبرك بمستوى أداء قطاع السياحة في أي لحظة بناء على أرقام مبيعاتنا من الهندباء البلجيكية"، وفقا لفريدة.
من تجربة إلى مشروع تجاري
بدأ الشغف لدى شلش من ممرات السوبرماركت المليئة بالخضروات التقليدية، فبعد ثلاثة أعوام قضاها في الولايات المتحدة كطالب في المرحلة التمهيدية للطب، عاد إلى مصر خلال جائحة كورونا، وأثناء فترة الحجر الصحي التي قضاها في مزرعة عائلته بدأ في زراعة بذور الفلفل والطماطم المستوردة. "أحب الأطعمة الحارة، لذا جربت أصنافا مختلفة من الفلفل والطماطم الشيري. وفي العام التالي، جربت المزيد من الخضروات مثل القرنبيط الملون والكرنب الساقي وهي خضروات شائعة في أوروبا والولايات المتحدة ولكنها غير متوفرة هنا".
بحلول 2023، تجاوزت مزارع ترو مرحلة التجارب، إذ أدرك شلش الأصناف التي يفضلها العملاء ويمكنها تحمل الظروف المحلية والكميات المحددة لزراعتها. "اكتسبت المعرفة الفنية بشكل أساسي من القراءة ومشاهدة الفيديوهات مع الكثير من المحاولات والتجربة. كان تدريبي العلمي الوحيد في الصيف الماضي عندما قضيت شهرين في السويد مع خبير الزراعة التجديدية ريتشارد بيركنز". تشغل خضرواته المتخصصة اليوم نحو فدانين من الصوب الزراعية وأربعة إلى خمسة أطنان في الحقول المفتوحة داخل مزرعة العائلة البالغ مساحتها 350 فدانا والمخصصة أساسا للبساتين.

كان المشترون الأوائل في الغالب من المغتربين والمصريين الذين عاشوا في الخارج، حسبما قال، إذ استخدم بعضهم الكرنب الساقي وقرع السباجيتي بينما احتاج آخرون إلى التعريف بهذه المنتجات. "أستطيع القول إن نحو 20% من عملائي هم مجرد أشخاص فضوليين يرغبون في تجربة أشياء جديدة، يجربونها ثم يعودون مجددا. تتم معظم المبيعات المباشرة لترو في أسواق المزارعين في المعادي، كما نتلقى الطلبات عبر إنستجرام ونورد لبعض المطاعم الصغيرة، ونأمل في التوسع نحو أسواق الزمالك وربما مدينة السادس من أكتوبر، بالإضافة إلى إطلاق خدمة التوصيل للمنازل وصناديق المحاصيل الدورية خلال العام المقبل".
تلك العلاقة المباشرة مع المستهلكين تساعد على توضيح الكثير مما يتعلق بتسعير المنتجات: تتراوح أسعار الطماطم المزروعة من بذور توارثتها الأجيال بين 200 و220 جنيها للكيلو، بينما تباع عبوة الطماطم الشيري المشكلة بسعر 85 جنيها للربع كيلو. "نزرع منتجاتنا بأساليب حيوية وخالية من المبيدات الحشرية في معظمها، كما أن البذور وطرق الزراعة وأساليب مكافحة الآفات التي نعتمدها تزيد من التكلفة، أنا أهتم بالكثافة الغذائية والنكهة والتنوع وعملائي يهتمون بذلك أيضا"، حسبما أكد.
صعود التوت الأزرق المصري
يسلك التوت الأزرق مسارا آخر: عمل مؤسس شركة نيفرتوت أحمد عماد في مجال التكنولوجيا لمدة 12 عاما في لندن، ودفعه حبه الشخصي للتوت الأزرق ورؤيته لفرصة استثمارية جيدة إلى تأسيس الشركة عام 2021. "في ذلك الوقت، لم يكن هناك سوى شركتين فقط تزرعان التوت الأزرق في مصر، ولكن كان هناك طلب متزايد على المنتج على محليا وعالميا. لم يكن من السهل العثور على أصناف توت أزرق يمكنها النمو في مناخنا، لكننا تمكنا في النهاية من العثور على مشتل مستعد للتعاون معنا، إذ كانوا قد أجروا مرحلتهم التجريبية في المغرب، وكانوا واثقين تماما من نجاح أصنافهم في مصر"، حسبما أكد عماد لإنتربرايز.
تتطلب زراعة التوت الأزرق استثمارات رأسمالية ضخمة في البداية، إذ يجب أن يستخدم المزارعين في مصر التظليل وأغطية الصوب لضمان توفير ساعات البرودة العالية وإدارة درجات الحرارة وزراعة النباتات في بيئة حمضية بدلا من التربة المحلية والاعتماد على الري بالتنقيط، وفقا لعماد. كما تكتسب أصناف النباتات وشروط الترخيص أهمية بالغة، فبعض الترتيبات تمنح المشتل الحق في التحكم في الحصاد وبيعه للخارج. وقد اختارت نيفرتوت الأصناف التي يمكنها تسويقها بنفسها، ما أتاح لها بناء قاعدة عملاء محلية، مع دخول المزيد من المزارعين إلى السوق. "تزايد المعروض يعني أن السعر أصبح أكثر تنافسية، والمنتج بات متاحا لشريحة أوسع من السوق"، وفقا لما أضاف.
يزرع عماد أيضا توت العليق (الراسبيري) والتوت الأسود وفواكه أخرى، لكن التوت الأزرق يظل المنتج الأهم لشركته، إذ توجه نيفرتوت معظم مبيعاتها إلى الشركات والمطاعم والفنادق والمصانع وتجار التجزئة وبعض المصدرين، بينما تقدر المبيعات المباشرة للمستهلكين عبر الموقع الإلكتروني بنحو 5% فقط.

تظهر أرقام الصادرات المصرية مدى سرعة نمو هذا القطاع، ففي النصف الأول من العام الجاري، ارتفعت قيمة الصادرات المحلية من التوت الأزرق إلى 36.25 مليون دولار مقارنة بنحو 10.29 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق. وذهب الجزء الأكبر من الصادرات إلى هولندا والمملكة المتحدة والنرويج، وفقا لتقرير مؤسسة بلو بيريز كونسلتنج.
تتطلب السوق المحلية والتصدير عمليات تشغيلية مختلفة، إذ تبيع نيفرتوت للمصدرين من أطراف ثالثة. كما حصلت الشركة مؤخرا على شهادات تسمح لها بالتصدير باسمها الخاص، ما يمكنها من إجراء أولى شحناتها المباشرة خلال العام المقبل. كما يوفر موسم حصاد التوت الأزرق في مصر من الشتاء إلى الربيع فرصة واعدة للمشترين الأوروبيين، حسبما أوضح عماد، الذي لا يزال مترددا في منح جهات أخرى حقوقا حصرية لبيع بعض الأصناف، بعدما استثمر في بناء حصة نيفرتوت في السوق.
قوائم الطعام الجديدة وزيادة الطلب
يرغب رواد المطاعم الأكثر اهتماما بالتفاصيل في الحصول على مكونات أفضل، فيما يوفر الطهاة الصاعدون ومتخصصو خدمات تقديم الطعام وأندية العشاء للمزارعين المتخصصين قناة لطرح المكونات غير التقليدية، من خلال أطباق تساعد الزبائن على اكتشاف طرق استخدامها. وأكد شلش أن الإقبال المتزايد على الخضروات المميزة يدعم أعمال ترو، إذ يمثل صعود أندية العشاء التي تفضل إعداد أطباق فريدة واستخدام الخضروات المتخصصة فائدة متبادلة للطرفين.
يمنح أسبوع القاهرة للطعام هذه التجارب منصة أوسع. بالنسبة للمزارعين المتخصصين، تتمثل الفرصة في الوصول إلى مستهلكين تتطور تفضيلاتهم واهتماماتهم باستمرار فيما يتعلق بجودة المكونات ونكهتها ومصدرها. وكانت مزارع مقار قد أسست هذه الصلة بالفعل من خلال مآدب الغداء الخاصة بالطهاة الضيوف التي تستضيفها في المزرعة منذ عام 2016، التي تتيح للطهاة الشباب فرصة استخدام محاصيلها، وللضيوف فرصة تذوقها والتعرف على أساليب الزراعة المائية.
الانتشار على وسائل التواصل لا يعني دائما مبيعات أكثر: "تجربة نادي العشاء قد تكون مناسبة لالتقاط الصور لإنستجرام، إذ تحتاج الفعالية فقط إلى صناديق قليلة من الخضروات، بينما يمكن لفندق أن يطلب شحنة أكبر بكثير. ومع ذلك، يمكن لهذه الموائد الصغرى تقديم مكونات يبحث عنها المتسوقون لاحقا بأنفسهم، وبالنسبة للمزارعين المتخصصين، قد يتحول الزبون الملاحظ والتواق للجودة إلى عميل دائم"، بحسب فريدة.
يظل تحقيق التوازن الاقتصادي تحديا قائما، إذ أكد شلش أن البذور المستوردة وارتفاع تكاليف الكهرباء والعمالة كلها عوامل تضغط على الأسعار. بينما أشارت فريدة إلى أن الطاقة وصيانة الصوب الزراعية تمثل مصروفات رئيسية لعمليات الزراعة المائية في مزرعتها. فيما أوضح عماد أن شتلات التوت الأزرق والبنية التحتية تتطلب إنفاقا رأسماليا ضخما، في حين لا تزال بعض الأسمدة ومواد التغليف تستورد من الخارج.
لا تعني فئة الزراعات المتخصصة اتباع نموذج عمل واحد، إذ حافظت مزارع مقار على استمرارية أعمالها من خلال خدمة الطهاة والفنادق، بينما تسعى نيفرتوت إلى التوسع في السوق المحلية والتصدير المباشر، في الوقت الذي تعمل فيه ترو فارمز على بناء قاعدة من العملاء المخلصين عبر منافذ البيع في أسواق المزارعين. الفرصة المشتركة بينهم تتمثل في إتاحة مزيد من التنوع أمام المستهلك المصري، ليبقى السؤال: هل يصمد الطلب على هذه المنتجات في ظل ارتفاع التكاليف والمواسم الحارة والتحديات اللوجستية؟