Posted inعلى الساحة

ماذا نخسر حين نخسر أشجارنا؟

🌳 لماذا نزرع باليمنى ما نقطعه باليسرى؟ أمضت الدولة السنوات الأربع الماضية في محاولة تعويض التراجع الذي شهدته مساحاتها الخضراء على مدار عقود في مختلف المحافظات، في الوقت الذي استمرت فيه عمليات قطع الأشجار، في تناقض جلي أثار جدلا واسعا اجتاح وسائل التواصل منذ سنوات وإن اشتدت حدته خلال الفترة الأخيرة، ليصبح السؤال الذي يطرحه كل مصري: "لماذا تقطع الحكومة أشجارا معمرة، لتزرع بدلا منها أشجارا صغيرة تحتاج إلى سنوات لتنمو".

لماذا؟ تعد التنمية الحضرية وتحديدا توسعة الطرق السريعة الدافع الأكبر وراء حملة قطع الأشجار، فقد قطعت نحو 2500 شجرة في حي مصر الجديدة بين عامي 2019 و2020 لتوسعة الطرق، بينما جرفت مساحة 10 آلاف متر مربع من حديقة الميريلاند بالحي ذاته لبناء نصب تذكاري. كما ارتبطت أعمال الصيانة الدورية للأحياء بالإزالة الشاملة، إذ قطعت أشجار شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين مؤخرا، بذريعة تعديل المسارات المرورية مع وعود بزراعة أشجار بديلة فور انتهاء الأعمال.

للريف المصري نصيبه: اقتلعت آلاف الأشجار على ضفاف الترع خلال المشروع القومي لتبطين الترع، دون نشر دراسة تقييم للأثر البيئي، ليعاد بعد ذلك بيع الأخشاب المقطوعة بقيمتها الحقيقية، بحسب ما وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في دراسة أجرتها مؤخرا، حتى أن أحد تجار القليوبية صرح بأن طن أخشاب الأشجار المعمرة يباع بنحو 3000-6000 جنيه.

جزء من الأسباب وليس كلها: زرعت بعض الأشجار المزالة بشكل خاطئ من البداية، وفقا لما قاله عمر الديب (لينكد إن)، مؤسس مبادرة شجرها المجتمعية لزراعة الأشجار، لإنتربرايز. "اعتمدت السياسة المعتادة للتشجير في الأماكن العامة في مصر على زراعة أشجار الزينة غير المثمرة مثل الفيكس، التي تستهلك كميات هائلة من المياه وتقدم قيمة بيئية ضئيلة وتدمر أنظمتها الجذرية التوسعية البنية التحتية الجوفية والأرصفة وشبكات الأنابيب". منحت تلك العوامل الأحياء مبررا لإزالة الأشجار المعمرة بمجرد أن تبدأ جذورها في التسبب بأضرار، حسبما رأي الديب.

مبررات واهية؟ تدخل مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، واصفا قطع الأشجار بالسلوك العدواني على الكون والخلق، مشيرا إلى أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قد نهى عن قطع الأشجار حتى في أشد الظروف. وبدورها، وجهت النائبة مها عبد الناصر أسئلة رسمية إلى كل من وزيرة التنمية المحلية منال عوض ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن النمط الأوسع لخسارة المساحات الخضراء، مطالبة بمعرفة العدد الدقيق للأشجار المقطوعة على مستوى الجمهورية، وتفاصيل حول تأثير مشاريع التخطيط العمراني وإعادة التطوير على المساحات الخضراء في البلاد. كما تساءلت عن مدى توافق استمرار قطع الأشجار مع المبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة.

ما هي مبادرة الـ 100 مليون شجرة؟

أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي المبادرة في نوفمبر 2022، بالتزامن مع استضافة مصر لمؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ، وتهدف إلى زراعة 100 مليون شجرة في 9900 موقع تغطي على مساحة 6600 فدان على مستوى الجمهورية خلال 7 سنوات، بدءا من العام المالي 2023/2022 وحتى العام المالي 2029/2028، بتمويل حكومي قدره 3 مليارات جنيه، أي نحو 30 جنيها للشجرة، وهي ميزانية ضئيلة للغاية. وقد احتفت الحكومة بالانتهاء من أحدث مراحل المبادرة في وقت سابق من هذا العام، ليصل إجمالي ما زُرع نحو 8 ملايين شجرة.

تتحمل وزارة التنمية المحلية النصيب الأكبر من المبادرة بزراعة 80 مليون شجرة، تليها وزارة البيئة بـ 13 مليون شجرة، ثم هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بـ 7 ملايين شجرة. وتشمل أهداف المبادرة مضاعفة نصيب الفرد من المساحات الخضراء في مصر وخفض الانبعاثات وتحقيق عائد اقتصادي من زراعة الأشجار المثمرة والأخشاب مثل الزيتون والماهوجني والجاتروفا جنبا إلى جنب مع أشجار الزينة.

تسير وتيرة العمل بخطى ثابتة حتى الآن، إذ أكدت وزيرة التنمية المحلية منال عوض اكتمال المرحلة الرابعة في مايو 2026، بتوريد وزراعة أكثر من 200 ألف شجرة، منها 75.7 ألف شجرة في سبع محافظات ذات أولوية، إلى جانب زراعات مكثفة على طول الطريق الدائري بالقاهرة الكبرى، ليصل الإجمالي إلى نحو 8 ملايين شجرة بنهاية المرحلة الرابعة، حيث زرعت 5 ملايين شجرة في المرحلة الأولى، ومليونا شجرة في المرحلة الثانية، و452 ألف شجرة في المرحلة الثالثة.

تزامنا مع تزايد الغضب الشعبي، أصدرت وزيرة الإسكان راندا المنشاوي توجيهات بوقف قطع الأشجار تماما، وحماية الأشجار والحدائق والمساحات الخضراء القائمة في المجتمعات العمرانية الجديدة بمصر. كما دعت التوجيهات إلى التوسع في زراعة الأشجار وزيادة المساحات الخضراء، إلى جانب الصيانة الدورية لأعمال تنسيق المواقع وشبكات الري.

أعقب ذلك تحرك من النيابة العامة، التي أمرت بفتح تحقيقات في وقائع قطع الأشجار على مستوى الجمهورية واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين. في الوقت ذاته، وجهت وزيرة التنمية المحلية منال عوض رؤساء الأحياء بالإبلاغ عن أي إضرار بالأشجار باعتباره مخالفة لنص المادة 162 من قانون العقوبات. وبعد أيام قليلة، أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قرارا بحظر قطع أي شجرة دون الحصول على موافقة وزارتي التنمية المحلية والبيئة، وذلك في أعقاب حملات لقطع الأشجار دون تصريح في محافظات كفر الشيخ والغربية والأقصر.

بلغة الأرقام

تستهدف رؤية مصر 2030 الوصول بنصيب الفرد من المساحات الخضراء الحضرية إلى 3 أمتار مربعة بحلول عام 2030، في حين توصي منظمة الصحة العالمية بـ 9 أمتار مربعة. كما بلغ نصيب الفرد الفعلي في القاهرة 0.74 متر مربع في عام 2020، انخفاضا من 0.87 متر مربع في 2017 ونحو 3 أمتار مربعة في 2012، وفقا لدراسة نشرت عام 2022 في مجلة الهندسة والعلوم التطبيقية. في حين وضعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية المتوسط الوطني عند مستوى أدنى بكثير يبلغ 17 سنتيمترا مربعا فقط للفرد، بحسب الدراسة المذكورة سلفا. كما كشفت أن القاهرة فقدت 910.9 ألف متر مربع من المساحات الخضراء بين عامي 2017 و2020 فقط، حيث فقد حي مصر الجديدة وحده أكثر من 272 ألف متر مربع، في حين فقد حي مدينة نصر 311 ألف متر مربع أخرى.

باتت القاهرة أكثر حرارة في المناطق التي تضاءل فيها الغطاء الشجري، إذ سجل حي بولاق الدكرور الذي يفتقر إلى المساحات الخضراء، درجات حرارة أعلى بمقدار 5 درجات مئوية مقارنة بمحيطه خلال ذروة موجة الحر في يونيو 2022، مقابل فارق قدره 6 درجات مئوية مقارنة بجزيرة القرصاية ذات الغطاء النباتي الجيد، بحسب شركة الهندسة البريطانية أروب أن.

كما يغير فقدان الظل من طبيعة الحياة اليومية في الشوارع، إذ تراجعت جودة الأرصفة وسلامة المشاة في منطقة مصر الجديدة مع انحسار الغطاء الشجري، تزامنا مع زيادة موثقة في حوادث المرور، وفقا لدراسة عام 2022 حول خسائر المساحات الخضراء في القاهرة. ويعني انحسار الظل زيادة الطلب على مكيفات الهواء، ما يؤدي بدوره إلى زيادة الانبعاثات الصادرة عن نفس المباني التي كان من المفترض أن تساعد الأشجار في تبريدها.

الدراسات العالمية تؤكد الخسائر أيضا: كشفت دراسة أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، قاست معدل جريان مياه الأمطار في منطقة سكنية قبل وبعد إزالة 31 شجرة شوارع، أن الجريان السطحي ارتفع بمقدار 198 مترا مكعبا، إذ كانت كل شجرة مسؤولة عن امتصاص نحو 6400 لتر سنويا من مياه الجريان عبر مظلتها وجذورها.

لا قطع دون انبعاثات: على صعيد الانبعاثات الكربونية، تخزن أشجار المدن في المتوسط 7.69 كيلوجرام من الكربون لكل متر مربع من المظلة الشجرية، وتعزل 0.28 كيلوجرام إضافية لكل متر مربع سنويا، ما يعني أن إزالة أي شجرة شوارع معمرة يفقدنا وظيفة تبريد طبيعية ومصرفا فعالا للكربون في آن واحد، وفقا لدراسة وطنية أجرتها هيئة الغابات الأمريكية.

من يزرعون من جديد؟

أسس الديب مؤسسة شجرها عام 2016 بعدما رأى جيرانه يقطفون ثمارا من شجرة توت في شارعه بمدينة العبور: "سألت نفسي: لماذا لا نزرع أشجارا مثمرة في كل مكان بالأماكن العامة ليأكل منها الجميع". رفضت السلطات المحلية في حيه أول طلب له لزراعة الأشجار في ساحات المدارس، بحجة أن الأشجار المثمرة قد تثير نزاعات حول ملكيتها وتحول المدارس إلى مشاريع تجارية وربما تتسبب في إصابات أو أضرار بالممتلكات نتيجة رشقها بالحجارة لإسقاط الثمار، ناهيك عن أن تساقط الثمار قد يجذب الحشرات ويسبب الفوضى.

رغم ذلك، واصل الديب مسعاه: "شعرت بمسؤولية روحية ومجتمعية عميقة.. كنت واثقا أن لهذه المبادرة القدرة على إحداث تغيير إيجابي ومستدام في المجتمع المصري".

بدأت المؤسسة كعمل تطوعي غير هادف للربح موله الديب من ماله الخاص، إذ كان يشتري الشتلات وينقلها بنفسه في الأيام الأولى. أما اليوم، تضم المؤسسة منسقين نشطين في 22 محافظة من محافظات مصر، وقد زرعت مئات الآلاف من الأشجار المثمرة وأشجار الأخشاب في الشوارع وساحات المدارس والأحرام الجامعية والمراكز الطبية ودور الأيتام والقرى الريفية منذ عام 2016.

بيد أن نقطة التحول الحقيقية لمؤسسة شجرها جاءت في عام 2020، عندما دعت وزارة البيئة المؤسسة للمشاركة في حلقة نقاشية قبل إطلاق مبادرة 100 مليون شجرة. هناك عارض الديب زراعة نباتات الزينة المستهلكة للمياه مثل الفيكس، ودعا للاعتماد على الأشجار المثمرة وأشجار الأخشاب، وهي النصيحة التي تبنتها الوزارة لاحقا في الخطة الوطنية. وفي أبريل 2024، استضاف جهاز مدينة العبور حفل الذكرى السنوية لتأسيس "شجرها" في قاعته الرئيسية.. بعد مرور ثماني سنوات على رفضه للفكرة.