🍉 مشروع البطيخة من أجل غزة: البداية كانت مع رمز واحد و28 فنانا من حول العالم، قدموا معا فكرة "بطيخة بروجكت" التي تحولت إلى مزاد علني عقد في دار كينسينجتون للمزادات في نيويورك، جمع أكثر من 249 ألف جنيه إسترليني لصالح مبادرة الشفاء من أجل غزة.
البداية: تأسست المبادرة قبل نحو عام على يد هدايت تيمور، النحاتة ومهندسة التصميم الداخلي المقيمة في لندن والمؤسسة المشاركة لعلامة الأثاث المصرية إكليجو، إذ جاءتها الفكرة عندما قررت أخذ بطيخة من وسط القاهرة إلى أحد الورش التي تتعاون معها في حي الدرب الأحمر. خلال أسبوع، تحولت البطيخة إلى قالب صنع منه 28 مجسما من الفيبرجلاس، قدم كل منها كلوحة بيضاء لفنان مختلف ليعيدوا تقديمها وفق رؤاهم الخاصة للتجربة الفلسطينية. وعرضت الأعمال جميعها في جاليري 1957 بحديقة هايد بارك جيت في العاصمة لندن، وقدمت في مزاد علني يوم السبت 18 سبتمبر.
تعاونت تيمور مع صديقتها وشريكتها المنسقة الفنية تايا الزيادي، وشملت قائمة المشاركين غادة عامر ورنا بيجوم وبيتر كينارد وجابي سمارة وملك مطر وهدى لطفي وندى مبارك ومحمد عبلة وكارولين بورواي. "كان من المبهر رؤية كل هذه الإنتاجات المتنوعة، حتى إن أحد الفنانين المكسيكيين أخذ البطيخة التي أرسلناها له، وقام بطباعتها بتقنية ثلاثية الأبعاد ليصنع منها غصن زيتون"، حسبما صرحت تيمور لإنتربرايز.
"كانت تايا الشخص المثالي لهذه المهمة، إذ أظهرت حماسها فورا وبدأت العمل إلى جانب المؤسسات المشاركات الثلاث الأخريات وهن غادة سوسو وديما فخري وملك فؤاد، اللاتي امتلكن الشغف نفسه"، حسبما أضافت تيمور. لقد شاركت كل منهن بخبرات مختلفة في مجالات التمويل والإعلام والتنسيق الفني، إذ أردن جميعا المساهمة وإحداث فارق، وإن لم تتخيل أي منهن نجاح المشروع بهذا الشكل.
التنفيذ لم يكن سهلا: لم تكن عملية شحن ونقل المجسمات حول العالم مهمة سهلة إطلاقا. "كان هناك الكثير من الارتجال والحلول السريعة، بيد أنه بمجرد ذكر أن هذا العمل لصالح فلسطين، لم يتردد أحد في تقديم المساعدة، وحصلنا على جميع الخدمات بسعر التكلفة أو حتى مجانا"، بحسب الزيادي.
رمزية تاريخية: تحمل البطيخة رسالة ورمزية لطالما ارتبطت بالقضية، عندما أغلق الجيش الإسرائيلي معرضا فنيا في رام الله لرواد الفن التشكيلي في فلسطين سليمان منصور ونبيل عناني وعصام بدر، وحظر عليهم رسم أي شيء يستخدم ألوان العلم الفلسطيني الأحمر والأخضر والأسود والأبيض. وعندما تساءل الفنانون عما إذا كان بإمكانهم رسم زهرة بهذه الألوان، جاء الرد: "حتى لو رسمتم بطيخة، فستصادر"، ومن هنا أصبح البطيخ رمزا للمقاومة.
كان مقررا أن يشارك منصور بنفسه في صناعة بطيخته الخاصة للمزاد، إلا أنه لم يتمكن من الاستمرار بسبب مرضه، حسبما أكدت الزيادي، مضيفة أن روحه كانت حاضرة في المشروع. توفي منصور في 24 أغسطس عن عمر ناهز 79 عاما، وافتتح المزاد بكلمة تأبين لذكراه قدمتها الزيادي.

التزم مؤسسي المبادرة بتخصيص كامل عوائد المزاد لصالح مبادرة الشفاء لأهل غزة، فيما جرى تغطية التكاليف التشغيلية للمزاد بشكل منفصل من خلال التبرعات، إذ قدم مالك جاليري 1957 مروان زخم — الذي يخصص مساحاته في العاصمة الغانية أكرا ولندن عادة لفناني غرب أفريقيا وفناني الشتات — مساحة المعرض مجانا، كما تكفل بمصاريف حفل الافتتاح. وفي وقت يخشى فيه البعض حتى من كلمة فلسطين وحدها، كان لهذا التبرع معنى كبير للغاية، بحسب تيمور.
فتح باب المزايدة الإلكترونية على الأعمال كاملة قبل المزاد الحي، فيما حضر حفل الافتتاح أكثر من 100 شخص، وهو أعلى حضور في تاريخ المعرض، بحسب إدارته. "كان حشدا متنوعا للغاية من جميع أنحاء العالم، وشمل عددا من الضيوف اليهود. أما المزاد الحي يوم الجمعة فكان أقل حضورا، إذ اقتصر على نحو 70 شخصا، وغلب عليه جامعو التحف والأعمال الفنية لإتاحة المجال للمزايدة. وكان من بين الحضور الأكاديمي والناشط الأمريكي نورمان فينكلشتاين، المعروف بانتقاداته للصهيونية"، بحسب تيمور.
ستخصص جميع العائدات لمبادرة الشفاء من أجل غزة التي تضم أكثر من 70 طبيبا ومعالجا نفسيا، لتركيزها على الصدمات النفسية التي يعاني منها الأطفال والعائلات في غزة، ومعرفة مؤسسي المشروع المباشرة بالقائمين عليها. يعد الضرر النفسي الذي يلحق جيلا بعد جيل من أكثر آثار هذه الحرب صعوبة في العلاج، ما يجعل المشروع جهدا مستمرا وطويل الأجل، وفق الزيادي.
ولم يصل عمل الفنانة البريطانية كارولين بورواي الذي يجسد عائلة فقدت ابنها إلى جدار المعرض، إذ اختير ضمن القائمة القصيرة لجائزة ترينيتي بوي وارف للرسم المرموقة، ما يعني أن عملها المستلهم من واقع المأساة سيجوب المدن الإنجليزية ضمن معرض متنقل لمدة ثلاثة أشهر، ما يمثل جزءا من نجاح المشروع، بحسب تيمور.
خطوات مستقبلية: تسعى تيمور والزيادي إلى تحويل المبادرة إلى مؤسسة دائمة، مع احتمال إطلاق نسخة منها في القاهرة. تركز تيمور حاليا على أعمالها النحتية إلى جانب مشاريعها في لندن والقاهرة، فيما رأت الزيادي — التي انتقلت من إدارة المعارض إلى التقييم الفني — أن المشروع يمثل علامة فارقة في مسيرتها المهنية واصفة إياه بأنه الأكثر إرضاء وتأثيرا في مشوارها.