🪫 في وقتنا الحالي، بات الاحتراق الوظيفي شبحا يتسلل ببطء إلى الموظف المعاصر المسكين دون أن ينتبه إليه. ومع إدراكنا أن تلك مشكلة خلل مؤسسي لا أزمة فردية، تظل المسؤولية المشتركة في مواجهته أمرا لا غنى عنه، فإذا ترك الاحتراق الوظيفي دون علاج، سيؤدي إلى مزيد من هروب العمالة وتراجع انتماء الموظفين إلى العمل وانخفاض الأداء بشكل عام. في أم الدنيا وحدها، أفاد 57% من الموظفين بتعرضهم للضغط العصبي في العمل مقارنة بمتوسط إقليمي يبلغ 48% وعالمي يبلغ 40%، بحسب تقرير جالوب لحالة بيئة العمل العالمية لعام 2026.
الواقع أصعب: استوفى نحو 8.7% من موظفي البنك الأهلي في مدينة المنصورة وحدها معايير الاحتراق الوظيفي، حسبما وجدت دراسة أجريت عام 2017. وفي مستشفيات جامعة عين شمس، أفاد 87.7% من أطقم التمريض والإداريين بتعرضهم لمستويات مرتفعة من الضغط المرتبط بالعمل، بينما عانى 67.5% منهم من الاكتئاب باعتباره أحد الآثار المرتبطة ببيئة العمل. على صعيد أطباء القلب المصريين، أفاد 74.6% منهم بتعرضهم لضغط عصبي شديد وإجهاد عاطفي مرتبط بالعمل، وفقا لدراسة نشرتها المجلة المصرية للطب المهني.
يتجاوز الاحتراق الوظيفي المؤسسي مجرد الشعور بالضغط العصبي أو الإرهاق العاطفي والجسدي، إذ ينظر إليه باعتباره قضية تتصل مباشرة بالصحة العامة، بعد أن صنفته منظمة الصحة العالمية ظاهرة مهنية ضمن المراجعة الحادية عشرة للتصنيف الدولي للأمراض.
.. لكن ما هو الاحتراق الوظيفي فعلا؟ يختلف هذا الإجهاد عن الإرهاق العادي، إذ ينتج عن ضغط عصبي مزمن لم يجر التعامل معه في بيئة العمل، وما يصاحبه من تراكم تدريجي للإجهاد الجسدي والعاطفي والذهني الذي يستمر أو تزداد حدته بمرور الوقت. قد يظهر ذلك في صورة انفصال عاطفي وتبني سلوك تهكمي وتراجع الشعور بالإنجاز تجاه المهام الوظيفية.
يعتبر الاحتراق الوظيفي تجربة فريدة تتفاوت من شخص لآخر، لذا من المهم للغاية أن يراجع المرء نفسه باستمرار، ليفهم طبيعة استجابته الذاتية وكيف ينعكس الإجهاد على سلوكياته، وهذه الحالة أعمق بكثير من مجرد المرور بأسابيع صعبة في العمل، أو الشعور بضغط وظيفي مؤقت أو صحي الذي قد يحفز على التميز أو يساعد على إنجاز المهام الصعبة عند الحاجة، حسبما صرحت المعالجة النفسية ميرا شاكر (لينكد إن) لإنتربرايز.
كيف يتطور الاحتراق الوظيفي؟
يبدأ الاحتراق الوظيفي المؤسسي في بيئات العمل التي تشجع على ساعات العمل الطويلة والتواصل المستمر والضغط المتواصل لتحقيق النتائج. كما يترسخ في البيئات ذات المتطلبات المرتفعة وهامش محدود من السيطرة وحدود غير واضحة بين الحياة المهنية والشخصية، فضلا عن الثقافات المؤسسية التي تشجع على الإفراط في العمل. رغم أن أعباء العمل المفرطة تبدو سببا واضحا، فإن الإجهاد الوظيفي غالبا ما يكون نتاجا عن بيئة العمل الشاملة وليس فشلا شخصيا للموظف.
لا يتعلق الأمر بساعات العمل وحدها كما قد يعتقد، صحيح أن أعباء العمل الثقيلة تؤجج من الاحتراق الوظيفي، إلا أن الصورة الكاملة أكثر تعقيدا، إذ يشير استمرار الاحتراق الوظيفي رغم الجهود الفردية إلى خلل في كيفية توزيع السلطة والمخاطر والمكافآت. وقد يرتبط بموقع الفرد داخل الهيكل التنظيمي وعدد ساعات عمله ومستوى مسؤوليته وحجم سلطته وقربه من صنع القرار، ومدى تعرضه للتوترات غير المحسومة، وفقا لتقرير هارفارد بيزنس ريفيو.
كما قد تلعب الظروف الفردية دورا في ذلك، إذ أوضحت شاكر أن ما يمر به الفرد خارج العمل يمكن أن يزيد من وطأة الضغوط المهنية، إذ قد يكون الشخص مسؤولا عن رعاية آخرين أو يمر بظروف شخصية خاصة، وعندما تقترن هذه العوامل بالضغط الوظيفي، فقد تؤدي إلى إجهاد كامل.
لم يؤد العمل عن بعد أو بنظام هجين إلى تخفيف هذه الأعباء، فبينما ينظر إلى العمل عن بعد باعتباره نموذجا مثاليا للمرونة، قد تتحول المرونة غير المنضبطة إلى حدود غير واضحة وضعف في الهيكل التنظيمي وتراجع في التوازن بين الحياة المهنية والشخصية. وبالنسبة إلى المهنيين في بداية مسيرتهم الوظيفية تحديدا، قد يعني العمل عن بعد التعامل مع إرشادات غير واضحة ومحاولة فهم القواعد غير المكتوبة في بيئة العمل، ما قد يؤدي إلى فقدان الاتجاه والانخراط في نهاية المطاف في حالة من الإجهاد الوظيفي عالي الأداء.
كيف نرصد العلامات؟
كيف تعرف أنه احتراق وظيفي مؤسسي وليس مجرد أسبوعين من العمل الشاق؟ يظهر الإجهاد الوظيفي عاطفيا وذهنيا وجسديا، وقد يصعب أحيانا ملاحظة علاماته التحذيرية. "لا تتجاهل العلامات التحذيرية، فمن السهل أن ننساق وراء دفع أنفسنا لتجاوز حدود معينة من الإرهاق لمجرد أننا اعتدنا على ذلك. لكن كلما ضغطنا على أنفسنا وتجاهلنا ما نمر به، زادت احتمالية الانزلاق إلى الإجهاد الوظيفي، وحينها يحتاج التعافي منه إلى وقت طويل"، وفقا لشاكر.
1#- علامات عاطفية:
- الشعور بالإنهاك أو الاستنزاف قبل بدء اليوم
- سرعة الانفعال أو حدة ردود الفعل أو الإحباط أو الغضب أو التبلد العاطفي
- فقدان الشغف والمتعة في الأمور التي تهتم بها عادة
- الشعور بالفشل وضعف التقدير الذاتي مع تضاؤل إحساس الإنجاز
- الوقوع في حالة من التأهب الفائق، حيث يكون الجسد والعقل في حالة توتر دائم
- النظرة السلبية العامة والتهكم
- تزايد مشاعر القلق أو الاكتئاب
- الشعور بالإرهاق الشديد من المهام اليومية العادية
2#- علامات ذهنية:
- صعوبة التركيز أو الانتباه أو اتخاذ القرارات
- الضبابية الذهنية
- النسيان، خاصة فيما يتعلق بالمهام اليومية
- تزايد جلد الذات أو الشعور بعدم الاستحقاق
- الشعور بالانفصال أو العمل وفق نمط التوجيه الذاتي الآلي
- تراجع قدرات الوظائف التنفيذية وسرعة المعالجة الذهنية
- صعوبة تنظيم المشاعر
3#- علامات جسدية:
- اضطراب النوم أو الأرق، أو الشعور بالتعب عند الاستيقاظ
- الصداع أو التوتر العضلي أو المرض بشكل متكرر
- الإجهاد المستمر والخمول دون سبب طبي واضح
- مشاكل الجهاز الهضمي
- تغيرات في الشهية
4#- علامات سلوكية:
- العمل لساعات أطول مع إنجاز قدر أقل من المهام
- التسويف أو تجنب العمل
- الانسحاب الاجتماعي أو العاطفي، خاصة تجاه زملاء العمل
- ارتفاع معدلات الغياب عن العمل
- الحذر المفرط أو الاندفاع غير المعتاد عند اتخاذ القرارات بالنسبة للمديرين
- اللجوء إلى المشروبات المنبهة أو المشتتات الأخرى كوسيلة للتأقلم
- عدم الرضا عن الوضع الوظيفي وزيادة الرغبة في البحث عن فرص أخرى
طريق التجنب وطريق التعافي
1#- تداركوا الأمر مبكرا: من المهم الانتباه إلى العلامات المبكرة للإجهاد الوظيفي قبل أن تتفاقم ويصعب التعامل معها، فلا تنتظروا حتى تصل الأمور إلى نقطة التأزم قبل أخذها على محمل الجد. إذا لاحظتم بالفعل بعض العلامات المبكرة أو ساوركم القلق من الانزلاق نحو الاحتراق الوظيفي، فسلوا أنفسكم بانتظام: كيف كان نومكم؟ ما هي مستويات طاقتكم؟ وكيف تشعرون تجاه يوم عملكم؟
2#- مساعدة الذات: يمكن أن يبدأ التعافي بإجراء تغييرات بسيطة ومستدامة في الروتين اليومي. يمكن أن يساعد بناء عادات صحية أكثر فيما يخص النوم والحركة والراحة وقضاء الوقت بعيدا عن العمل في دعم الصحة النفسية وجعل الحياة المهنية أفضل.
في المكتب:
- ضعوا حدودا واضحة لساعات العمل وقللوا من التواصل بعد انتهاء الدوام
- تجنبوا تولي مهام ومشاريع كثيرة في وقت واحد
- امنحوا الأولوية للمهام عالية التأثير والأهمية
- قللوا من تعدد المهام للحد من الإرهاق الذهني
- تواصلوا مع المديرين لإعادة تقييم حجم العمل والتوقعات
- خذوا فترات راحة استراتيجية ومنتظمة للابتعاد عن المكتب أو التمدد أو المشي لتجديد التركيز
- فكروا في ترتيبات عمل مرنة، مثل ساعات العمل القابلة للتعديل والتواصل غير المتزامن
خارج المكتب:
- امنحوا الأولوية للنوم المنتظم والمريح والراحة الكافية بعيدا عن المشتتات
- حافظوا على النشاط البدني لتعزيز الطاقة
- حافظوا على نظام غذائي متوازن يتكون من وجبات منتظمة ومغذية
- خصصوا وقتا للهوايات والأنشطة التي تستمتعون بها
- استثمروا في العلاقات الاجتماعية مع الأصدقاء والعائلة
- جربوا تقنيات اليقظة الذهنية وإدارة التوتر أو التأمل أو تمارين التنفس العميق
لا تترددوا في طلب المساعدة المتخصصة، خاصة عندما يبدأ الاحتراق الوظيفي في التأثير على جوانب حياتكم خارج نطاق العمل. فالعلاج النفسي مثل العلاج السلوكي المعرفي أو العلاج الجماعي أو دعم الأقران والتوجيه المهني، يمكن أن يساعد على فهم وإدارة الاحتراق الوظيفي بشكل أفضل.
قد يكون العلاج النفسي مفيدا لمن يسعون إلى الكمال، الذين يحرصون على القيام بكل شيء على أكمل وجه ممكن حتى وإن كلفهم الكثير في المقابل. "أعتقد أن الأمر له علاقة كبيرة بالتوقعات، خاصة إذا كان لدى الشخص توقعات تميل للكمال، وهو ما يركز العلاج النفسي على التعامل معه. لا يقتصر الأمر على وضع الحدود فحسب، بل يشمل استكشاف جذور هذه النزعة للكمال ومتى تفيدنا وكيفية التعامل مع الأمور التي لا تسير حسبما نأمل"، وفقا لشاكر.
3#- الإجازة وحدها لا تكفي: "إن حجز إجازة لمدة أسبوع أشبه بوضع ضمادة مؤقتة على جرح ما"، بحسب شاكر، التي أكدت أنه الإجازات قد تمثل وسيلة لتجنب المشكلة الأساسية المسببة للاحتراق الوظيفي. "يرتبط التعافي بأشياء نضيفها إلى الروتين اليومي أو الأسبوعي تساعد في تحسين تجربة العمل، أما الإجازة فهي مجرد حل مؤقت لا يغير من الواقع شيئا".
4#- ما يمكن للمديرين فعله:
- تحديد الأولويات وتوضيح ما يجب إنجازه فورا مقارنة بما يمكن تأجيله
- توضيح توقعات سير العمل وحدود الأدوار وتفويض المهام بفعالية إلى جانب تقديم الملاحظات والتقييم بوضوح وسرعة
- عقد اجتماعات منتظمة مع الفرق والقادة لمعالجة أي نقص محتمل في الموارد وتذليل العقبات
- تخصيص فترات لتخفيف إيقاع العمل عبر آليات مثل تقليل عدد الاجتماعات
- التوقف عن مكافأة الإرهاق المفرط، وعدم اعتبار العمل الإضافي أو التواجد المستمر دليلا على الالتزام أو الأداء العالي
- إعادة توزيع العبء العاطفي عبر دعم الروح المعنوية للفرق وحل النزاعات وغيرها
5#- .. وما يمكن فعله للمديرين: يشمل الاحتراق الوظيفي بين المديرين الإرهاق الأخلاقي وتعب اتخاذ القرارات والعزلة التي تصاحب تحمل عواقب القرارات الحاسمة، التي قد تتعارض أحيانا مع قيمهم الشخصية، ما يمثل وصفة أكيدة للاستنزاف وفقدان الرغبة في العمل.
يمكن دعم القادة عبر تهيئة لقاءات خاصة بهم لمناقشة وتقييم القرارات الصعبة وضغوط العمل، إلى جانب التأكد من عدم تحملهم أي أعباء غير ضرورية ووضع وتيرة واضحة لاتخاذ القرارات حتى لا ينشغلوا بقرارات أقل أهمية، فضلا عن تشجيعهم ليكونوا قدوة في وضع حدود صحية للعمل.