🌍 زلزال هنا.. فضيان هناك.. ومئات الأرواح البريئة راحت ضحايا لكوارث المناخ: في غضون شهور قليلة، وقع زلزالان بقوة تتجاوز 7 درجات في فنزويلا خلال يونيو الماضي، تلاهما زلازل مدمرة في كاليفورنيا واليابان وكولومبيا وإندونيسيا. وشهد الأسبوع الماضي فيضانات طينية كارثية على الحدود بين نيبال والصين نجمت عن انهيار جليدي هائل ابتلعت في طريقها مبان وقرى، إلى جانب فيضانات مميتة في تكساس، وحرائق غابات في لوس أنجلوس وكندا وإندونيسيا وأوروبا الغربية وحتى الجزائر، وموجات حر كاسحة اجتاحت أوروبا وغيرها.
كل ذلك يكفي لندرك حقا أن عام 2026 كان عاما قاسيا على كوكبنا العزيز الذي يبدو وكأنه يعاقبنا بدوره. ربما يتبادر إلى ذهن المرء تساؤل: هل يشهد الكوكب حقا سلسلة غير مسبوقة من الكوارث الطبيعية، أم أن الأمر يبدو كذلك فقط لأننا أصبحنا نرى المزيد منها بوتيرة متسارعة؟
الإجابة أعقد قليلا مما تبدو: تلعب ظاهرة النينيو الفائقة دورا في تفاقم الأزمة المناخية بيد أنها ليست سوى جزء من الصورة، إذ أصبح التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية حقيقية مؤسفة يصعب للغاية تجاهلها في هذه المرحلة من عمر الكوكب.
زلازل كثيرة؟
شهد هذا الصيف عددا كبيرا بشكل خاص من الزلازل المدمرة، بلغ نحو 11 زلزالا حتى الآن في مناطق مأهولة بالسكان. ورغم أن هذا الرقم قد يبدو مرتفعا بشدة، خاصة بالنظر إلى حجم الدمار الذي خلفه، فإنه في الواقع يقل قليلا عن المتوسط السنوي الطبيعي الذي يتراوح بين 15 و18 زلزالا، وفقا لصحيفة ذي إندبندنت. لكن الاختلاف هذه المرة يكمن في أن الزلازل لم تقع في مناطق نائية أو في وسط المحيطات، حيث تحدث عادة دون أن يلاحظها أحد، إذ تحدث الزلازل التي تبلغ قوتها 7 درجات على مقياس ريختر بوتيرة تفوق توقعاتنا، بمعدل زلزال كل 3 إلى 4 أسابيع تقريبا، لكن معظمها يمر دون أن نشعر به أو يسبب أضرارا طفيفة.
يشهد العام النشط عادة نحو 20 زلزالا كبيرا، أما هذا العام، فمن المتوقع أن يتراوح العدد بين 17 و18 زلزالا بحلول نهايته، وهو رقم يعد مرتفعا قليلا، لكنه ليس استثنائيا. ولكن لماذا تحدث بهذه الوتيرة المتسارعة؟ وهل هناك ارتباط بين أي من هذه الزلازل؟
صدفة قاسية قليلا: وقعت جميع الزلازل المسجلة حتى الآن في مناطق حدودية للصفائح التكتونية وبيئات جيولوجية مختلفة، ويمكن للزلازل الكبيرة أن تحفز وقوع زلازل أصغر في المناطق المجاورة وتتسبب في هزات ارتدادية، كما حدث في فنزويلا، لكن هذا النوع من التأثير الزلزالي المتسلسل لا يحدث بالتأكيد على مستوى عالمي.
الأمن مستتب: على صعيد الزلازل، يمكن القول إننا لا نشهد أي أنماط استثنائية أو خطيرة بحيث لا يمكن تداركها، على الأقل في الوقت الراهن. لكن سكان كاليفورنيا ليسوا من المحظوظين، إذ لطالما توقع الجيولوجيون وقوع زلزال بقوة 7 درجات أو أكثر على طول فالق سان أندرياس، مشيرين إلى اقتراب موعد الزلزال المدمر. إلا أن هذا كله يقع خارج نطاق التغير المناخي، فهو مجرد دورة طبيعية لنشاط الأرض.
صيف برعاية النينيو
دقت ظاهرة النينيو الفائقة ناقوس الخطر في أوساط علماء المناخ، إذ تشير التوقعات إلى أنها ستكون الأقوى من نوعها منذ عام 1950. وتتسبب الظاهرة في بعض الأنماط المناخية غير المستقرة التي نشهدها حاليا وتساهم في تقلبات الطقس الحادة. وقد شهدت الأعوام الـ 40 الماضية ظواهر نينيو أقوى بنسبة 36% مقارنة بما قبل الثورة الصناعية التي أطلقت شرارة التلوث، وأقوى إجمالا بنسبة 16% من تلك التي حدثت في القرن العشرين والألف عام التي سبقته، حسبما أظهرت دراسة حديثة نشرت في دورية ساينس.
إذا، هل نلوم النينيو؟ الإجابة لا، بل العبث البشري: تعد ظاهرة النينيو في حد ذاتها جزءا من نظام مناخي يعاد تشكيله بفعل ارتفاع درجات الحرارة العالمية، إذ تعمل كمحفز للظروف الجوية غير المستقرة بالفعل وليس كسبب جذري لها. وهذا ليس استنتاجا جديدا، فقد وجه علماء المناخ والناشطون أصابع الاتهام لعقود نحو استمرار الشركات الكبرى والحكومات في حرق الوقود الأحفوري. ورغم عدم إثبات وجود صلة سببية مباشرة حتى الآن، تظل الانبعاثات الكربونية المتزايدة هي المتهم الأبرز وراء زيادة قوة النينيو، ما يثير المخاوف من أن يصبح هذا المستوى من الحدة هو الوضع الطبيعي الجديد.
الوقود الأحفوري هو السبب
الأزمات المتفاقمة التي نشهدها حاليا هي تماما ما حذر العلماء من احتمالية حدوثه مع اشتداد وطأة التغير المناخي، إذ أوضحت الأبحاث الصادرة عن الأكاديميات الوطنية للعلوم أن بعض ظواهر الطقس المتطرفة هذا العام ترتبط مباشرة بالتغير المناخي. وما يزيد الطين بلة هو أننا تجاوزنا بالفعل عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ولعل 2026 هو العام الذي ندرك فيه أخيرا مدى قسوة العواقب التي قد تنجم عن ذلك.
الدليل الأول؟ موجات الحر وحرائق الغابات: كانت السنوات من 2015 إلى 2025 هي الـ 11 عاما الأشد حرارة على الإطلاق، إذ تساوى شهر يوليو من هذا العام مع يوليو 2024 كأكثر أشهر يوليو حرارة على وجه الأرض، وفقا للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي. وقد عانت أوروبا وحدها من أربع موجات حر منذ شهر مايو الماضي، إذ ترتفع درجة حرارة القارة بنحو ضعف متوسط المعدل العالمي. كما شهدت اليابان وكوريا الجنوبية ارتفاعات غير مسبوقة في درجات الحرارة بداية أغسطس الماضي، في حين سجلت أفريقيا وآسيا أشد أشهر يوليو حرارة على الإطلاق، وفقا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
النتيجة المباشرة؟ حرائق الغابات: تمثل الظروف التي نشهدها حاليا — من طقس حار وجاف مقترن بالجفاف وانخفاض الرطوبة — بيئة مثالية لاندلاع حرائق غابات واسعة النطاق وعالية الكثافة، ما يفسر الخسائر المليارية الناجمة عن حرائق الغابات في لوس أنجلوس، وحرائق الغابات المستعرة في كندا وما نتج عنها من سحابة دخان كثيفة غطت شمال شرق ووسط غرب الولايات المتحدة، وحرائق الغابات غير المسبوقة التي اندلعت في الجزائر خلال أغسطس، فضلا عن الحرائق النادرة في إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والتي أججتها القباب الحرارية التي اجتاحت أوروبا.
العديد من هذه الحوادث كان من المستحيل وقوعها في مناخ ما قبل الثورة الصناعية، قبل أن يفسد بفعل انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن الوقود الأحفوري، وفقا لدراسات أجرتها مبادرة وورلد ويذر أتريبيوشن.
الدليل الثاني؟ الجفاف وهطول الأمطار: تشهد الهند أضعف موسم أمطار موسمية منذ نحو عقدين، مع معدلات هطول أقل من المتوسط، في ظل استمرار تفاقم ظاهرة النينيو. كما تواجه أمريكا الوسطى ودول غرب المحيط الهادئ والمناطق الاستوائية في أمريكا الجنوبية معدلات هطول أمطار دون المتوسط.
على النقيض من ذلك، عانت ولاية تكساس الأمريكية من هطول أمطار مميتة تحدث مرة كل ألف عام في يوليو الماضي، ما أدى إلى فيضانات مفاجئة مدمرة. وشهدت منطقة الجنوب الأفريقي أيضا هطول أمطار غزيرة في بداية هذا العام أدت إلى أعاصير وفيضانات واسعة النطاق. ويعد هطول الأمطار الغزيرة أحد الآثار الجانبية الخطيرة الأخرى للاحتباس الحراري الناتج عن التلوث، فالهواء الأكثر دفئا يحمل رطوبة أكثر، ما يعني توفر المزيد من المياه لتغذية الأمطار الغزيرة.
الدليل الثالث؟ الفيضانات والانهيارات الأرضية والظواهر الجليدية: يعكف الباحثون حاليا على دراسة كيف أدى تغير المناخ إلى الفيضانات الكارثية التي اجتاحت المدن والقرى الواقعة على طول الحدود بين نيبال والتبت الأسبوع الماضي. نتج هذا الفيضان عن انهيار هائل للجليد والصخور والتربة في المنطقة الجبلية، ما أرسل سيلا من الحطام والمياه إلى المصب. ونظرا لارتفاع درجة حرارة المنطقة بوتيرة سريعة — وهو جزء من ظاهرة أوسع تعرف باسم الاحترار المعتمد على الارتفاع — تتراجع الأنهار الجليدية بمعدل متسارع، في حين تتدهور التربة الصقيعية، وهي طبقة الجليد الذي يعمل كصمغ يربط المنحدرات الصخرية ببعضها، وفقا لمجلة نيو ساينتست.
العلماء قلقون من أن ارتفاع درجات الحرارة وزعزعة استقرار الأنهار الجليدية قد يزيد من احتمالية وقوع مثل هذه الكوارث، بل يذهبون إلى عدم منطقية تسمية العديد من هذه الأحداث بالكوارث "الطبيعية" البحتة مع صعوبة تجاهل الرابط بين ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتفاقم الظواهر المناخية المتطرفة.
التأثير الاقتصادي
من المتوقع أن تكلف الكوارث الطبيعية الاقتصاد العالمي 450 مليار دولار سنويا، وفقا لصحيفة فاينانشال تايمز، علما بأن 62% من هذه الخسائر غير مؤمن عليها حاليا. ولتوضيح الصورة، تسبب زلزال ميانمار عام 2025 في خسائر اقتصادية بنحو 12 مليار دولار، لكن الخسائر المؤمن عليها بلغت أقل من 100 مليون دولار. وفي الوقت نفسه، تسببت حرائق غابات لوس أنجلوس عام 2025 في خسائر مؤمن عليها بقيمة 65 مليار دولار.
في الولايات المتحدة، تستجيب شركات التأمين الخاصة الكبرى لهذه المخاطر المتزايدة من خلال تقليص التغطية، أو رفع أقساط التأمين، أو التخارج تماما من الولايات المعرضة لمخاطر عالية مثل كاليفورنيا وفلوريدا، ما يلقي بالعبء الاقتصادي مجددا على كاهل الأفراد والحكومات.
في عالم أكثر إنصافا، يرى كثيرون أن الدول المسببة للتغير المناخي هي من يجب أن يدفع الفاتورة، وهو المبدأ الذي يقوم عليه صندوق الخسائر والأضرار، وهي سياسة مناخية دولية أُقرت في شرم الشيخ خلال مؤتمر المناخ COP27، إذ تهدف إلى تقديم الدعم المالي للدول الأكثر فقرا والأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي، والتي تتحمل العبء الأكبر لأزمة لم تفتعلها بالأساس.