🤖 مع طموحات التوسع في البنى التحتية للذكاء الاصطناعي، تدق ناقوس الخطر إيذانا بتهديد جديد يواجه موارد الأرض وخصوصا المياه، إذ يقف خلف كل نموذج ذكاء اصطناعي شبكة من مراكز البيانات المكتظة برقائق تستهلك كميات هائلة من الكهرباء وتولد كميات هائلة من الحرارة ويتطلب الحفاظ على تشغيل هذه الأنظمة استهلاك مورد آخر يزداد ندرة بمرور الوقت: ألا وهو المياه.
في ضوء ذلك، بات من الصعب قياس البصمة البيئية من خلال انبعاثات الكربون وحدها، خاصة في ظل التوقعات بأن يصل استهلاك مراكز البيانات العالمية من الكهرباء إلى 945 تيراوات ساعة بحلول عام 2030، ارتفاعا من نحو 448 تيراوات ساعة العام الماضي، وفقا لتقديرات تقرير صدر في يونيو الماضي عن معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة. في الوقت ذاته، قد تصل البصمة المائية المرتبطة بذلك إلى 9.3 تريليون لتر، في حين قد تتجاوز البصمة الأرضية 14.5 ألف كيلومتر مربع.. وهذه ليست سوى البداية.
مراكز البيانات مختلفة
القلق الأكبر يتعلق بمراكز البيانات الفائقة ومواقع الذكاء الاصطناعي التي تشغل مجموعات كثيفة من وحدات المعالجة الرسومية، فعلى عكس مراكز البيانات التقليدية التي قد تتعامل مع مزيج واسع من أعباء العمل، يمكن لمرافق الذكاء الاصطناعي تشغيل عمليات حوسبة كثيفة باستمرار، ما يولد كثافة حرارية عالية يصعب مواجهتها باستخدام أنظمة التبريد التقليدية.
أزمة متفاقمة: تعد عملية الاستدلال — أي العمليات اليومية التشغيلية لنماذج الذكاء الاصطناعي — مصدرا رئيسيا للاستهلاك مع تزايد استخدام الأفراد والشركات للذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاج النصوص والصور والفيديو وغيرها. كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة، أصبح استخدامه أرخص وأسهل، ما يخلق تأثيرا ارتداديا عبر زيادة حجم المهام ما يلغي أثر أي ترشيد في استهلاك الموارد، وهو ما يحذر التقرير منه.
ثم تأتي مشكلة المياه: تحتاج مراكز البيانات إلى التبريد لأن الكهرباء المتدفقة عبر الرقائق عالية الأداء تتحول إلى حرارة، ويمكن أن تعتمد أنظمة التبريد التقليدية بشكل كبير على تبخر المياه، ما يترك بصمة مائية مباشرة في المنشأة. كما أن هناك أيضا بصمة غير مباشرة تتمثل في توليد الكهرباء نفسه والذي قد يتطلب كميات كبيرة من المياه، خاصة عندما تأتي الطاقة من محطات التوليد الحرارية.
هذا كله يربط التكلفة البيئية بشكل كبير بموقع بناء مركز البيانات وكيفية إمداده بالكهرباء وأنظمة التبريد، فالمنشأة التي تعمل بكهرباء منخفضة الكربون قد يكون لها بصمة كربونية أقل، لكنها في الوقت نفسه قد تضغط أكثر على إمدادات المياه المحلية. في السياق ذاته، يمكن أن تتحرك البصمات الكربونية والمائية والأرضية في اتجاهات متعاكسة، ما يعني أن مصدر الطاقة الأنظف ليس بالضرورة الخيار الأكثر ترشيدا لاستهلاك المياه أو الموارد بشكل عام، حسبما خلصت أبحاث المعهد.
أين تقع مصر والمنطقة من هذه المعادلة؟
تجذب المنطقة اهتماما متزايدا في مجال البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، بينما تتعامل في الوقت نفسه مع الحرارة الشديدة وواقع مائي صعب وغير مستقر. تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة متطلبات التبريد، تماما كما يرتفع الطلب على الكهرباء لتشغيل مكيفات الهواء في المدن. تتمتع مصر بطموحاتها الخاصة في هذا الشأن، إذ تسعى الحكومة للتحول إلى مركز إقليمي لحركة البيانات والبنية التحتية الرقمية، مستفيدة من الموقع الجغرافي والشبكة الواسعة من الكابلات البحرية الدولية.
كيف ذلك؟ من خلال تطوير استراتيجية وطنية لمراكز البيانات تتمحور حول التوسع في البنية التحتية الرقمية ومرافق الطاقة، مع التركيز على ترتيبات إمدادات الكهرباء طويلة الأجل والطاقة المتجددة كجزء من خطط الحكومة، التي تستهدف الوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى 45% من إجمالي توليد الكهرباء بحلول عام 2028، إلى جانب التوسع في أنظمة تخزين طاقة البطاريات للمساعدة في استقرار الشبكة، مع نمو قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. كما تعمل الدولة في إطار مشروع مشترك مع هواوي مصر يتضمن خططا لإنشاء محطات مستقلة لتخزين طاقة البطاريات بقدرة إجمالية تبلغ 4 آلاف ميجاوات في الساعة.
أهمية ذلك؟ تحتاج مراكز البيانات من هذا النوع إلى طاقة موثوقة ومستقرة على مدار الساعة، ولأن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح قد تكون أقل استقرارا، يمكن أن يساعد التخزين في سد هذه الفجوة، ما يسمح بتخزين الكهرباء المتجددة الزائدة وتوزيعها عند ارتفاع الطلب، بيد أن الكهرباء النظيفة وحدها لا تحل مشكلة التبريد.
تعد المياه بالنسبة إلينا التحدي الأكبر: تواجه مصر عجزا مائيا سنويا يبلغ نحو 7 مليارات متر مكعب، وفقا لبيانات اليونيسف، وهذا ما يمثل الاختلاف الأهم مقارنة بالدول التي تتمتع بموارد مياه عذبة أكثر وفرة، ما يضع العبء الأكبر والأكثر إلحاحا على تكنولوجيا التبريد. يمكن للتبريد السائل — بما في ذلك أنظمة التبريد المباشر للرقائق — نقل الحرارة بكفاءة أكبر من الهواء، وهي التقنية التي تزداد الحاجة إليها لمقاومة أعباء عمل الذكاء الاصطناعي عالية الكثافة. يقدم التبريد السائل أيضا أداء أعلى بـ 20 إلى 30 مرة مقارنة بالأنظمة القائمة على الهواء، وقد دعا خبراء الصناعة المصريون إلى التخطيط لمواقع مراكز البيانات جنبا إلى جنب مع البنية التحتية المخصصة للطاقة والمياه.
توسع مسؤول
ينبغي أن يشمل الحديث عن تبني الذكاء الاصطناعي النظرة الأكبر التي تشمل التعامل مع تحديات المياه والطاقة والأراضي، ويعني ذلك أن عناصر مثل موقع إنشاء مراكز البيانات وطبيعة تصميمها ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، إذ تساهم آليات مثل التبريد ذي الحلقة المغلقة واستخدام المياه المعاد تدويرها أو غير الصالحة للشرب في تخفيف الضغط على الإمدادات المحلية.
ينطبق المنطق ذاته على قطاع الطاقة، إذ يمكن دمج محطات التوليد المتجددة مع أنظمة التخزين والبنية التحتية الأقوى للشبكة، في حين قد يساعد توجيه مهام الحوسبة نحو المرافق أو المناطق التي تفيض بالطاقة المتجددة، تخفيفا لضغوط أوقات ذروة الاستهلاك. ينعكس هذا النهج المتكامل على الطريقة التي تقيس بها الصناعة بصمتها البيئية، إذ تدعو جامعة الأمم المتحدة إلى ضرورة قياس البصمات الكربونية والمائية والأرضية للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي مجتمعة، في حين أطلقت الأمم المتحدة مبادرة تدعو كبرى شركات الذكاء الاصطناعي للإفصاح عن الآثار البيئية لأنظمتها.