🕯️ "محدش هيعرف يعملها غيري".. هكذا تصور الأصوات الداخلية لكثير منا أن طلب المساعدة وتفويض المهام في العمل (أو الحياة بشكل عام) يعني ضمنيا التخلي عن زمام الأمور والمخاطرة بأن تكون النتائج مخيبة للآمال. يفتقر نحو 81% من المديرين إلى مهارات التفويض القوية مقابل 19% فقط، حسبما أشارت دراسة أجرتها منظمة "دي دي أي" للاستشارات المهنية عام 2025 شملت أكثر من 10 آلاف قائد حول العالم.
حسنا.. وما المشكلة في ذلك؟ يرتبط التمتع بمهارة تفويض المهام عكسيا بالإحتراق الوظيفي، إذ رأى 80% من القادة أن التفويض هو المهارة الأهم للحد من أمارات الاحتراق الوظيفي وتخفيف الضغوط والتوتر لدى فرق العمل، بحسب ما جاء في الدراسة. لا يتعلق الحديث عن ضرورة التخلي عن زمام الأمور قليلا والتفويض لأعضاء فريقك فقط بسير العمل، بل يؤثر بشكل مباشر على شعورك كقائد بالإنهاك والاستنزاف طوال الوقت.
من ناحية أخرى، يرتبط غياب مهارة التفويض عادة بالإدارة المبالغ فيها وتدخل المديرين في أدق التفاصيل، إذ ربط عدد من الموظفين المعاناة من الإدارة التفصيلية (المايكرومانجمنت) وعدم قدرة مدرائهم على تفويض المهام. تمتع الموظف باستقلالية حقيقية في تخطيط وتنفيذ وتحديد أولويات عمله، تزيد من شعوره بمستويات أعلى من الرضا مقارنة بأقرانه الذين يتمتعون باستقلالية أقل في أعمالهم، كما أنها تزيد من الشعور بالانتماء للمكان وما يقومون به من مهام، بحسب دراسة نشرت في مجلة علم النفس التطبيقي.
يمتد التأثير البعيد لغياب التفويض إلى جينات المؤسسة في حد ذاتها، إذ تهدر الموارد عندما ينشغل قادة يتقاضون رواتب باهظة بأداء مهام تنفيذية بسيطة صممت ليتولاها آخرون في الفريق، ما يأتي على حساب التركيز على المسؤوليات القيادية الأساسية مثل التخطيط وإدارة الأفراد وبناء العلاقات وتطوير المسار المهني، حسبما أكدت الباحثة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إليزبيث جونسون.
لماذا نخشى التفويض؟
حواجز نفسية: قد تكون الأسباب التي تمنع القادة من التفويض الفعال نفسية في المقام الأول، مثل انعدام ثقة القائد في أعضاء فريقه أو قدراتهم والخوف من فقدان السيطرة وربطها بالشعور بالأمان، فضلا عن الرغبة في الشعور دائما بدفعة الدوبامين الناتجة عن الإنجاز، حسبما نقل موقع ميديام عن دراسة لمجلة ذا ليدرشيب كوارترلي. إلى جانب ذلك قد يقع المرء في فخ وهم الكفاءة الحصرية، فيشعر أن جودة العمل ستتأثر حتما إذا لم ينفذه بنفسه، في تجاهل لحقيقة أن دور القائد يدور حول بناء فريق قادر على الإنجاز به أو بدونه، وليس تنفيذ المهام نيابة عنهم.
لا تقتصر الحواجز النفسية التي تمنع القادة من تفويض المهام على مكان دون غيره، لكنها تزداد تعقيدا في منطقتنا بسبب عامل إضافي يتمثل في بيئة العمل الهرمية، فوفقا لمؤشر هوفستيد لتفاوت السلطة — الذي يقيس مدى تقبل المجتمع لتركز السلطة في القمة — سجلت السعودية والإمارات ومصر 95 و90 و70 نقطة على الترتيب. تعكس هذه الدرجات المرتفعة هياكل مؤسسية تقدس التسلسل الوظيفي، مقارنة بدرجات أقل بكثير في معظم الدول الغربية، وهنا لا يقاوم القائد الذي يخشى التخلي عن سيطرته صوته الداخلي فحسب، بل يواجه أيضا ثقافة عمل تتوقع منه بطبيعتها أن تتركز في يده جميع السلطات وعدم التخلي عن السيطرة.
يؤثر تفاوت السلطة الكبير بشدة في نظرة المديرين لتفويض السلطة إلى المستويات الأدنى في دول مثل مصر والسعودية والكويت، حسبما خلصت دراسة لمجلة آسيا والمحيط الهادئ للإدارة. يوصف نمط الإدارة السائد في العديد من المؤسسات المصرية بـ "السلطة الاستشارية"، وفيها يدعو المديرون الموظفين لمشاركة أفكارهم، بيد أن القرار النهائي وعواقبه يظلان بيد الإدارة العليا، وفي الوقت الذي يندر فيه تفويض القرارات الكبرى وبالتحديد في المؤسسات التقليدية.
المثير للغرابة هو أن تلك البيئة تحديدا هي ما تزيد من قيمة التفويض، فعندما تصبح الاستقلالية عملة نادرة بالفعل، يتحول القائد الذي يمنحها لفريقه إلى استثناء، وهو ما يترجمه الموظفون فورا بزيادة في مستويات رضاهم وولائهم. ومن ثم، يتحول التعطش للسيطرة إلى عبء مزدوج على كل من القادة والمؤسسة.
قد يخشى البعض كذلك فقدان البريق والقيمة الوظيفية، إذ يربط بعض القادة قيمتهم في المؤسسة بحجم المهام التشغيلية التي يحتكرونها، خشية أن تعتبرهم الإدارة العليا غير ضروريين إذا استمرت العمليات بسلاسة دونهم. في الواقع، ينظر إلى القائد الذي يبني منظومة عمل متكاملة لا تتوقف مخرجاتها عليه هو فحسب، باعتباره أصلا ثمينا من أصول الشركة، إذ يوظف وقته وجهده في مهام أعقد.
قد يكون الوقت أيضا عاملا حاسما، فقد يعتقد البعض أن شرح المهمة للموظف سيستغرق وقتا أطول من تنفيذها مباشرة ببساطة. ورغم أن ذلك قد يكون صحيحا على المدى القصير، إلا أنه يمثل قصورا يمتد تأثيره إلى المستقبل، فاستثمار ساعة أو أيام في تعليم وتدريب موظف على الإتيان بمهمة معينة تتكرر أسبوعيا سيوفر مئات الساعات سنويا.
ما الحل؟
لأن التحول من مدير منفذ إلى قائد مفوض يعد مهارة يمكن اكتسابها، إليكم بعض الخطوات العملية والمدروسة لبناء هذه المهارة وتطبيقها باحترافية:
1#- تحديد المهام: لا يمكن تفويض كافة المهام، فهناك مسؤوليات تقع حصريا على عاتق القائد، مثل التقييمات النهائية للأداء والقرارات الاستراتيجية الحساسة وحل النزاعات المعقدة، وبالتالي يجب البدء بإجراء تدقيق للمهام عبر تدوين كافة الأنشطة خلال أسبوع، ثم تصنيفها لتحديد المهام العاجلة والمهمة.
على القائد أن يسأل نفسه "ما هي المهام المتكررة التي تستهلك وقتا ولا تتطلب مهارة فريدة لدي بالتحديد؟"، أو ما هي نوعية الأعمال التي يبرع فيها أحد أعضاء الفريق أكثر من القائد نفسه. ستشكل الإجابات الناتجة عن تلك التساؤلات خريطة إلى المهام التي يمكن تفويضها بسلاسة.
2#- الشخص المناسب للمهمة المناسبة: يكمن الخطأ الشائع في تفويض المهام للموظف الأقل انشغالا وليس الأكثر كفاءة، إذ يرتبط التفويض فعليا بمهارة الموظف وقدرته على إنجاز المهمة. يعد الموظف ذو المهارة العالية والرغبة في التعلم الأنسب للتفويض الشامل مع منحه قدرا عاليا من الاستقلالية. أما الموظف الذي يمتلك الرغبة في التعلم ولكنه يحتاج إلى صقل مهاراته، فقد تساعده مهام أخرى مفوضة على اكتسابها وتطويرها، مع الاهتمام بمنحه التوجيه والإرشاد اللازم في البداية.
3#- حدد الوجهة.. لا الطريق: ينبغي أن يحدد القائد النتائج المطلوبة من الموظف مع منحه استقلالية التنفيذ على طريقته كلما أمكن ذلك. لا ينصح بأن يملي القائد على الموظف المفوض ما يفعله خطوة خطوة فيحوله إلى مجرد أداة لتنفيذ الأوامر، بل ينبغي أن تترك له المساحة لتولي المسؤولية والتفكير بشكل إبداعي طالما أمكن ذلك.
ينصح أن يضع القائد أهداف واضحة ودقيقة ينتظرها بعد انتهاء المهمة، مع توضيح معايير الجودة المقبولة والمواعيد النهائية غير القابلة للتفاوض، وشرح الهدف والمنطق من وراء هذا التاسك أو غيره، فالمرء عندما يفهم منطق الأمور يصبح أقدر على تنفيذها باقتناع لا بآلية.
4#- حذاري من التفويض المنقوص، الذي يحدث عندما يحمل القائد أحد أعضاء فريقه مسؤولية مشروع أو مهمة ما، دون منحه المعلومات الكافية والصلاحيات والميزانية اللازمة لاتخاذ القرارات. فكما يلعب الدعم المعنوي للموظف دورا في تشجيعه على التطور والنجاح في ما يوكل إليه، ينبغي ألا يغفل القائد شق الدعم المادي الذي يسهل من مهمته.
5#- تابع دون مبالغة: من الأهمية بمكان أن يحدد القائد نظام معين للمتابعة المستمرة دون تدخل مبالغ فيه، عبر الاتفاق مسبقا على طريقة يقدم بها الموظف أبرز نقاط التقدم المحرز في المهمة إن كانت ضخمة. مثلا، إن فوضت موظفك للقيام بمشروع معين على مدار شهر، فقد تحتاج إلى الاتفاق معه على عقد اجتماع مرة أسبوعيا للوقوف على آخر التطورات وتقديم الدعم في حال احتاج إليه.
6#- التكنولوجيا في خدمتك: يمكن الاعتماد على أدوات رقمية مثل أسانا ونوشن لمتابعة التقدم المحرز في المهام المفوضة إلى كل أعضاء فرق العمل، دون الحاجة إلى عقد اجتماع أو مكالمات أو تبادل رسائل بريد إلكتروني بمجرد النظر إلى حالة المشروع.
💡 إن كنتم ترغبون في اكتشاف أدوات تكنولوجية تساعدكم ليس فقط في التفويض ولكن في مهام أخرى، اطلعوا على هذا العدد السابق من دليل إنتربرايز.
التعود بالممارسة
في نهاية الأمر، لا يمكن لأحد أن يتعلم مهارة معينة من المحاولة الأولى، ومهارات التفاوض ليست استثناء. قد تتسلم أول مهمة تفوضها غير مكتملة أو متأخرة عن موعدها، وهو ما قد يغريك بالعودة إلى عاداتك القديمة ومحاولة إحكام قبضتك على كل شيء من جديد، كل ما عليك فعله هو التحلي بالصبر والإيمان بأن بناء فريق من الموظفين الذين يعتمد عليهم هي عملية طويلة لا تحدث بين ليلة وضحاها، نعم قد تكون محظوظ للغاية بوجود موظف أو اثنين فوق التوقعات، ولكن تذكر، هذا ليس الحال.
ابدأ بتفويض مهمة واحدة بسيطة لا تنطوي على الكثير من المخاطر، راقب الأداء وصحح الأخطاء، قبل الانتقال إلى تفويض مهام أكبر، وتأكد أن القائد الذي يتقن هذه المهارة سيقود فريقا ناجحا قد نجح في بنائه بنفسه.. وتلك هي المهمة الوحيدة التي لا يمكن تفويضها لأحد غيرك.