Posted inأسواق المال

البورصة تواصل تغريم الشركات المتأخرة في تقديم القوائم المالية

فرضت لجنة القيد بالبورصة المصرية الأسبوع الماضي غرامات بإجمالي 1.04 مليون جنيه على نحو 50 شركة بسبب عدم تقديم قوائمها المالية. وتعد هذه الغرامات أحدث قرار ضمن سلسلة من العقوبات فرضتها اللجنة مرارا خلال الصيف على الشركات نفسها، دون أن تقدم أي منها قوائمها المالية، وفقا لليوم السابع. ووقعت لجنة القيد التزاما ماليا قدره 40 ألف جنيه على كل من أوراسكوم للاستثمار القابضة والقلعة للاستثمارات المالية لتخلفهما عن تقديم قوائم الربعين الأول والثاني من عام 2026، إلى جانب سبيد ميديكال، والمطورون العرب القابضة، وأسكوم، والأهلي للتنمية والاستثمار.

وتأخرت أوراسكوم للاستثمار أيضا في تقديم قوائمها المالية السنوية، إذ لم يصدق مساهموها على قوائمها للعام المالي 2025 إلا في 17 أغسطس، أي بعد نحو أربعة أشهر ونصف من الموعد النهائي المحدد في 31 مارس، وفقا لإفصاح مقدم للبورصة (بي دي إف). وحدد الاجتماع ذاته أتعاب شركة "كي بي إم جي" عن مراجعة الحسابات لعام 2026 بنحو 2.1 مليون جنيه، في حين لا تبلغ غرامة التخلف عن تقديم قوائم ربعين متتاليين سوى 40 ألف جنيه فقط، أي أقل من 2% مما تدفعه الشركة لإعداد هذه الأرقام في المقام الأول.

تلزم قواعد قيد وشطب الأوراق المالية (بي دي إف) الشركات بتقديم قوائمها المالية المستقلة والمجمعة إلى البورصة المصرية والهيئة العامة للرقابة المالية خلال 45 يوما من نهاية كل ربع سنة، مرفقا بها تقرير الفحص المحدود من مراقب الحسابات. أما القوائم المالية السنوية فيجب أن تعتمدها الجمعية العامة العادية خلال ثلاثة أشهر من نهاية العام المالي.

وفي حال التخلف عن أي منهما، تمنح المادة 64 من الإجراءات التنفيذية للجنة القيد عدة خيارات، تتمثل إما في منح الشركة مهلة إضافية بحد أقصى 45 يوما، أو فرض التزام مالي، أو نقل تداول أوراقها المالية إلى قائمة تداول مختلفة، أو إيقاف التداول على الأوراق المالية إذا لم تستجب الشركة خلال المهلة المحددة. وفي جميع الأحوال، يتعين على الشركات المتأخرة إبلاغ السوق بمبررات التأخير والموعد المتوقع لتقديم القوائم المالية. لكن اللجنة لجأت طوال الصيف إلى الخيار نفسه تقريبا، بفرض غرامات تتراوح بين 5 آلاف و40 ألف جنيه بموجب عقد القيد الذي توقعه كل شركة عند انضمامها إلى البورصة.

غير أن الغرامة ليست الدافع الرئيسي لالتزام الشركات بالمواعيد. يقول كامل صالح، الشريك الإداري والرئيس التنفيذي لمؤسسة صالح وبرسوم وعبد العزيز - جرانت ثورنتون، في تعليق لنشرة إنتربرايز، إن "غرامة التأخير في تقديم القوائم ليست في حد ذاتها عبئا ماديا على الشركات الكبرى". ويرى صالح أن الداعي الحقيقي وراء الانضباط ينبع من الاعتبارات المتعلقة بالسمعة، أو رد فعل السوق تجاه الشركات التي تتكتم على بياناتها، وليس مما تفرضه البورصة عليها من رسوم. ويضيف أن "عدم الالتزام بموعد نهائي معلن أو متوقع، وما يترتب عليه من حالة عدم يقين بشأن النتائج المالية للشركة" قد تكون له تداعيات على السوق تفوق قيمة الغرامة بكثير.

ما الذي يدفع الشركات للالتزام إذن؟ يُرجع صالح الالتزام بتقديم القوائم في الموعد المحدد إلى عملية الإدراج نفسها؛ لأن الجولات الترويجية والفحص النافي للجهالة الذي تجريه البنوك وتدقيق المستثمرين كلها عوامل تدفع الشركة عادة لبناء نظم إعداد تقارير مصممة للالتزام بالمواعيد النهائية، بدلا من التحرك في اللحظات الأخيرة. ويوضح صالح أنه "على عكس التوقعات، كلما اتسع نطاق أعمال الشركة، زادت احتمالية امتلاكها أنظمة رقابة داخلية وأدوات للرقابة على التقارير المالية للالتزام بالمواعيد النهائية". وعادة ما تتخلف الشركات الأقل جاهزية، أو التي لا تمتلك أنظمة قوية لإعداد التقارير والرقابة.

ويقول سامح غريب، خبير أسواق المال بشركة تايكون لتداول الأوراق المالية، إن الشركات القيادية وذات رأس المال الكبير تلتزم في الغالب بتقديم قوائمها المالية في الموعد المحدد، بينما تظهر حالات التأخير بدرجة أكبر بين الشركات ذات رأس المال الصغير والمتوسط، وغالبا ما يصاحب ذلك نزاعات في مجلس الإدارة أو قضايا معلقة مرتبطة بمسؤوليات المديرين. ويوضح غريب أن الشركة الكبيرة عندما تتأخر لربع أو ربعين، فغالبا ما يُعزى ذلك إلى ظروف استثنائية، وتكون في معظم الأحيان بسبب ملاحظات طرحها مراقب الحسابات الخارجي، ما يدفع الشركة لمراجعة ميزانيتها العمومية قبل تقديم القوائم.

أما عند الحد الأدنى من الغرامة، فإن تأثيرها يكاد يكون محدودا. ففي إحدى جلسات شهر يونيو، غرمت لجنة القيد 18 شركة 5 آلاف جنيه لكل منها لتخلفها عن تقديم قوائمها المالية المستقلة للربع الأول من عام 2026. وتضمنت القائمة شركات صناعية مرتبطة بالدولة، منها شركة الشرقية العملاقة في مجال التبغ، ومصر للألومنيوم، وجنوب الوادي للأسمنت، والحفر الوطنية، والأهرام للطباعة والتغليف. ومنحت اللجنة كل شركة مهلة إضافية مدتها 15 يوما في الإخطار ذاته.

الغرامات تتوالى والشركات لا تستجيب

تعرضت شركة ديجيتايز للاستثمار والتقنية لغرامات أربع مرات منذ أوائل يوليو، وتستمر قائمة القوائم المالية المتأخرة عليها في التزايد. بدأت الغرامات بـ 10 آلاف جنيه، ثم 20 ألف جنيه لعدم عقد جمعيتها العامة، ثم 40 ألف جنيه مرتين (هنا وهنا) لتأخرها في تقديم القوائم نفسها، ليصل إجمالي الغرامات إلى نحو 110 آلاف جنيه خلال ستة أسابيع. وشملت أول غرامة بقيمة 40 ألف جنيه القوائم المالية المدققة للعام المالي 2025 والربع الأول من 2026. وبعد أسبوعين، أُضيف الربع الثاني من 2026، فغرمت اللجنة الشركة ومنحتها مهلة أخرى مدتها 15 يوما في الوقت ذاته. وكان من المفترض تقديم قوائم العام المالي 2025 لاعتمادها في جمعية عامة بحلول 31 مارس.

السهم يواصل الصمود رغم الغرامات: جرى تداول أسهم ديجيتايز في كل جلسة منذ ذلك الحين، وفقا لبيانات السوق، بمتوسط يبلغ نحو 1.5 مليون سهم يوميا، في حين لا تزال السوق تنتظر الأرقام المدققة للعام الماضي. وصدر أحدث قرار بالغرامة أمس، ليتراجع السهم بنسبة 0.77% خلال اليوم ويغلق عند 2.58 جنيه.

ولا يتعلق الأمر بوقوع ديجيتايز في ثغرة تنظيمية؛ فالعقوبة المنصوص عليها في المادة 64 للشركة التي تتجاوز المهلة الممنوحة لها هي إعادة عرضها على اللجنة، التي تغرمها بدورها وتمنحها مهلة جديدة، دون وجود خطوة تلقائية بعد ذلك. وتتيح القواعد نقل السهم إلى قائمة تداول مختلفة، أو تعليق التداول بالكامل، لكن هذه القرارات تظل خاضعة لتقدير اللجنة، ولم يتجاوز أي من هذه القرارات حد فرض الغرامة.

تذكر: انتقلت شركة ديجيتايز، التي تقدم مجموعة من حلول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات الهندسية، من سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى السوق الرئيسية في البورصة المصرية في عام 2024، بعدما زاد رأسمالها بنحو 8 أمثال منذ إدراجها في أكتوبر 2023، وفقا لما قاله رئيس الشركة يسري عتلم في ذلك الوقت. وتروج البورصة لسوق الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها حاضنة للأعمال، حيث تُدرج الشركات لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات قبل الإدراج في السوق الرئيسية. وعند الانتقال للسوق الرئيسية تصبح الشركة ملزمة بمتطلبات التقارير المعمول بها فيها.

من يدفع ثمن التأخير؟

قال غريب: "غرامة الأربعين ألف جنيه شيء لا يذكر". إذ تكمن المشكلة الأكبر فيمن يتحملها، فالغرامة تُفرض على الشركة، لا على رئيس مجلس الإدارة أو الرئيس التنفيذي الذي تأخر عن الموعد النهائي، ما يعني أن التكلفة تُخصم من عوائد المساهمين. وحتى لو رُفعت الغرامة إلى مليون جنيه فلن يغير ذلك من الأمر شيئا. ويشير غريب إلى وجود مطالبات منذ سنوات بنقل المسؤولية إلى الأفراد، لكن ذلك يتطلب تعديلا تشريعيا غير موجود حاليا. وفي الوضع الحالي، لا تكون الغرامة الكبيرة مؤثرة إلا في حالة امتلاك المسؤولين التنفيذيين لحصص ضخمة في الشركة التي يديرونها.

وستكون المسؤولية الشخصية رادعا قويا حيثما تشتد الحاجة إليها، وتحديدا عندما تمتنع الشركات عن تقديم قوائمها المالية المعتمدة، ليس لربع أو ربعين، بل لسنوات متصلة. ويوضح غريب أنه عندما يكون التأخير خارجا عن إرادة الإدارة حقا، فلا داعي لأن يخشى أي مسؤول تنفيذي من المساءلة. أما عندما تختار الشركة حجب أرقامها عمدا، فإن الشخص الذي اتخذ هذا القرار هو من يجب أن يتحمل التكلفة.

ماذا بعد: يحل موعد تقديم القوائم المالية للربع الثالث في منتصف نوفمبر، وفقا للمهلة البالغة 45 يوما. وتملك اللجنة أدوات أخرى بخلاف الغرامات، إذ تتيح لها المادة 64 نقل السهم إلى قائمة تداول مختلفة أو إيقاف التداول تماما، كما أشرنا سابقا، إذا لم تستجب الشركة خلال المهلة المحددة.