Posted inبعد الخامسة

اقتصاد المشاهدة: كيف تصنع كرة القدم موسما ذهبيا خارج الملعب؟

🥅 قد تبدو مشاهدة مباراة كرة قدم حدثا بسيطا في ظاهره: شاشة ومجموعة من المشجعين وبعض المشروبات والوجبات. لكن خلف هذه الصورة البسيطة يتحرك اقتصاد كامل يبدأ مع صافرة البداية، إذ تخلق المباراة التي تجذب ملايين المشاهدين إلى الشاشات طلبا إضافيا على مقاعد المقاهي والاشتراكات في منصات البث وطلبات التوصيل وخدمات النقل وحصص الإعلانات وحتى المنتجات المرتبطة بالفرق والبطولات.

عالميا، لم يعد هذا الاقتصاد ظاهرة هامشية، إذ نما سوق كرة القدم الاحترافية الأوروبية بنسبة 8% في موسم 2023/24 ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 38 مليار يورو، ساهمت فيه الدوريات الخمس الكبرى بأكثر من 20 مليار يورو 54% لأول مرة في التاريخ، وفقا للتقرير السنوي لشركة ديلويت حول الشؤون المالية لكرة القدم. كما تقدر قيمة سوق الرياضة العالمي بنحو 417 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بنمو سنوي يقارب 8% حتى تتجاوز القيمة 600 مليار دولار بحلول 2030، وفقا لدراسات شركة كيرني.

وفي مصر تحديدا، تتحول كل مباراة إلى فرصة تجارية، فمباريات الأهلي والزمالك ومواجهات الدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا ومباريات المنتخب وكأس الأمم الأفريقية، كلها قادرة على إعادة تشكيل سلوك المستهلك لبضع ساعات: شخص يقرر الخروج بدلا من المشاهدة المنزلية ومجموعة تحجز طاولة مسبقا وعائلة تطلب وجبة جماعية، ومشجع يشترك في منصة بث لمتابعة بطولة كاملة. وبذلك لا تصبح المباراة مجرد حدث رياضي، بل محركا مؤقتا لسلسلة من القرارات والإنفاق تساهم في مباراة أخرى خارج الملعب، بين قطاعات تتنافس على جمهور الكرة.

الأرباح الذكية للمستطيل الأخضر

يساهم القطاع الرياضي حاليا بنسبة 1.34% من الناتج المحلي الإجمالي في مصر، وسط خطط حكومية رسمية تهدف إلى مضاعفة هذه المساهمة لتصل إلى 3% بحلول عام 2032، بحسب تقرير صادر عن غرفة التجارة الأمريكية في مصر. وتتقاطع هذه الرؤية مع شغف جماهيري تترجمه الشاشات الرقمية، إذ وثقت البيانات الرسمية لشبكة بي إن سبورتس أرقاما قياسية للمباريات الحاسمة للمنتخب المصري، متجاوزة حاجز الـ 190 مليون مشاهدة حية في المنطقة لمباراة واحدة مثل مباراة مصر وإيران.

يتحول هذا الحضور الجماهيري إلى فرصة تسويقية مباشرة عبر الهواتف الذكية، إذ تصبح تطبيقات توصيل الطعام في مصر خلال الـ90 دقيقة للمباريات ساحة للتسويق اللحظي. ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على بطولة بعينها، بل تشمل مختلف المنافسات الكروية الكبرى على مدار العام، فمع كل جولة في الدوري الإنجليزي الممتاز أو سهرة حاسمة في دوري أبطال أوروبا أو مباراة في كأس الأمم الأفريقية، تستغل تطبيقات مثل طلبات هذا التوقيت لإطلاق "عروض الماتش" والوجبات الجماعية بخصومات تصل إلى 50%.

تستهدف هذه العروض العائلات والأصدقاء الذين يفضلون مواصلة المشاهدة دون انقطاع، لتتحول المباراة إلى فرصة لزيادة الطلبات بدلا من مجرد وقت للترفيه. وينعكس ذلك على أداء الشركة، إذ قفزت إيرادات طلبات في مصر بنسبة 71% على أساس سنوي متجاوزة 300 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، وفقا لتقرير النتائج المالية لشركة طلبات للربع الثاني من عام 2026. وبالتوازي مع ذلك، توسع طلبات شراكاتها الرقمية، بما في ذلك تقديم اشتراكات مدمجة تتيح للعملاء الوصول إلى بث المباريات والبطولات المحلية والعالمية عبر منصة تود، بما يعزز حضورها داخل منظومة مشاهدة كرة القدم نفسها.

المساحة الاجتماعية البديلة

تتحول المقاهي والمطاعم المصرية خلال المباريات الكبرى إلى ما يشبه مدرجات مصغرة، ليس فقط كمنافذ لمشاهدة المباريات وإنما كمساحات اجتماعية يجتمع فيها الأصدقاء والعائلات ومشجعو الفرق المختلفة لمشاركة تجربة المشاهدة نفسها. وفي هذا السياق، تصبح "القهوة" جزءا من طقس المباراة خصوصا لمن لا يملكون مساحة مناسبة للمشاهدة في المنزل أو يفضلون أجواء المشاهدة الجماعية.

في مساء يوم عادي، تسير أعمال المقاهي بوتيرة أكثر هدوءا، فقد يشغل العميل مقعدا لساعات مقابل كوب من القهوة، بينما تظل الإيرادات اليومية موجهة بالأساس لتغطية المصروفات التشغيلية. لكن مع المباريات الكبرى، يتغير نموذج التشغيل بالكامل، إذ ترتفع كثافة الإقبال وتتسارع دورة الطلبات وتصبح كل طاولة ومساحة متاحة مصدرا لإيراد إضافي، حسبما أكد مالك مقهى بمنطقة وسط البلد لإنتربرايز. موضحا أن مواجهات الأهلي والزمالك أو مباريات دوري أبطال أوروبا يمكن أن تزيد أرباحهم بنسبة 200% إلى 300% مقارنة بمتوسط أرباح الأسبوع، ويختصر المعادلة قائلا: "المباريات الكبرى تمثل الموسم الذي يعوض فترات الركود ويدعم أعمال المقهى على مدار العام".

تستفيد المقاهي من ارتفاع الطلب على المشروبات والمأكولات الخفيفة، إلى جانب تطبيق الحد الأدنى للطلب على المقاعد لضمان تحقيق أكبر عائد ممكن من المساحة المحدودة. وفي مباريات كأس العالم وكأس الأمم الأفريقية التي يشارك فيها منتخب مصر، يمكن للمقهى تحقيق إيرادات تعادل ما يحققه خلال أسبوع كامل في غضون ساعات قليلة من المباراة، بحسب مالك المقهى.

تفرض هذه الطفرة في الطلب تغييرات أخرى على طريقة إدارة المنشآت، إذ تلجأ بعض المقاهي إلى تقليص قوائم الطعام والاعتماد على أصناف سريعة التحضير، فيما يتيح الحجز المسبق والمدفوع مسبقا لتأمين الطاولات وضمان إيرادات قبل بداية المباراة. ومع ذلك، يأتي ارتفاع الإيرادات مصحوبا بتكاليف ومخاطر إضافية، إذ قد تؤدي المباريات الحماسية إلى تلف بعض الممتلكات وحدوث خسائر مادية وتشغيلية، فضلا عن تكلفة الاشتراكات الرياضية المخصصة للمنشآت التجارية والتي قد تصبح عبئا إذا غادر الفريق صاحب الجماهيرية الأكبر البطولة مبكرا. كما قد تخسر المقاهي شريحة من عملائها المعتادين الذين يفضلون الأجواء الهادئة، وفقا لمالك المقهى.

ولهذا، لا تتعلق اقتصادات المباريات بالنسبة لأصحاب المقاهي بزيادة الأسعار والإيرادات فقط، بل بقدرتهم على إدارة الحشود والمساحة والمخاطر في الساعات القليلة التي تسبق صافرة النهاية.

استثمار شغف الجماهير

أصبحت المجمعات التجارية شريكا تجاريا أساسيا عبر تصميم مناطق مشجعين مفتوحة مزودة بشاشات عرض عملاقة. وتعتمد هذه الاستراتيجية على توقيت ذكي لتركيب الشاشات في الفناءات المفتوحة بالتعاون مع الرعاة من شركات الاتصالات والمشروبات الغازية وبنوك الاستثمار.

يتجاوز الهدف الإستراتيجي هنا مجرد توفير منصة للترفيه والمشاهدة، بل يركز بالأساس على حشد آلاف الزوار وزيادة حركة الأقدام داخل المول، إذ يسهم النموذج القائم على الترفيه التجريبي الجماعي في إطالة متوسط زمن بقاء العميل داخل المجمع التجاري بنسب تتخطى معدلات الأيام العادية، مما يدفع المشجعين للتوزع تلقائيا بين شوطي المباراة أو عقب انتهائها على مجمعات المطاعم.

كما يستغل قطاع التجزئة والمستلزمات الرياضية في مصر—والذي يبلغ حجمه نحو 1.2 مليار دولار—، الحالة العاطفية المرتفعة للجماهير لإطلاق عروض وتخفيضات متزامنة لحظيا مع الحدث، لزيادة مبيعات قمصان الفرق والمنتخبات. وتقتنص الشركات الراعية لمناطق المشجعين هذه الكثافة البشرية عبر تقديم عروض تفاعلية تحث على المشاركة في مسابقات التوقع اللحظي عبر التطبيقات الذكية، مقابل الحصول على قسائم شراء أو هدايا عينية لا يمكن تسييلها أو استخدامها إلا داخل المتاجر والمطاعم المجاورة بالمول نفسه، بما يحول الحماس الرياضي مباشرة إلى حركة مبيعات حقيقية داخل منافذ التجزئة.

ومع انتقال المنافسة إلى ما وراء المستطيل الأخضر، لا يصبح السؤال التقليدي مع كل مواجهة كروية من سيفوز بالمباراة، بل يصبح السؤال الاقتصادي الأكثر إلحاحا، من سيربح من مشاهدتها خلف الشاشات؟