🚕 في عام 2006، أسست ريم فوزي (لينكد إن) شركة تاكسي العاصمة كأول شركة تاكسي منظمة في القاهرة، بأسطول من السيارات الصفراء يحمل علامة تجارية واحدة. ورغم أنها باعت حصتها بعد عام واحد ثم خرجت الشركة لاحقا من السوق، ظل الدرس الأهم حاضرا في ذهنها. "قد ينسى العميل طراز السيارة التي استقلها، لكنه سيتذكر بالتأكيد إذا تأخر السائق أو إذا شعر بعدم الأمان ولم يستجب أحد له عندما واجه مشكلة ما"، حسبما صرحت فوزي لإنتربرايز.
بعد قرابة 10 أعوام، تحول هذا الدرس إلى حجر أساس شركة بينك تاكسي، التي تأسست على منهجية تمنح الأولوية لسلامة المرأة في وسائل النقل، والتي لا يجب أن تكون مجرد ميزة إضافية في تطبيق لطلب السيارات، إنما أساس لنموذج الأعمال نفسه.
اليوم، تقدم بينك تاكسي خدمة نقل مخصصة للنساء فقط، تربط العميلات بسائقات من الإناث وتتوسع حاليا في عقود النقل الدوري للمدارس والعائلات والرحلات المؤسسية للموظفات، إذ تنقل الشركة أكثر من 5 آلاف طالب شهريا بنسبة التزام بالمواعيد تصل إلى 99%، فيما تستمر السائقات في العمل مع الشركة بمتوسط يزيد على ثلاث سنوات، كما تقدم دروس لتعليم القيادة للسيدات. ويضم موقع الشركة حاليا أكثر من 120 ألف عميلة وأكثر من 2500 سائقة، بمتوسط تقييم يبلغ 4.9.
لم تنطلق الشركة من فكرة تقنية، بل بدأت من خبرة وتجربة فوزي الطويلة في قطاعي النقل والسياحة، بدءا من تاكسي العاصمة ثم شركتها لخدمات السياحة والنقل ريمو تورز، كما أدركت أن المشكلة التي تواجهها النساء لا تقتصر على تجربة سيئة، إنما منظومة نقل كاملة لم تأسس لمراعاة احتياجاتهن.
بناء منظومة تقوم على الثقة
"لم تولد بينك تاكسي من حادثة درامية واحدة، إنما جاءت نتيجة نمط متكرر، لأن النساء تحتاج إلى وسائل نقل موثوقة للعمل والجامعة والمدرسة وحياتهن اليومية، إذ تجعل المخاوف المتعلقة بالسلامة والراحة استخدام وسائل النقل التقليدية أكثر صعوبة. كما لاحظت وجود نساء يمتلكن القدرة على القيادة والعمل لكن فرص دخولهن إلى قطاع النقل كانت محدودة. ومن هنا جاء الحل لمعالجة الجانبين معا: نساء يقدن النساء"، حسبما أكدت فوزي.
تخضع السائقات لفحص الوثائق ودورات تدريبية قبل بدء العمل، كما تعتمد المنصة على التحقق من الهوية والفحص الأمني ومشاركة تفاصيل الرحلة مباشرة وتوفير الدعم على مدار الساعة. وبينما أضافت شركات مثل أوبر وكريم ودي دي ميزات للسلامة مخصصة للنساء، لا ترى فوزي في ذلك ضغطا تنافسيا بقدر ما تعتبره تأكيدا على صحة رؤيتها. وأكدت أن بينك تاكسي لا تعتبر السلامة مجرد ميزة بل هي نموذج العمل بحد ذاته، لأن السائقة امرأة والعميلة امرأة وتشغيل الخدمة وتجربة العميل مصممان بالكامل حول هذه العلاقة.
من الرحلات الفردية إلى عقود النقل الدوري
يحدث التحول الأبرز في بينك تاكسي خارج الإطار التقليدي لخدمات طلب السيارات، إذ نجحت الشركة في بناء نموذج يعتمد على عقود أسبوعية وشهرية متكررة مع أولياء الأمور والمدارس والشركات والطالبات، إذ تتولى السائقة نفسها الرحلة بترتيب مسبق بدلا من حجز رحلة جديدة كل صباح. كما يمكن للخطط الشهرية أن تغطي أكثر من 20 رحلة ذهابا وإيابا، بخصم يصل إلى 25% مقارنة بالحجوزات الفردية، وفقا للموقع الرسمي للشركة.
تكمن أهمية هذا التحول في نقل الخدمة من مجرد معاملة يومية إلى علاقة مستدامة، إذ لا يشغل الأم العثورعلى سائقة كل صباح، كما تعرف مسبقا من ستتولى نقل ابنتها وتثق في أن هذا النظام لن يخذلها، حسبما أكدت فوزي.
كما أوضحت أن الجزء الأكثر صعوبة في الحفاظ على هذه العلاقة لا يتعلق بحجم الطلب، إنما بجانب العرض، متسائلة: كيف يمكن توسيع قاعدة السائقات الموثوقات بالتكلفة المناسبة، وفي المكان والزمان الصحيحين؟ في حال خفضت الشركة معاييرها لتوسيع قاعدة السائقات بسرعة ستخاطر بسمعة العلامة التجارية، بينما يؤدي الحذر شديد إلى تجاوز الطلب للعرض وخسارة العملاء. كما تزداد صعوبة المعادلة مع تكاليف السيارات والوقود والصيانة والتمويل، إلى جانب الازدحام المروري والتوزيع الجغرافي للطلب، وهي واحدة من أصعب المعضلات في قطاع النقل التي تمكن بينك تاكسي من حلها بالكامل بعد.
ماذا لو تأسست الشركة اليوم؟
بدأت بينك تاكسي في عام 2015، وهو وقت كان فيه سوق خدمات طلب السيارات وسلوك المستهلكين في مصر مختلفين تماما عما هما عليه اليوم، إذ أكدت فوزي إنها لو بدأت من الصفر حاليا لبنت الشركة على التكنولوجيا منذ اليوم الأول واستثمرت مبكرا في البيانات والأتمتة والذكاء الاصطناعي لإدارة عمليات المطابقة بين السائقات والعميلات، وتحديد المسارات وتوقع الطلب وتحسين كفاءة استخدام السائقات، مع الحفاظ على الفكرة الأساسية للشركة.
أما الجانب الآخر الذي كانت ستعمل على تطويره في مرحلة مبكرة هو قاعدة السائقات، وضمان وجود السائقة المناسبة في المكان والوقت المناسبين لتلبية الطلبات بكفاءة. كما كانت ستبني بينك تاكسي كمنصة متكاملة لنقل المرأة وليس مجرد خدمة لطلب السيارات، بحيث تجمع بين التنقلات اليومية ونقل الطالبات والموظفات وتدريب السيدات على القيادة ضمن منظومة واحدة، وهذا بالتحديد هو الاتجاه الذي تحاول الشركة التحرك نحوه حاليا.
يتجاوز طموح فوزي للسنوات الخمس المقبلة مجرد إدارة أسطول من السيارات. "أود أن أرى الشركة تتطور إلى منصة متكاملة لنقل المرأة وتستخدم التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي لتقديم حلول نقل أكثر أمانا وكفاءة للنسا في مصر أولا ثم في أسواق أخرى بالمنطقة مستقبلا"، بحسب فوزي.
ما الخطوات القادمة لبينك تاكسي؟
نمت شركتا ريمو تورز وبينك تاكسي بشكل أساسي عبر إعادة استثمار الأرباح، بدلا من الاعتماد على رأس المال الخارجي وهو خيار أكدت فوزي إنه منحها استقلالية أكبر في اتخاذ قرارات طويلة الأجل بدلا من السعي وراء جولات التمويل المتتالية، وأشارت إلى انفتاحها الآن أكثر على الاستثمار لكن بشروط انتقائية، إذ يمكن لرأس المال تسريع نموذج الأعمال الجيد لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عنه.
تعد ريمو تورز اليوم أكبر حجما وأكثر تنوعا مما كانت عليه عند إطلاق بينك تاكسي، إذ فرضت الفترات الصعبة التي مر بها قطاع السياحة في مصر— بعد عام 2011 وخلال جائحة كوفيد — على الشركة إعادة تطوير نموذج أعمالها. وبالنسبة لفوزي كان أحد أهم الدروس التي تعلمتها هو بناء شركة مرنة وقادرة على الصمود دون الاعتماد على سوق واحد أو شريحة عملاء واحدة أو مصدر إيرادات واحد.
تظل ريمو تورز وبينك تاكسي كيانين منفصلين في الوقت الحالي، إذ تركز ريمو موتورز بشكل أساسي على خدمات السفر والنقل المؤسسي، بينما تركز بينك تاكسي على احتياجات التنقل اليومية للنساء، سواء للأفراد أو الموظفات. إلا أن طموح فوزي للشركتين يتجاوز السوق المصرية، إذ تسعى إلى ترسيخ ريمو موتورز كفاعل مصري في مجالات النقل السياحي والتنقل المتكامل القادر على المنافسة دوليا، وتأمل في توسيع بينك تاكسي لتصبح منظومة متكاملة لتنقل المرأة تتخطى حدود مصر.
بالنسبة لفوزي، لا يقتصر النجاح على مؤشرات الأداء والأرباح، مؤكدة أن من أهم ما تطمح إليه أن تشجع المزيد من النساء على تأسيس شركات في قطاعات كانت تعتبر تقليديا حكرا على الرجال. وقالت: "إذا قيل بعد سنوات إنني قمت بما هو أكثر من مجرد بناء شركات ناجحة وإنني ساعدت في دفع قطاعي السياحة والنقل إلى الأمام وفتحت المزيد من الأبواب أمام النساء، فسأعتبر ذلك إنجازا حقيقيا".