💡 تدوينة الجمعة — مساحة شهرية نخصصها في إنتربرايز ويك إند لمقالات تحليلية وتدوينات نسلط فيها الضوء على موضوع يستحق التوقف عنده، بعيدا عن الأخبار العاجلة والأدلة الإرشادية. في هذا الأسبوع نلقي نظرة على العمل في النوبات الليلية أو ما يعرف بـ "النايت شيفت".
لطالما شكل العمل ليلا جزءا أساسيا من الحياة في المدن الكبرى، إذ تواصل قطاعات عديدة تقديم خدماتها على مدار الساعة، لكن لاستمرار عجلة العمل طوال الليل تكلفة باهظة على العاملين أنفسهم الذين يضطرون إلى مخالفة إيقاع أجسادهم الطبيعي. سواء كانت نوبات العمل الليلية مفروضة بحكم طبيعة الوظيفة أو مدفوعة بأجور أعلى، أو توفر للعاملين حرية استغلال ساعات النهار، يبقى التحدي الأكبر في مواجهة الساعة البيولوجية، وانعكاسات ذلك على الصحة النفسية والجسدية.
عالميا، يعمل فرد من بين كل خمسة — أي نحو 20% من القوى العاملة — بنظام النوبات الليلية، وغالبا ما تتطلب القطاعات التي تقدم خدمات أساسية — بما فيها النقل والرعاية الصحية والتصنيع والخدمات الاجتماعية — تشغيلا متواصلا على مدار الساعة. وفي مصر وحدها، يعمل عشرات الآلاف من موظفي التعهيد في قطاع خدمة العملاء ومراكز الاتصال طوال الليل لخدمة جمهور مستهدف في أوروبا وأمريكا، وهو عدد ينمو بنسبة 15-17% سنويا مع توسع المزيد من الشركات متعددة الجنسيات داخل السوق المصرية.
لكن .. بينما يمكن لعجلة الاقتصاد العمل دون توقف، فإن الجسد البشري يأبى ذلك.
صراع مع الطبيعة البشرية
تعد اضطرابات النوم من أكثر المشكلات المرتبطة بالعمل في النوبات الليلية، ورغم أن العمل ليلا لا يعني بالضرورة الحصول على ساعات نوم أقل، فإن المشكلة تكمن في النوم خلال أوقات لا تتوافق مع إيقاع الجسد الطبيعي، ما قد يجعل النوم أقل راحة وجودة. يرتبط النوم ارتباطا وثيقا بالإيقاع اليومي للجسم في ما يعرف بالساعة البيولوجية، التي تتأثر بدورة الضوء والظلام الطبيعية وتنظم العديد من العمليات الحيوية وفقا لها. عندما تنقلب ساعات النوم والاستيقاظ يتعرض هذا الإيقاع للاضطراب، ما قد يربك العمليات البيولوجية الحيوية والتجديدية التي يعتمد عليها الجسم خلال النوم.
يأتي الدماغ في مقدمة الأعضاء التي تعتمد على النوم لأداء وظائفها بكفاءة، إذ يساعده النوم على معالجة الذكريات والمشاعر التي مر بها الجسد خلال اليوم والتعامل مع المشكلات التي واجهها خلال ساعات الاستيقاظ، إلى جانب دعم وظائف المناعة وإصلاح العضلات. باختصار، فإن النوم يساعد الدماغ على التخلص من المخلفات التي تتراكم خلال فترة الاستيقاظ، من خلال آلية تصريف الجهاز الجليمفاوي.
ماذا يحدث عندما تعاني آلية التصريف تلك من خلل ما؟ قد يؤدي اضطراب النوم بمرور الوقت إلى زيادة خطر الإصابة بالخرف، إذ ارتبط العمل بنظام النوبات خلال مرحلة منتصف العمر بزيادة خطر الإصابة بالخرف بنسبة 36%، بحسب دراسة سويدية أجراها معهد كارولينسكا، تتبعت أكثر من 13 ألف عامل بنظام النوبات لمدة تصل إلى 41 عاما، مع تأكيد الباحثين أن هذه النتيجة تشير إلى ارتباط إحصائي ولا تثبت وجود علاقة سببية.
يرتفع هذا الخطر بين العاملين الذين يستمرون في وظائف قائمة على النوبات لفترات أطول. قد يؤدي استمرار العمل بالنوبات الليلية وما يصاحبه من اضطراب في النوم لسنوات، إلى ارتفاع مستويات بروتين الأميلويد المرتبط بمرض الزهايمر في الدماغ. وقد يتطور الأمر لدى بعض العاملين إلى ما يعرف باضطراب نوم العمل بنظام النوبات، وهو اضطراب في نمط النوم اليومي يصيب الأشخاص الذين يعملون خلال ساعات النوم المعتادة. قد يعاني المصابون به من صعوبة في النوم أو الأرق أو من النعاس المفرط خلال ساعات الاستيقاظ، إلى جانب أعراض أخرى مثل صعوبة التركيز ونقص الطاقة والصداع وسرعة الانفعال.
تكلفة قلة النوم
لا تقتصر آثار العمل ليلا على اضطراب النوم، إذ من المحتمل أن يكون العمل بنظام النوبات الليلية مسببا للسرطان لدى البشر، وفقا للوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية. كما يرتبط العمل بالنوبات الليلية بزيادة احتمالات زيادة الوزن وارتفاع مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر بحسب مؤسسة أبحاث السرطان العالمية. وقد يواجه العاملون، خصوصا من لديهم استعداد جيني، مخاطر أعلى للإصابة بالسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والمتلازمة الأيضية والسرطان.
يرتبط جزء من هذه الآثار باضطراب الإيقاع اليومي للجسم، الذي يؤثر بدوره على مستويات هرمون الكورتيزول، الذي تبلغ مستوياته ذروتها عادة في الصباح. يؤدي اختلال هذا الإيقاع إلى اضطرابات في عملية التمثيل الغذائي، إلى جانب زيادة مخاطر السمنة والإصابة بالسكري من النوع الثاني.
تطال آثار العمل الليلي الصحة النفسية أيضا، إذ يرتبط العمل بنظام النوبات الليلية بارتفاع خطر الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق بنسبة 28%، وفقا لبحث نشر في جورنال أوف أفيكتيف ديسوردرز. كما أن العمل خلال الساعات التي ينام فيها معظم الأفراد قد يؤدي إلى قدر أكبر من العزلة وعدم التزامن مع المحيط الاجتماعي، ما يجعل المشاركة في المناسبات الاجتماعية والحفاظ على العلاقات أكثر صعوبة.
التكيف مع الجسد.. لا محاربته
هناك طرق للتخفيف من بعض هذه الآثار، وإن كانت أيا منها لا يلغيها تماما: قد يجد العاملون بالنوبات الليلية بعض الراحة في اتباع نظام نوم ثنائي المرحلة، وهو نمط يعود إلى ما قبل العصر الصناعي وكان شائعا في الغرب حتى منتصف القرن التاسع عشر. ووجد باحثون في المعهد الوطني لصحة العمل في النرويج أن العاملين بنظام النوبات الذين يعيشون في الدائرة القطبية الشمالية حيث تكاد الشمس لا تغرب، غالبا ما يقسمون نومهم إلى فترتين منفصلتين إحداهما قبل الظهيرة بساعات والأخرى قبل بدء نوبة عملهم.
لا تزال الأدلة حول مدى قدرة هذا النمط على تحسين الصحة والأداء في طور الظهور، لكنه يقدم زاوية مختلفة للنظر إلى النوم، إذ تشكل فكرة الحصول على نوم طويل ومتواصل مرة واحدة يوميا هي ابتكار حديث نسبيا فرضته متطلبات الاقتصاد الصناعي على البيولوجيا البشرية دون التأكد أولا من مدى ملاءمته لها.
كما أن أخذ قيلولة أثناء نوبة العمل أو بعدها قد يقلل الشعور بالنعاس ويعزز اليقظة، حسبما أشارت دراسات أخرى. كما أن تقليل عدد النوبات الليلية المتتالية قد يحد من بعض المخاطر الصحية المرتبطة بها. ومن الأدوات العملية الأخرى التحكم في التعرض للضوء والالتزام بجدول نوم منتظم حتى في أيام العطلات، والحد من تناول الكافيين خلال الجزء الأول من النوبة.
لكن الفكرة الأوسع تظل هيكلية في الأساس، إذ بني اقتصاد الـ 24 ساعة المنظومة بأسرها على احتياجات السوق، لا على ما يستطيع الجسد البشري تحمله. وفي النهاية، يدفع العاملون الذين يحافظون على دوران هذا الاقتصاد طوال الليل الثمن من أجسادهم وصحتهم، وهو الثمن الذي لا تكترث به الشركات.