📚 على أرفف المكتبات المصرية كثيرا ما تخطف أنظارنا عناوين لأعمال أدبية بالإنجليزية، مثل If an Egyptian Cannot Speak English وCairo Circles وغيرها. تلك الأعمال كتبت بأقلام مصرية عن حكايات تدور في قلب القاهرة وما حولها.. لماذا إذن لم تنشرها دور مصرية؟ ولماذا يصعب العثور على أعمال أصلية باللغة الإنجليزية في بلد تعد قبلة الإبداع الأدبي في العالم العربي؟ ولماذا يفضل الكتاب المصريون الذين يكتبون بالإنجليزية نشر أعمالهم خارج مصر؟
الكتب التي غادرتنا
الإبداع مصري.. النشر لا: نشرت دار جراي وولف برس في الولايات المتحدة رواية If an Egyptian Cannot Speak English، باكورة أعمال الأديبة المصرية الشابة نورا نجا، فيما صدرت رواية Beer in the Snooker Club الكلاسيكية للكاتب وجيه غالي عام 1964 عن دار أندريه دويتش في لندن. في حين سلكت روايتا Cairo Circles وThe Map of Love مسارات مشابهة.
دوافع الكتاب؟ كتب بعض هؤلاء الكتاب من المهجر فكان طبيعي أن ينشروا أعمالهم هناك، في حين سعى آخرون إلى الوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من القراء، والاستفادة من مزايا تحريرية قوية، وتعزيز فرصهم في الحصول على إشادات نقدية عالمية والترشح للقوائم الطويلة للجوائز. لذا، فإن النشر في نيويورك أو لندن لا يمثل خيانة لمصر بقدر ما يمثل خطوة ذكية لأصحاب ذلك الطموح.
من يقرأ تلك الكتب؟ تساءلت الكاتبة المصرية الصاعدة أمينة زين الدين التي تعكف حاليا على مسودة كتابها، عما إذا كانت كتابتها بالإنجليزية ككاتبة مصرية موجهة حقا للمصريين، مشيرة إلى أن الكتاب سيكون موجها على الأقل لشريحة أصغر نسبيا، حسبما قالت لإنتربرايز.
مثل كثير من الكتاب، خططت زين الدين في التوجه إلى دور النشر العالمية، لأنها لم تعد دور النشر المحلية خيارا واقعيا من الأساس. اعتبرت زين الدين أن دور النشر في الخارج أوسع انتشارا، وأن نشر كتابها محليا كان سيضعها أمام شريحة محدودة للغاية من القراء، خاصة في ظل تراجع تسويق الكتب الصادرة بالإنجليزية محليا.
صراع الموروث والمرغوب فيه
التعبير عن الذات في مواجهة عقدة الذنب: يحمل قرار الكتابة — أو حتى التحدث — بالإنجليزية طبقات من الذنب الذي يطارد صاحبه، حسبما قالت مؤسسة مشروع بيبر تريلز، منة عبد الرحمن، لإنتربرايز. فلأننا مصريين وعرب، يظل هناك دائما هذا الصراع حول الكتابة بالعربية أم بالإنجليزية، مشيرة إلى أن هذا الشعور بالذنب ارتبط باللغة العربية تحديدا، فأكثر من كونها لغة، كانت أداة لمقاومة الاستعمار ومحاولات الطمس، الأمر الذي يجعل اختيار لغة أخرى للكتابة وكأنه خيانة أو تنازل عن الحق.
ومع ذلك، تبقى أهمية الإنجليزية في كونها جسرا يربط شعوب العالم، فعندما تسمع عبد الرحمن كلمة أفغانستان، يتبادر إلى ذهنها خالد حسيني وروايته عداء الطائرة الورقية بدلا من عناوين الأخبار والأحداث المؤسفة، مؤكدة أن الأعمال الروائية تمتلك قوة هائلة لإعادة صياغة الصور الذهنية التي حملناها عن البلاد والشعوب. وبالنسبة للكتاب المصريين الذين يكتبون بالإنجليزية، فإن اللغة التي تحمل معها الشعور بالذنب، تحمل معها أيضا فرصة سرد الحكاية المصرية لعالم لا يعرف الكثير عن حقيقة هذا الشعب.

قراء في الانتظار
هل يتجه الكتاب المصريين لدور النشر الأجنبية لغياب السوق المحلية للقراء؟ الإجابة قطعا لا، فبمجرد الدخول إلى أي فرع من فروع مكتبات ديوان أو ريدرز كورنر أو بيبليوتيك، تتصدر الأرفف المخصصة للكتب الإنجليزية الواجهة، عامرة بالإصدارات الجديدة التي تتوسع باستمرار. كما نجح صناع المحتوى المصريون المتخصصون في الكتب على وسائل التواصل المختلفة في بناء قاعدة جماهيرية حقيقية، ركزت غالبيتها على مراجعة الكتب الإنجليزية.
أيضا — استحوذت الكتب الإنجليزية على نصيب الأسد من إيرادات سوق الكتب المحلية من ناحية اللغة بدعم من الكتب الأكاديمية، ومتفوقة على الكتب العربية، حسبما كشف تقرير سوقي لعام 2024، مع توقعات بأن تكون الروايات الفئة الأسرع نموا حتى عام 2030. معنى ذلك؟ وجود قاعدة قراء متلهفة لهذا النوع من الأدب على أتم استعداد للدفع مقابل قرائته واقتنائه.
مشهد النشر المحلي
إلى جانب دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومكتبات ديوان، توجد دور نشر أخرى تستقبل المسودات باللغة الإنجليزية، بيد أن المشكلة تكمن في النتيجة النهائية التي تقدمها، إذ تظهر عيوب الكتب المنتجة دون بنية تحتية تحريرية قوية من أخطاء في التنسيق وأخطاء مطبعية، إلى جانب غياب شبه تام لشبكات التوزيع. فحتى إن وجد الكاتب والقارئ، تظل المنظومة التي تنتج هذا الكتاب ضعيفة بشكل كبير.
هذا الواقع تركنا أمام لاعبين اثنين فقط: بدأت ديوان للنشر — ذراع مكتبات ديوان والتي انطلقت عام 2021 — في التوجه نحو نشر الأعمال الروائية الأصلية باللغة الإنجليزية. أما دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة، التي تأسست عام 1960 وتعد أكبر دار نشر باللغة الإنجليزية في مصر وربما في المنطقة، فقد مارست هذا الدور بطريقتها الخاصة.

نشرت هوبو — العلامة التابعة لدار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة والمخصصة للروايات — أربعة كتب سنويا، بواقع كتابين في كل موسم، وتنوعت إصداراتها بين الأدب العربي المترجم والأعمال الأصلية باللغة الإنجليزية، مثل The Jinn Daughter للكاتبة السورية الأمريكية رانيا حنا، وفقا لما ذكرته محررة الاستحواذات الأولى نادين الهادي في هوبو، لإنتربرايز. قبلت العلامة مسودات الكتب غير المطلوبة مسبقا، ولم تشترط أن يكون للكاتب وكيل أدبي. ومع ذلك، يظل حجم الكتب التي تصر سنويا قليلا للغاية مقارنة بمستوى الطلب عليها.
في هوبر، لا توجد سياسة معينة تمنع نشر أعمال العرب بالإنجليزية، إذ تفنتح الدار بشكل تام على المشاريع المناسبة دون التقيد بأي اعتبارات سوى الحكاية الجيدة، بحسب الهادي، حيث تركز على نشر قصص من الشرق الأوسط باللغة الإنجليزية، واستهداف قاعدة قراء واسعة تمتد من القاهرة إلى نيويورك. ورغم أن هوبو تبحث تحديدا عن الروايات الأدبية التي تتمتع بجاذبية عالمية، فإن فئات الخيال العلمي والرعب والرومانسية تقع خارج نطاق تخصصها.
الفجوات
الكتاب حاضرون، والقراء موجودون، وهناك دارا نشر تعملان بأقصى طاقتهما، ومع ذلك، فإن النظام الذي من شأنه ربط هذه الأطراف الثلاثة ببعضها البعض — والذي يشمل دور النشر المتوسطة ودور النشر المتخصصة والوكلاء الأدبيين الذين يمثلون حلقة الوصل لنقل صوت الأدب المصري إلى العالم — يكاد يكون غائبا تماما.
.. لكن، الهادي متفائلة بالمستقبل من حيث المبدأ: "لا أرى سببا يمنع استيعاب السوق للمزيد من دور النشر ومزيد من التوسع في هذا المجال، فهذه سوق تنمو ولا تنكمش".
ومع ذلك تظل هناك مشكلة أخرى، فسوق الكتاب في مصر تفتقر للرؤية الواضحة إلى حد كبير، حتى في شقها الذي تهيمن عليه اللغة العربية، إذ تفتقر صناعة الكتب لدينا إلى قواعد البيانات الشاملة للمبيعات أو البيانات الموثوقة للقراء، أو حتى بنية تحتية للنشر تضاهي تلك التي تتيح لدور النشر في لندن ونيويورك التخطيط لرحلة أي كتاب قبل إصداره بعام كامل. وبالتالي ستكون أي محاولة للتوسع في إصدار أعمال روائية أصلية بالإنجليزية بمثابة قفزة نحو المجهول، إذ ستستهدف جمهورا أصغر بتكاليف إنتاج أعلى، دون أي ضمانات بتحقيق عوائد تبرر حجم هذه المخاطرة.
وهنا تظل التساؤلات المطروحة بلا إجابة.. من يتولى بناء هذه البنية التحتية المفقودة؟ ومن يتحمل هذه المخاطرة؟