🛩️ رحلة المصري في الحصول على تأشيرة سفر — خاصة شنجن — قد تكون شاقة ومرهقة ومليئة بالإجراءات المعقدة، إذ تتطلب أكواما من كشوف الحسابات البنكية وسجلات التوظيف، فضلا عن جمع ما تيسر من إثباتات لإقناع البلد التي يسافر إليها بأنه لن يكسر الفيزا. تلك التجربة المزعجة هي بالتحديد ما تسعى إحدى الشركات المصرية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى تغييرها تماما.
حاورت إنتربرايز المسائية مؤسس شركة "فيزا أيه أي" علي مرسي (لينكد إن)، والذي شاركنا أكثر عن فكرة المنصة ورحلة تأسيسها وكذلك أبرز التحديات التي تسعى إلى إيجاد حلول لها في قطاع السفر المصري.
ما هي "فيزا أيه أي"؟ هي منصة فكرتها بسيطة ومباشرة: يرفع المستخدم صورة جواز السفر ويحدد وجهة السفر ليتولى وكيل الذكاء الاصطناعي بقية المهمة، من تعبئة النماذج والترجمة وحجز المواعيد وحتى التحقق من المستندات، على أن يراجع خبير بشري كل طلب قبل تقديمه إلى أي سفارة. أطلقت الشركة نسختها التجريبية المغلقة في 19 أبريل الماضي، وانتقلت إلى النسخة التجريبية العامة في يونيو، وتخطط للإطلاق الرسمي في سبتمبر.
العقل البشري وراء التقنية
لطالما أغرم مرسي بالتكنولوجيا طوال حياته، إذ بدأ شغفه بالتكنولوجيا قبل وقت طويل من تعلمه البرمجة. فقد كان والده وجده وجد والده مهندسين، بينما تمتلك عائلة والدته مؤسسة عبد الرحيم قويدر لصناعة الحلويات في القاهرة، التي أسسها جده الأكبر في عشرينات القرن الماضي. هكذا اجتمعت الهندسة في جانب من العائلة والتجارة في الجانب الآخر، وهو مزيج أفاده كثيرا في مسيرته لاحقا.
درس مرسي هندسة الكهرباء والاتصالات في جامعة كارلتون بكندا، وبدأ في بناء مشاريعه منذ عامه الجامعي الأول. في 2014، أطلق منصة سيكي للأسئلة والإجابات، بهدف استكشاف المنتجات المحلية في وقت لم تكن فيه الشركات قد تواجدت بعد على الإنترنت. حققت الفكرة انتشارا واسعا على المستوى المحلي في مدينته قبل أن تصل إلى حدودها القصوى وتعجز عن التوسع، لينتقل بعدها إلى محطة أخرى.
في الصيف التالي، أصبح من أوائل الموظفين في منصة بيت أكسيس، وهي شركة ناشئة لأجهزة الصراف الآلي لعملة البتكوين في كندا مدعومة من حاضنة الأعمال واي كومبيناتور: "تواجدي وسط هؤلاء المفكرين في المراحل المبكرة أظهر لي ما يتطلبه العمل بهذا المستوى"، بحسب ما قال.
بعد تخرجه، انضم إلى برنامج القيادة للخريجين في شركة بيل كندا، وهو مسار تناوبي انتقائي، إذ قضى ثلاث سنوات كمدير للمنتجات وقائد لتجربة المستخدم. وعندما اندلعت الجائحة وتحولت التجارة المحلية إلى الإنترنت، شارك في تأسيس شركة ديلفر، عبر تطبيق على منصة شوبيفاي يتيح التوصيل المحلي في نفس اليوم للشركات الصغيرة، في وقت كان فيه التوصيل المحلي في كندا شبه معدوم. وبدأت الشركة بتمويل ذاتي وحققت إيرادات بلغت نحو 50 ألف دولار خلال عام واحد قبل أن يعود مرسي إلى مصر.
عقب عودته إلى القاهرة، أمضى مرسي عاما في مجلس إدارة عبد الرحيم قويدر للمساعدة في تحديث عمليات المؤسسة، وتلا ذلك انضمامه إلى منصة التصميم الداخلي إفرشلي، إذ قاد تطوير المنتجات الجديدة وساعد في إطلاق أداة إفرشلي أيه أي، التي تتيح للمستخدمين إعادة تصميم الغرف باستخدام الذكاء الاصطناعي وشراء التصميم الناتج مباشرة من قائمة إفرشلي التي تضم أكثر من 200 علامة تجارية.
ما الذي تقدمه الشركة بالضبط؟
تستهدف المنصة أبرز العقبات التي واجهت مرسي نفسه بعد عودته إلى مصر: "تركز المنصة على الأفراد الذين يمتلكون وظائف وشركات مستقرة لكنهم يواجهون صعوبات في السفر، نظرا لعدم تمكنهم من حجز مواعيد للتأشيرة أو اضطرارهم للتعامل مع وكالات سفر وسماسرة يفتقرون للشفافية".
يختار المستخدم وجهته ضمن قائمة تضم حاليا نحو 20 دولية، ثم يرفع مستنداته. تستخرج المنصة بيانات جواز السفر تلقائيا، وتترجم النصوص العربية إلى الإنجليزية، وتنسق البيانات لتلائم نماذج التقديم المطلوبة. بعد ذلك، يجري نموذج ذكاء اصطناعي تنافسي فحصا أوليا، لتحديد العناصر المفقودة أو الأخطاء المحتملة، ويراجع خبير بشري هذه النتائج قبل المضي قدما. وبمجرد التحقق، يراقب وكيل رقمي أنظمة السفارة على مدار الساعة لتأمين موعد، ويتلقى المستخدم تحديثات فورية عبر واتساب، إلى جانب حزمة تقديم كاملة — تشمل خطابات التغطية وتأكيد الموعد والنماذج المعبأة مسبقا — جاهزة للطباعة.
يعتمد التسعير على نموذج رسوم ثابتة لكل طلب مكتمل، تتراوح بين 1500 جنيه للطلبات القياسية و4 آلاف جنيه للطلبات الأكثر تعقيدا بحسب متطلبات الدولة. ويجري حاليا تطوير باقة للشركات توفر اشتراكات لوكالات السفر التي تعالج طلبات جماعية، مع اتفاقيات مخصصة لمستوى الخدمة.
لا غنى عن العنصر البشري: "نظرا لأن طلبات الفيزا هي في حد ذاتها مستندات حساسة، فإن الإشراف البشري ضروري"، حسبما أكد مرسي، متوقعا أن تصل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى دقة شبه مثالية في المعاملات القياسية خلال 12 إلى 24 شهرا. غير أنه أوضح أن الإشراف البشري سيظل ضروريا لسبب آخر: "يمتلك المشرفون خبرة استراتيجية عملية تخرج عن نطاق بيانات التدريب الخاصة بالذكاء الاصطناعي، مثل الاستجابة إلى التحديثات المفاجئة للسياسات التي تصدرها السفارات في آخر 24 ساعة".
من مصر إلى العالم
يمثل إطلاق الشركة في سبتمبر المقبل انتقالها من مرحلة التجريب إلى نطاق أوسع، إذ يمتد الطموح الكامن وراءها لأبعد من مجرد معالجة التأشيرات، إذ طرح مرسي إشكالية أوسع حول هوية مطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي لدول الجنوب العالمي، ولماذا من المهم أن يكون مبتكر الحلول من أبناء تلك الدول.
"يجب أن يبني أبناء المنطقة مستقبل قطاعات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين والشركات في الشرق الأوسط"، حسبما قال. لا ينبع هذا التوجه من مشاعر وطنية أو عاطفية فحسب، بل من اعتبارات هيكلية كذلك، فالنماذج العامة المصممة في دول الشمال العالمي تدربت على حل مشكلات تلك الدول، والتي لا يصطف سكانها في طوابير للحصول على مواعيد للفيزا ولا يواجهون بيروقراطية باللغة العربية، ولا يديرون أعمالهم بعملات تفقد قيمتها بين عشية وضحاها: "النماذج العامة المبنية في الغرب لن تحل مشكلات الجنوب العالمي لأنها لا تعيشها".
"نادرا ما يحتاج سكان الشمال العالمي إلى تأشيرات سياحية، ومع ذلك تشكل التأشيرات السياحية أو قصيرة الأجل 70% من إجمالي التأشيرات في العالم". السوق موجودة بحجم هائل، وما كان ينقصها هو من يبتكر الحل المناسب من صميم المشكلة، فالمطورون هنا يمكنهم رؤية حلول تخفى على أولئك الذين هم في سان فرانسيسكو ولندن.
تأتي نحو 20% من استفسارات الشركة الأسبوعية البالغة حوالي 700 استفسار من خارج مصر، وتشمل دولا مثل إثيوبيا ونيجيريا والكاميرون وإندونيسيا والهند وبنجلاديش، إضافة إلى مواطني دول الجنوب العالمي المقيمين في الولايات المتحدة الساعين للحصول على تأشيرات شنجن. "مصر هي سوق الإطلاق الرئيسية لنا، وبمجرد ترسيخ حضورنا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نخطط لتوسيع عملياتنا في جميع أنحاء أفريقيا وجنوب شرق آسيا"، حسبما أشار مرسي، الذي يطمح لتحقيق الكثير رغم أن الشركة تعتمد حاليا على التمويل الذاتي، إذ أكد قائلا:"هذا الأمر سيتغير قريبا".