🏘️ عودة إلى الأصل؟ لا يشبه بدير رزق، الرئيس التنفيذي لشركة باراجون للتطوير العقاري، أقرانه في القطاع العقاري المصري، سواء عبر رؤيته المبتكرة لمساحات العمل والمعيشة، أو من خلال نجاحه في استقطاب رؤوس الأموال الخليجية إلى السوق المحلية بدلا من الاكتفاء بالتوسع خارجها. ويبرز مشروع سمو بوليفارد، الذي تبلغ تكلفته 70 مليار جنيه ويقام بالشراكة مع شركة أدير إنترناشيونال السعودية — الذراع الاستثمارية لشركة سمو القابضة السعودية — كأحد أضخم الاستثمارات الأجنبية المباشرة للقطاع الخاص في العقارات المصرية، ليضع أفكار رزق غير التقليدية أمام اختبار حقيقي لإثبات جدارتها على نطاق واسع.
من الذكاء الاصطناعي إلى العقارات
كان رزق بالأساس باحثا في مجال الذكاء الاصطناعي، حتى قادته الظروف لدخول قطاع العقارات خلال جائحة كوفيد. أسس رزق شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات في فرنسا وباعها، وأتم صفقة التخارج في فبراير 2020، قبل أسابيع من بدء الجائحة. قبل أن يتمكن من التفكير في خطوته التالية، وجد نفسه عالقا في القاهرة، حسبما أوضح لإنتربرايز. في الوقت ذاته، كان والده يعمل على مشروع مبنى باراجون 1 في العاصمة الجديدة، فتدخل في مشروع المبنى المكتبي التابع لوالده وحوله إلى الشركة الحالية.
لطالما شغلت مساحات المعيشة والعمل المشتركة تفكير رزق، فبعد إتمام دراساته العليا في كلية فرانكفورت للإدارة والدراسات المالية وكلية كولومبيا للأعمال، اختبر بيئة العمل المشترك في برلين داخل مبنى ضم شركات مثل أوبر وتويتر وساوند كلاود كمستأجرين، حسبما أضاف، مشيرا إلى أن فكرة المساحات متعددة الاستخدامات أثارت اهتمامه.
تجلت تلك القناعة في هيكل اتفاقية سمو بوليفارد، إذ صمم رزق المشروع المشترك على غرار الاتفاقيات المؤسسية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، إذ جرى فصل الكيان الذي يمتلك ويمول الأصل عن الكيان الذي يتولى تطويره. تمتلك أدير حصة الأغلبية في شركة الاستثمار العقاري بأكثر من 70% حيث يتركز رأس المال والمخاطر، بينما تمتلك باراجون حصة أقلية لكنها تحتفظ بنسبة 51% من شركة التطوير العقاري المسؤولة عن الإدارة اليومية للمشروع، بحسب رزق. يعد هذا الهيكل قابل للاستنساخ، فهو نموذج يمكن لشركة أدير استخدامه لتوجيه المزيد من رؤوس الأموال نحو مشروعات مصرية، بالتعاون مع مشغل محلي، حسبما أضاف، مشيرا إلى أن سمو حاولت دخول السوق المصرية لنحو عشر سنوات، لكن ما كان ينقصها هو الهيكل الاستثماري المناسب.
بلا أسوار
يسوق رزق مشروع سمو بوليفارد باعتباره أول مشروع ضخم متعدد الاستخدامات بلا أسوار في مصر، ويعد هذا تحولا كبيرا في سوق قضت عقدين من الزمن في إتقان بناء المجمعات السكنية المغلقة، إذ تعزل المناطق السكنية والتجارية والإدارية خلف أسوار وبوابات إلكترونية. ووضعت شركة جينسلر — التي صممت مركز دبي المالي العالمي ومشيرب في الدوحة — المخطط الرئيسي للمشروع الذي يمتد على مساحة نصف مليون متر مربع تقريبا. يطلق رزق على ذلك مفهوم الشامل الحصري، فهو يوفر الخصوصية للسكان ويضمن كثافة الإقبال على المحال التجارية ويسهل الوصول للمكاتب، كل ذلك في أرض واحدة بلا أسوار، ليحاكي أسلوب أحياء الزمالك ووسط البلد حيث تتجاور مختلف الأنشطة في شارع واحد.
المؤشرات الأولية مبشرة: ذكر رزق أن مرحلة نيكسس التي أطلقوها مؤخرا، والتي تستهدف المهنيين الشباب بين 18 و45 عاما، وتضم وحدات كاملة التشطيب تتراوح بين استوديوهات بمساحة 30 مترا مربعا فيما أكبر، بيعت بالكامل خلال 48 ساعة، محققة مبيعات بلغت 150 مليون دولار. ومن وجهة نظر رزق، فإن تلك الشريحة تعرضت للتجاهل شبه التام من قبل قطاع يركز بالأساس على المنتجات الفاخرة داخل مجمعات مغلقة، إذ تشير سرعة نفاد الوحدات إلى طلب حقيقي غير ملبى، وليس مجرد طفرة تسويقية.
يعمل رزق على بناء منظومة متكاملة حول القلب السكني للمشروع تشمل عناصر للابتكار والثقافة والصحة، موضحا أن ذلك يتضمن إنشاء منطقة ابتكار تضم حرما للذكاء الاصطناعي تديره شركة بلاج أند بلاي، بشراكة مع شنايدر إلكتريك وأورانج، بالإضافة إلى ثلاثة فنادق عالمية هي كانوبي باي هيلتون وأنانتارا التابع لمجموعة ماينور، إلى جانب تأسيس مركز ثقافي بالتعاون مع الفنان معتز نصر مؤسس درب 1718.
فكر جديد
يعبر هذا المشروع تماما عن رؤية رزق لجعل قطاع العقارات مساحة للإبداع والإلهام، حسبما أكد لإنتربرايز، إذ تعتمد منهجيته على إشراك المشغلين في التصميم منذ اليوم الأول بدلا من التعاقد معهم كمستأجرين في النهاية. وقد وصل رزق بالفعل إلى مراحل متقدمة من المفاوضات مع أبرز الكفاءات المصرية في مجال مساحات العمل المشتركة وبيئات العمل المتجددة، وهو توجه يدعمه منذ فترة طويلة.
تستند تلك الرؤية إلى قناعة خاصة حول مستقبل العمل، وهي أننا لا نزال بحاجة إلى مساحات فعلية، إذ يراهن رزق على أنه كلما أدت الأتمتة إلى تقليص فرق العمل وإنهاء عصر الوظائف التقليدية، سيزداد توق الأفراد إلى التجمعات الفعلية والتواصل معا على أرض الواقع، مستشهدا بشراء شركة إير بي إن بي مقرا رئيسيا لها في نيويورك، كأدلة على حتمية العودة للتواجد الفعلي. وقد تعمدت شركة باراجون تصميم مكتبها الجديد ليخصص نصفه للمكاتب والنصف الآخر كاستراحة ومقهى وتراس ليصبح المكتب أشبه بناد اجتماعي، وفقا لرزق، الذي أكد أن مشروع سمو بوليفارد هو تطبيق لهذه القناعة على مستوى مدينة كاملة.
رغم طموح هذه الرؤية وابتكارها، فإنها لم تثبت نجاحها التجاري بعد، خاصة وأن تسليم مشروع سمو بوليفارد مجدول على مرحلتين في عامي 2030 و2033. ويبقى التحدي الأكبر هو مدى تقبل السوق المصرية لنموذج المجتمعات المفتوحة المتكاملة على هذا النطاق الضخم، في بيئة عقارية اعتاد فيها المشترون على دفع علاوات سعرية لضمان العزلة والخصوصية خلف أسوار المجمعات السكنية المغلقة.