في أواخر يونيو وحتى الأيام الأولى من سبتمبر، يبدأ كثيرون هجرتهم الصيفية السنوية إلى الشمال. ينتقل كثير من هؤلاء للإقامة هناك طوال الموسم. ولا يذهبون وحدهم، بل ترافقهم أيضا الشركات والخدمات التي يعتمدون عليها في القاهرة، والتي بدورها تعتمد عليهم.
بالأرقام: سواء في القاهرة أو على الساحل، يشهد الصيف تغيرا في سلوك المستهلكين على مستوى الجمهورية، وفقا لتقرير حديث صادر عن بلاتفورمانس. فقد ارتفع نشاط التسوق الإلكتروني بنسبة 104% خلال موسم الصيف مقارنة بصيف 2022، بينما يستخدم 50% من المستهلكين المصريين تطبيقات التوصيل عند الطلب، مقابل متوسط عالمي يبلغ 28% فقط، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على هذه الخدمات في مصر. ورغم أن القاهرة تظل أكبر سوق استهلاكية على مدار العام، فإن الصيف يشهد قفزة في الطلب بالإسكندرية — التي ينتقل إليها كثيرون أيضا — إضافة إلى الساحل الشمالي.
إنفاق أعلى... وتوصيل أكثر: ورغم أن الساحل يمثل شريحة أصغر وأكثر تميزا، فإن الإنفاق على السلع والخدمات الفاخرة يرتفع هناك بنسبة 44% خلال الموسم، بحسب بيانات فيزا الواردة في التقرير. كما أن تأخر مواعيد الاستيقاظ وامتداد النشاط إلى ساعات الليل، يدفع المستهلكين للاعتماد بشكل أكبر على خدمات التوصيل، ما يزيد من وتيرة الإنفاق والطلبات.
سواء كان الأمر يتعلق بطلب عبر طلبات، أو شحنة من أمازون، أو حتى شاحنة تنقل أثاثا جديدا لحديقة إحدى الفيلات، فإن نشاط خدمات التوصيل في الساحل الشمالي يقفز خلال أشهر الصيف. لكن الساحل ليس القاهرة؛ فالطرق أقل ملاءمة لحركة النقل، والعناوين أقل وضوحا، كما أن المسافات بين النقاط المختلفة على امتداد مئات الكيلومترات من الساحل تجعل عمليات التوصيل أكثر تعقيدا. فكيف تتعامل الشركات مع هذه التحديات؟ وما العقبات التي تواجهها؟ وما الذي يجري العمل على معالجته؟
لماذا لا تنجح معادلة القاهرة في الساحل؟
التجارة الإلكترونية لا تتوسع جغرافيا بقدر ما تتوسع حيث توجد الكتلة السكانية الكافية، حسبما يرى عبد اللطيف علما، الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوميا مصر، والمدير التنفيذي السابق لـ جوميا باي، ومؤسس ورئيس مجلس إدارة تي 20، قائلا في تصريحاته لإنتربرايز إن "القاهرة الكبرى تضم 22 مليون نسمة، وتصل الكثافة السكانية في بعض أحيائها إلى أكثر من 80 ألف شخص لكل كيلومتر مربع، وهو ما يسمح بتحقيق أوقات توصيل تقل عن 20 دقيقة في مناطق مثل الدقي. أما الساحل فهو النقيض تماما؛ مسافات طويلة بين القرى السياحية، ومسافات أطول داخلها، والطلب موزع خلف البوابات. يقضي السائق وقته على الطرق بدلا من التنقل بين المنازل، فتنهار الجدوى الاقتصادية بين بوابتين."
ويضيف علما أن إيقاع الحياة نفسه يختلف في الساحل، حيث يبدأ اليوم متأخرا ويمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، ما يفرض إعادة تصميم جداول العمل بالكامل. ويقول: "الطلبات تبلغ ذروتها قرب منتصف الليل، ولا أحد يريد أن يطرق بابه أحد قبل الظهيرة. وعود التوصيل، وجداول الورديات، ومواعيد استقبال الطلبات، كلها تحتاج إلى إعادة بناء لتناسب سكانا يعيشون وفق شمس مختلفة."
ثم تأتي معضلة المخزون. فمساحات التخزين في الساحل، بحسب علما، "موسمية، محدودة، وأسعارها تعادل قيمة الإطلالة على البحر"، ما يجعل اختيار المنتجات التي يجب توفيرها أشبه بلعبة تخمين: أي جزء من قائمة المنتجات التي يعتمد عليها العملاء طوال 11 شهرا يمكن توفيره في مساحة مؤقتة، مع الحفاظ على مستوى الخدمة نفسه؟
اللاعبون
طلبات تختار النموذج الأخف: أكبر منصة توصيل في مصر والعالم العربي لا تدير أسطولها الخاص أو عملياتها اللوجستية على الساحل. وتقول مها صالح، رئيسة الاتصالات والشؤون العامة والاستدامة في طلبات، لإنتربرايز: "نعتمد في الساحل على نموذج السوق الإلكتروني، حيث يتولى شركاؤنا من المطاعم عمليات التوصيل بأنفسهم، بينما نعمل معهم قبل بداية الموسم لتحسين توزيع المخزون حسب المناطق وضمان تغطية القرى والمناطق الأعلى طلبا." وبمعنى آخر، يتركز الجهد في التخطيط وليس في التوصيل نفسه.
ويعتمد هذا التخطيط بشكل أساسي على البيانات. فبدلا من إدارة الساحل كوحدة واحدة، تراقب طلبات الطلب حسب كل منطقة، وتزود شركاءها ببيانات أسبوعية تساعدهم على تعديل أعداد العاملين ونطاق التغطية، مع استخدام أدوات تنبؤية لرصد ذروات الطلب خلال عطلات نهاية الأسبوع والإجازات قبل حدوثها.
كما اختارت الشركة عدم إنشاء متاجر مظلمة أو مراكز توزيع صغيرة في الساحل، معتبرة أن قصر الموسم لا يبرر الاستثمار في بنية تحتية مرتفعة التكلفة. وبدلا من ذلك، تركز على التكنولوجيا وأدوات التسويق وعقد شراكات موسمية مع القرى السياحية والنوادي الشاطئية وإدارات المجتمعات السكنية.
أما أمازون فتسلك الطريق المعاكس: إذ يؤكد عمر الصاحي، المدير العام للشركة، أن أمازون تدير مراكز توزيع صغيرة خاصة بها في الساحل، بحيث يجري تخزين المنتجات بالقرب من العملاء بدلا من شحنها من القاهرة. ويقول: "لكي تتمكن من توصيل الطلب خلال 20 دقيقة أو أقل، يجب أن تكون قريبا جدا من العميل، وفي المواقع الصحيحة."
وتتيح هذه البنية تشغيل خدمة أمازون ناو على الساحل، لتغطي المنطقة الممتدة من مارينا إلى ألماظة باي، مع آلاف المنتجات تشمل البقالة، والسلع المنزلية، والعناية الشخصية، والمشروبات، والإلكترونيات. ويضيف الصاحي أن الذكاء الاصطناعي هو ما يجعل هذه السرعة ممكنة، من خلال تحسين مسارات التوصيل، والتنبؤ بالمخزون المطلوب، واقتراح المنتجات المناسبة للعملاء.
هل هذه تجارة رابحة... أم إنفاق على التسويق؟
لكن هل تحقق هذه العمليات أرباحا بالفعل؟ يجيب علما بأن الأمر يعتمد على تعريف الربحية. ويقول: "الربحية وجهة نظر. وبرأيي، تشغيل هذا النموذج في الساحل بالشكل الحالي مع الحفاظ على رضا العملاء يكاد يكون تناقضا." ويضيف أن العملاء يتوقعون مستوى الخدمة نفسه الذي يحصلون عليه في القاهرة، من حيث تنوع المنتجات وسرعة التوصيل والاعتمادية، وهو ما يجعل الحسابات الاقتصادية تنهار.
ويشير إلى أن شركات التوصيل السريع في أوروبا خسرت، بحسب تقديره، نحو 4.5 مليار دولار في عام 2021 وهي تحاول تطبيق نموذج التوصيل السريع في مناطق تفتقر إلى الكثافة السكانية، مضيفا أن الساحل أزال العنصر الوحيد الذي جعل النموذج ينجح في القاهرة. كما أن الاستثمار يتم بالكامل قبل موسم قصير ينتهي فجأة مع بداية العام الدراسي، دون أي هبوط تدريجي في الطلب.
فلماذا تستمر الشركات إذن؟ يرى علما أن الإنفاق في الساحل يجب النظر إليه باعتباره إنفاقا تسويقيا أكثر منه نشاطا تشغيليا. ويقول: "في أغسطس، يجتمع أكبر عدد من العملاء الأعلى قيمة في مصر داخل مساحة جغرافية واحدة، ولديهم وقت فراغ. إذا نجحت في كسبهم وإرضائهم هناك، فإن العائد سيظهر في القاهرة مع حلول أكتوبر." ويضيف أن المطورين العقاريين ينبغي أن ينظروا إلى البنية التحتية للتوصيل كما ينظرون إلى تنسيق الحدائق، لأنها تضيف قيمة حقيقية للمشروع.
العقبات
ولا تتوقف التحديات عند عمليات التوصيل نفسها، بل تمتد إلى العنصر البشري. فقد سبق أن أخبر مشغلو المطاعم في الساحل إنتربرايز أن أكبر التحديات تتمثل في استقطاب العمالة الموسمية وتوفير سكن لها. وترى لينا جاب الله، من تي إل تي كونسبتس، أن هذه المشكلة تتكرر كل عام، قائلة: "كل شيء يتغير من سنة إلى أخرى، ونجد أنفسنا مضطرين لإعادة بناء البنية التشغيلية باستمرار."
ويقول علما إن شركات التوصيل تواجه التحديات نفسها: مستودعات موسمية بأسعار مرتفعة، ومسافات طويلة بين القرى وداخلها، وبوابات دخول متعددة، وارتفاع تكلفة إسكان العاملين، إلى جانب محدودية العمالة المؤقتة وتنافس جميع الشركات عليها. كما أن الساحل يعتمد على طريق رئيسي واحد، بخلاف القاهرة التي تتيح مسارات بديلة عند حدوث ازدحام أو تعطل.
وتظل مشكلة العناوين من أكبر العقبات. ففي كثير من المناطق الراقية في مصر، لا توجد منظومة موحدة للعناوين، لذلك يعتمد السائقون على المعالم، ومشاركة الموقع المباشر، والرسائل الصوتية عبر واتساب. وفي الساحل تتفاقم المشكلة، إذ تقع الطلبات داخل قرى مسورة، غالبا دون عناوين واضحة، وبين صفوف متشابهة من الشاليهات. ويقول الصاحي إن "التنقل داخل القرى المغلقة وإدارة الكثافات خلال ساعات الذروة يتطلبان تنسيقا إضافيا."
المحطة التالية
يرى علما أن المعادلة ستتغير بالكامل عندما يتحول الساحل إلى وجهة مأهولة على مدار العام، وليس خلال أشهر الصيف فقط. ويقول: "عندما يعيش الناس في الساحل 12 شهرا، لن يعود الموسم نقطة انطلاق من الصفر، بل يصبح مجرد ذروة فوق قاعدة تشغيل قائمة، وهذا هو النموذج الذي يعرف القطاع كيف يحقق أرباحا منه." وعندها، ستتحول خدمات التوصيل الموسمية من مغامرة مستقلة إلى امتداد طبيعي لشبكة تعمل طوال العام، فيما ستكون الشركات التي استثمرت مبكرا في البنية التحتية الدائمة هي الأكثر استفادة من هذا التحول.