💰 في وقت تحتدم فيه المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون، تزداد التوترات السياسية بين قادة أوروبا والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذه التوترات لا تقتصر آثارها على صعيد السياسات أو التسليح أو الاقتصاد فحسب، بل تمتد إلى سباق الذكاء الاصطناعي. وقد برز مؤخرا اسم ميسترال، الشركة الفرنسية التي تعد بحلول ذكاء اصطناعي تمنح مؤسسات أوروبا ما تفتقر إليه في هذا الصدد: السيادة.
كيف بدأت الفكرة؟ في 2023، تعاون الباحثون السابقون في جوجل ديب مايند وميتا أرثر مينش وجيوم لامبل وتيموثي لاكروا، لتأسيس شركة ميسترال برؤيتها الأساسية التي ترتكز على مفهوم السيادة، فمع تزايد التوترات الأوروبية الأمريكية على أكثر من جبهة، يصبح من غير المستدام الاعتماد كليا على التكنولوجيا الأمريكية أو حتى الصينية. لذا، قدمت الشركة الفرنسية نماذج مفتوحة الأوزان وقدرات حوسبة يمكن تخصيصها بشكل كبير.
ما معنى ذلك؟ تخيل أنك قررت الذهاب إلى مطعم لتناول وجبة، وبدلا من أن يعدها الطاهي لك، يخبرك بمقاديرها والطريقة بالتفصيل لتتمكن من إعدادها في أي وقت تشاء، ذلك هو ما تقتضيه فكرة النماذج مفتوحة الأوزان، إذ تشارك ميسترال المعايير المدربة لبعض نماذجها، بحيث يمكن لأي جهة تنزيلها وتخصيصها وتشغيلها على أجهزته الخاصة، وهو عكس النهج المغلق الذي تعتمده أوبن أيه أي، ما يمنح المستخدمين سيادة وخصوصية وتحكم يبقي البيانات والنماذج داخل جدران المؤسسات.
تقييم مدفوع بالرؤية وليس الأرقام: دفعت رؤية الشركة التي تقدم حلا لمسألة مؤرقة بالنسبة لأوروبا المستثمرين لإعادة تقييم الشركة، التي دخلت محادثات مبكرة في يونيو الماضي لجمع نحو 3 مليارات يورو بتقييم يقترب من 20 مليار يورو، وهو ما يقرب من ضعف تقييمها البالغ 11.7 مليار يورو عندما جمعت 1.7 مليار يورو سبتمبر الماضي، ورغم أن الجولة لم تحسم بعد إلا أن الطموحات لا تزال مرتفعة.
من يمول الطموح الأوروبي؟
في جولة سبتمبر الماضي، ضخت شركة تصنيع أدوات الرقائق الهولندية أيه إس إم إل 1.3 مليار يورو من إجمالي التمويل، فضلا عن توقيع شراكة طويلة لاستكشاف حلول الذكاء الاصطناعي عبر محفظة الشركة الهولندية. يمثل هذا الاستثمار خطوة جديدة نسبيا، إذ لم تدعم أيه إس إم إل — المزود الحصري لتقنيات الطباعة الحجرية المتطورة التي تستخدمها شركات أشباه الموصلات في تصنيع رقائق منتجات مثل أيفون ومسرعات الذكاء الاصطناعي من إنفيديا — أي مطور ذكاء اصطناعي من قبل، كما أنها نادرا ما تغامر بالاستثمار في شركات ناشئة من الأساس.
تواجد خليجي قوي: تساهم شركة إم جي إكس — التي يرأسها الشيخ طحنون بن زايد وتدعمها مبادلة وجي 42 — في كامبوس أيه أي، وهو المشروع المشترك مع بي بي أي فرانس وإنفيديا وميسترال لبناء "أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي في أوروبا"، والذي أعلن عن توسيع طموحاته من بناء مجمع أولي بقدرة 1.4 جيجاوات شرق باريس إلى ما يصل إلى 3 جيجاوات على مستوى البلاد، مع التزام مالي يقدر بنحو 8.7 مليار دولار.
حسب الخطة: يأتي ذلك الزخم قبل شهر من إعلان الشركة الإماراتية، ومقرها أبو ظبي، الإغلاق النهائي لصندوقها الاستثماري الأول بإجمالي 49 مليار دولار في أوائل يوليو الجاري، لتتخطى بذلك التوقعات الأولية البالغة 45 مليار دولار.
شمال وشرق وغرب: تعتمد الشركة الإماراتية على مبدأ التنوع والتواجد في أهم أسواق التكنولوجيا عالميا، فإلى جانب استثماراتها الأوروبية، تخطط إلى توجيه نحو 80% من قيمة الصندوق إلى المشاريع الأمريكية، وكانت قد شاركت بالفعل في جولة تمويل تاريخية حصدتها إكس أيه أي التابعة لإيلون ماسك في يناير الماضي، قبل أن تستثمر في شركتي أنثروبيك وأوبن أيه أي في وقت سابق من العام الحالي. وفي يونيو، أشارت تقارير إلى أن إم جي إكس تدرس استثمار المليارات في الشركة المشغلة لمراكز البيانات داي وان ومقرها سنغافورة.
بالأرقام
تجاوز معدل الإيرادات السنوية المتكررة لشركة ميسترال 400 مليون دولار في أوائل 2026، بزيادة قدرها 20 ضعفا عن العام السابق، في حين تستهدف الشركة الوصول إلى مليار دولار بحلول نهاية العام. كما يبلغ إجمالي رأس المال الذي جمعته الشركة منذ عام 2023 نحو 4 مليارات دولار — وهو جزء بسيط من الميزانيات الضخمة التي تدعم منافسيها الأمريكيين — ما يؤكد أن تسعير الشركة عند 20 مليار يورو استنادا إلى هذه الأساسيات هو بمثابة علاوة جيوسياسية، تأتي بناء على الرهان بأن أوروبا بشكل عام وفرنسا تحديدا، مستعدة لدفع الكثير لخلق بطلها الخاص في مجال الذكاء الاصطناعي.
مفارقة: بينما يرتكز منتج ميسترال بأكمله على الاستقلالية عن البنية التحتية الأجنبية، إلا أن قدرات الحوسبة التي تضمن هذه الاستقلالية تعتمد على رأس المال الأجنبي وتكنولوجيا إنفيديا التي وقعت معها اتفاقية تطوير مشترك لنماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر في مارس الماضي.
المشكلة؟ في حال نجحت الشركة في اجتياز اختبار الفقاعة الاصطناعية التي تدور في حلقة مفرغة من الوعود البراقة والاستثمارات المبنية على الأمنيات والتسويق، يظل وجودها مرتبطا بتوجهات السياسة الأوروبية، ففي حال تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة والقارة العجوز، قد تتقلص ميزة الشركة بسرعة، ما قد يضع المساهمين في مأزق. الخبر السار؟ لا يبدو أن العلاقات على وشك التحسن في أي وقت قريب، أو على الأقل في وجود دونالد ترامب رئيسا.
وإن يكن؟
لا تقتصر أهمية ميسترال على كونها مجرد شركة تكنولوجية واعدة، بل تمثل حجر الزاوية في مساعي أوروبا لتحقيق الاستقلال التكنولوجي وتأسيس بنية تحتية رقمية سيادية بعيدا عن هيمنة عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة. وقد نجحت في بناء شراكات متعددة مع شركات مثل إير باص وبي إم دابليو في قطاع أنظمة الدفاع والأمان، كما وسعت شراكتها مع بنك بي إن بي باريبا لدعم الذكاء التوليدي للمجموعة، فضلا عن العديد من الشركاء الاستراتيجيين مثل أي بي إم وأمازون ويب سيرفس.
في الوقت ذاته، تمنح هذه الطموحات الأوروبية لاعبين إقليميين — مثل شركة إم جي إكس الإماراتية — فرصة استراتيجية لتنويع محافظهم في قطاع الذكاء الاصطناعي، وبناء شراكات قوية خارج الإطار الأمريكي المعتاد لتفادي قيود التصدير المحتملة. لكن يبقى التحدي الحاسم أمام ميسترال هو قدرتها على تحويل هذا الزخم الجيوسياسي والدعم المالي الضخم إلى إيرادات فعلية وحصة سوقية تواكب تقييماتها المليارية، وذلك قبل أن تتغير موازين السياسة العالمية أو تتبدد نشوة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.