Posted inشركات

رهان استراتيجي: فيزا تقود ثورة الدفع عبر الهاتف المحمول في المنطقة انطلاقا من مصر

يتواكب طرح خدمة نقاط الدفع "سوفت بي أو إس" في مصر مع تحول إقليمي أوسع تقوده شركة فيزا نحو بنية تحتية مالية ترتكز على الهواتف المحمولة. وكان البنك المركزي المصري قد أعلن في فبراير الماضي التفعيل الكامل لخدمة قبول المدفوعات الإلكترونية اللاتلامسية عبر الهواتف المحمولة أو الأجهزة اللوحية باستخدام تطبيقات "سوفت بي أو إس"، وألغى الحد الأقصى للمعاملات البالغ 600 جنيه، والذي كبّل مرحلة التشغيل التجريبي للخدمة على مدار عامين. وفي تصريحات سابقة لإنتربرايز، قالت ملاك البابا، نائب الرئيس والمدير العام لشركة فيزا في مصر، إن هذه الخطوة تفتح الباب على مصراعيه أمام "اقتصاد يعتمد على الهواتف المحمولة في المقام الأول".

ولا يزال النقد يهيمن على 60% إلى 70% من إجمالي المعاملات في مصر، حتى مع قفزة المعاملات غير النقدية بنسبة 45% على أساس سنوي بنهاية عام 2025، وفقا لبيانات البنك المركزي. ويفوق هذا المعدل بكثير المتوسط البالغ 50% في منطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، التي تخدمها فيزا.

وتتخذ فيزا من السوق المصرية ساحة اختبار تشغيلية لتوجهها نحو إعطاء الأولوية للهواتف المحمولة. وخلال منتدى فيزا للمدفوعات الذي استضافته العاصمة الفرنسية باريس الأسبوع الماضي، استعرضت قيادات الشركة خارطة طريق تضع خدمة تحويل الهواتف المحمولة إلى نقاط بيع كحل جذري لنحو 90 مليون شركة صغيرة في 85 دولة عبر منطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، لا تزال لا تقبل الدفع عبر بطاقات فيزا. وقال طارق محمود، الرئيس الإقليمي لفيزا بمنطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، خلال المنتدى، إن منتج فيزا أكسبت الذي يحول الهاتف إلى جهاز نقطة بيع، يغني التجار عن زيارة البنوك وتكبد عناء الانتظار لأسابيع للحصول على أجهزة الدفع التقليدية.

وكشف محمود أن حصة الدفع النقدي تراجعت من نحو 70% من إجمالي المعاملات قبل الجائحة إلى حوالي 50% بمنطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في الوقت الحالي، تزامنا مع ارتفاع عدد النقاط التي تقبل الدفع عبر بطاقات فيزا من 11 مليونا إلى 21 مليونا في غضون ثلاث سنوات. واستحدثت الشركة مؤخرا منطقة فرعية تضم مصر وليبيا والسودان، في إشارة هيكلية واضحة إلى أن الشركة تنظر إلى مصر كواحدة من أقوى فرص النمو ضمن تواجدها الإقليمي.

فيزا تعتمد على استراتيجية التكيف المحلي. وفي حديثه لإنتربرايز، قال والتر ليروني، رئيس خدمات القيمة المضافة لدى فيزا في منطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، إن النقد هو المنافس الحقيقي الوحيد لشركته في السوق، معتبرا أن "كل ما عداه يندرج تحت خانة الشركاء". وباتت منصة القبول الخاصة بفيزا تدعم حاليا تسوية مدفوعات شبكة ميزة الوطنية في مصر جنبا إلى جنب مع عملياتها؛ إذ تتميز أدوات الشركة بمرونتها الفائقة؛ "فربما تختار في مصر تفعيل الخصائص واحد، واثنين، وثلاثة، بينما تنتقي في الإمارات الخصائص أربعة، وخمسة، وستة"، وفق ليروني. وينسحب مبدأ التعايش هذا حتى على شبكة المدفوعات اللحظية إنستاباي، والتي يُنظر إليها أحيانا كمنافس محتمل، نظرا لتوجه فيزا نحو تسويق خدماتها عبر مسارات دفع لا تخضع لملكيتها المباشرة.

تسع ثورات متزامنة

وهنا يبرز السؤال المُلح: كيف ستبدو المدفوعات خلال السنوات القليلة المقبلة؟ ترى قيادات فيزا أن القطاع يُعاد تشكيله حاليا على وقع تسع ثورات تكنولوجية تجري في آن واحد، والتي تشمل الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتجارة عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي، والعملات المستقرة، وتقنية البلوك تشين. واستهل رئيس مجموعة فيزا، أوليفر جينكين، المنتدى بتحذير مبطن قائلا: "إن لم تشعر بشيء من التخبط الآن، فأنت حتما لا تتابع ما يجري بدقة". وأحصى جينكين الثورات الجارية، مشيرا إلى أن أي واحدة منها يمكنها تغيير معالم جيل بأكمله، مضيفا: "لدينا نحو تسع ثورات تحدث في الوقت ذاته".

وأعاد جينكين رسم هوية فيزا ككيان يرتكز على ثلاثة محركات للأعمال: مدفوعات الأفراد (أعمال الدفع بالبطاقات من المستهلك إلى الشركات، حيث لا تزال هناك تريليونات الدولارات من النقد والشيكات التي تنتظر الرقمنة)، وحلول حركة الأموال التجارية (التي تستهدف التدفقات الأضخم بين الأطراف الأخرى بما في ذلك التحويلات من شخص لآخر، ومن شركة لشركة، ومن الحكومة للمستهلك)، وخدمات القيمة المضافة (وهي حلول تكنولوجية مخصصة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدمها فيزا للعملاء الذين يفاضلون بين بناء أو شراء حلول لمشروعات التحديث المتعثرة). وتركز فيزا بشكل متزايد على المحرك الثالث، لا سيما في الأسواق الناشئة.

التجارة عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي لا تزال متعثرة

تتصدر التجارة عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي المشهد، لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد. وصف رئيس التكنولوجيا في فيزا، راجات تانيجا، هذا التحول بأن التجارة تنتقل من الاعتماد على العنصر البشري في الدورة الشرائية إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ليتغير دور الشبكة من تأمين عملية الدفع إلى تأمين نية الشراء، لأن هناك طرفا رقميا يمثلك". ويشرح جينكين، أن هذه التجارة تعتمد على تزويد وكيل تسوق رقمي بثلاثة عناصر رئيسية: بيانات دفع مشفرة، وسجل مشفر لمشترياتك وتفضيلاتك السابقة، ومجموعة من الضوابط (تحدد التجار المسموح بالشراء منهم وحدود الإنفاق). ليتولى الوكيل بعدها التسوق نيابة عنك.

مع ذلك، لا يزال التبني الفعلي بطيئا. فرغم الكشف عن خدمة فيزا إنتليجنت كوميرس قبل عام، أظهرت دراسة حديثة أجرتها الشركة شملت 6 آلاف مستهلك في 17 دولة، أنه بينما يستخدم 84% من المستهلكين أدوات وكلاء الذكاء الاصطناعي كجزء من عملية التسوق، إلا أن ذلك يقتصر بالأساس على البحث أو الاستكشاف، وليس الشراء الفعلي. وقال جينكين: "التجارة القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي متعثرة قليلا في الوقت الحالي لأن شبكة الإنترنت صُممت بالأساس من أجل البشر؛ فهي مليئة بالألوان والصور والخطوط والنوافذ المنبثقة المصممة لإغراء البشر بالشراء، وهي تفاصيل لا تعني الروبوتات في شيء. لذا، فإن معدل الخطأ يكون مرتفعا جدا إذا حاول الوكيل الرقمي الشراء عبر شبكة مصممة للبشر". ويعمل القطاع حاليا على تطوير بروتوكولات ومعايير وواجهات برمجة تطبيقات جديدة، لكن هناك عقبة أخرى تتجاوز الجانب التقني، تتمثل في حاجة البشر إلى التعود على فكرة ترك وكلاء رقميين يتسوقون نيابة عنهم، وهذا سيستغرق بعض الوقت.

البلوك تشين والعملات المستقرة

أشار جينكين إلى أن البلوك تشين والعملات المستقرة لا تزال في مراحلها الأولى من التطوير. وأضاف: "من خلال ربط العملات المشفرة بالعملات الورقية التقليدية، فإنك تحول ما كان يُعد تاريخيا مجرد أصل للمضاربة، إلى أداة تمتلك القدرة على أن تصبح جزءا من البنية التحتية الأساسية لمنظومة المدفوعات وحركة الأموال العالمية". ويرى جينكين أن فيزا قادرة على لعب دور محوري في سد الفجوة بين عالم العملات المشفرة والمستقرة، وعالم العملات الإلزامية، لا سيما في الأسواق الناشئة التي تعاني من تقلبات في عملاتها.

ماذا يعني ذلك للمنطقة؟

ترتكز الرؤية المستقبلية على افتراض وجود مستهلك يعتمد على الحلول الرقمية أولا، وهو ما ينطبق حاليا على شريحة محدودة من الـ 85 دولة الواقعة في منطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. وردا على سؤال عما إذا كان المستقبل القائم على وكلاء الذكاء الاصطناعي والعملات المستقرة يهدد بتوسيع الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة وأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، استبعد تانيجا ذلك، مؤكدا أن "هذه التقنيات تملك قدرة هائلة على الانتشار السريع والوصول للمستخدمين بتكلفة زهيدة عبر هواتفهم".

وتبقى فرص النمو هائلة، وتحديدا في مصر التي بدأت للتو في تقنين البنية التحتية للمدفوعات عبر الهاتف. فموافقة البنك المركزي المصري على خدمات نقاط الدفع "سوفت بي أو إس" تمثل مفتاح الانفراجة التنظيمية، بينما يوفر منتج فيزا أكسبت الحل التشغيلي، في حين يُعد استحداث منطقة فرعية تضم مصر وليبيا والسودان خطوة هيكلية استراتيجية. أما القفزات التالية، كالتجارة القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي، أو البطاقات المرتبطة بالعملات المستقرة، أو التدفقات العابرة للحدود والقائمة على البلوك تشين — فيتوقف كليا على ما إذا كانت هذه البنية التحتية القائمة على الهواتف، والتي تُبنى الآن، قادرة على التوسع بالسرعة الكافية للحاق بالثورة التكنولوجية المقبلة.

هل ستظل فيزا مجرد شركة لإصدار البطاقات بعد خمس سنوات، أم ستتحول إلى بنية تحتية خفية؟ يجيب تانيجا: "التطور من البطاقة البلاستيكية إلى بيانات الاعتماد، ثم إلى الرموز المشفرة سيستمر بلا شك. نحن في الأساس مؤسسة لترسيخ الثقة". ويختتم: "التنبؤ بشكل القطاع بعد عام يبدو صعبا للغاية، ناهيك عن خمس سنوات، لكن الثابت الوحيد هو أن الثقة ستظل حجر الزاوية لأي ابتكار نتحدث عنه اليوم. ومتى توافرت هذه الثقة، سيسير كل شيء آخر في مساره الصحيح".

العلامات: