Posted inإنتربرايز تشرح

كيف سلبنا التزييف العميق ثقتنا في كل ما نراه؟

🤖 في زمن التزييف العميق، يشك الإنسان المعاصر حتى في أصابع يده، والدليل؟ تزييف مكالمات الفيديو، إذ يدخل أحد المحتالين مكالمة ما، وفي بضع ثوان يستبدل برنامج للتزييف العميق وجهه بوجه شخص آخر، دون أن يدري أحد حقيقة هذه الخدعة. يمكن لأدوات مثل برنامج هاوتيان إيه أي الصيني — الذي يتم تسويقه بالأساس للمحتالين — القيام بذلك على تطبيقات واتساب وزووم وتيمز، وفقا لموقع 404 ميديا. ما نحن بصدده ليس خطرا مستقبليا يحتمل حدوثه، بل أضحى واقعا فعليا يجسد احتيالا لم تعد العين البشرية العادية أو الخبيرة قادرة على اكتشافه.

أولا.. خلفية سريعة: تقنية التزييف العميق تعني صورا أو مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية مولدة أو معدلة بالذكاء الاصطناعي، تجعل الشخص يبدو وكأنه فعل أو قال شيئا لم يفعله أو يقله قط. عند ظهورها لأول مرة، كان من السهل رصد العلامات الدالة عليها، مثل الرمش غير الطبيعي بالعين وتشوه ملامح الوجه والحركات الآلية، ولكن مع تطور الذكاء الاصطناعي، اختفت تلك الثغرات إلى حد كبير.

احتيال ربما لن نتمكن من اكتشافه.. والبيانات تثبت ذلك

"لم أعد أصدق ما تراه عيني"، حسبما صرح هاني فريد، أبرز خبراء الأدلة الجنائية الرقمية في العالم، لصحيفة نيويورك تايمز. وعندما عرض باحثون على مشاركين من الولايات المتحدة 16 مادة بصرية نصفها مولد بالذكاء الاصطناعي، بلغ متوسط درجاتهم في الاكتشاف 0.07 فقط على مقياس من -1 إلى 1، إذ يمثل الصفر مجرد الصدفة البحتة، وفقا لتقرير التزييف العميق لعام 2026 الصادر عن شركة فيريف، ولا تختلف هذه النتيجة إحصائيا عن نتيجة القرعة برمي عملة معدنية في الهواء.

خداع الفيديوهات له طبيعته الخاصة: في اختبار للمقارنة، أخطأ 70% من المشاركين في تصنيف الفيديو المولد بالذكاء الاصطناعي على أنه حقيقي، وفقا للتقرير ذاته، إذ توصلت الشركة إلى أن التكتيكات التي يعتمد عليها معظم الأفراد لاكتشاف التزييف مثل ملمس البشرة غير الطبيعي أو نسب الوجه الغريبة أو الحركة المتقطعة، هي بالضبط العيوب التي صممت أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة للتخلص منها، وبالتالي أضحى الأفراد يبحثون عن عيوب لم تعد موجودة أصلا.

فيم يستخدم التزييف العميق حاليا؟

حوادث وقعت مؤخرا: اضطر بنك إنجلترا إلى إصدار بيان عام بعد انتشار مقطع فيديو مزيف يظهر فيه المحافظ أندرو بيلي في شجار بالأيدي مع السياسي نايجل فاراج، إذ لم يدرك جزء كبير من الجمهور أنه فيديو مزيف، وفقا لصحيفة الجارديان. أما في كندا، يواجه رجل 79 تهمة بعد إنشائه عشرات المقاطع المزيفة لنساء في أوضاع عنيفة وجنسية دون موافقتهن، وفقا لشبكة سي بي سي.

المخاطر الأمنية أبعد من ذلك: بعد فترة وجيزة من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو مزيف للرئيس فولوديمير زيلينسكي يحث فيه جيش بلاده على الاستسلام، وهو أحد أبرز الأمثلة على استخدام التزييف العميق كسلاح حرب، وفقا لمعهد بوفيت التابع لجامعة نورث وسترن. منذ حينها، حدد الباحثون مجموعة من الاستخدامات الأمنية المحتملة لهذه التقنية من بينها تزوير الأوامر العسكرية وتشويه سمعة القادة السياسيين واستغلال التوترات الوطنية لتعميق الاستقطاب.

الجميع ضحايا

نحو 79% من المشاركين الأمريكيين قلقون بشأن الاحتيال الشخصي القائم على التزييف العميق، لكنهم في الوقت ذاته يميلون إلى الوثوق بمنصات تدير المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي نيابة عنهم، وفقا لتقرير فيريف. يمثل هذا المزيج من القلق الشديد وضعف القدرة على الاكتشاف وتفويض المسؤولية للغير، البيئة المثالية التي يستغلها المحتالون بفعالية.

يقع نحو 7% من المشاركين في فئة عالية المخاطر، تتسم بضعف القدرة على اكتشاف التزييف والثقة العالية في النفس وعدم الاعتياد على التحقق من المحتوى المشبوه، ما يجعلهم هدفا مستمرا ومتوقعا لعمليات الاحتيال القائمة على التزييف العميق، لذا من الضروري تغيير الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع أي محتوى إعلامي يتعلق بأموالهم أو بياناتهم الشخصية، وذلك من خلال التحقق من مصادر مستقلة وموثوقة، بحسب فريد.

نظرة على الداخل

لا تواجه مصر حتى الآن نفس حجم حوادث التزييف العميق التي تشهدها الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو كندا، لكن الحكومة تتخذ خطواتها للتحذير من المصير ذاته، إذ تؤكد المباديء الوطنية التوجيهية للذكاء الاصطناعي التوليدي على الشفافية والإفصاح الإلزامي عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، مع التوصية بوضع ضمانات مشددة للقطاعات عالية المخاطر مثل القطاع الحكومي. وفي عام 2022، أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى تحرم إنتاج مقاطع التزييف العميق، مشيرة إلى إمكانية استخدامها في الاحتيال والتشهير ونشر المعلومات المضللة.

.. ولكن: السياسات وحدها لا تكفي، إذ يتعين على المؤسسات تطوير أنظمة التحقق لديها بما يتجاوز الوسائل التقليدية، وبناء بنية تحتية قادرة على التعرف على المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي قبل أن يتسبب في أي أضرار، وفقا لتوصيات منتدى الاقتصادي العالمي، وهو معيار ينطبق على البنوك والمؤسسات الإعلامية والجهات الحكومية المصرية، مثلما ينطبق على نظيراتها في أي مكان آخر.