Posted inلوجستيات

مصر تسعى لتعزيز حضورها اللوجستي في شرق أفريقيا.. لكن هل لديها خطة لتحقيق ذلك؟

تحاول مصر حجز مكان لنفسها في أحد أهم الممرات التجارية في العالم، وهي شبكة موانئ البحر الأحمر وشرق أفريقيا، التي تربط قطاع الصناعة الآسيوي بالأسواق الأفريقية والأوروبية.

لا يواجه هذا الممر سوى عدد قليل من نقاط الاختناق؛ فجيبوتي تدير أكثر من 90% من حجم تجارة إثيوبيا الحبيسة منذ عام 2024، وهو دور كانت تلعبه موانئ مصوع وعصب الإريترية قبل الصراع الذي أربك العلاقات الثنائية. وفي الوقت ذاته، تمثل كينيا نقطة الارتكاز لهذا الممر من جهة المحيط الهندي، لتخدم دولا مثل أوغندا ورواندا وجنوب السودان، وغيرها.

الصورة الأكبر: الموانئ التي تركز عليها مصر في شرق أفريقيا هي جزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية، والتي تنفذها الصين منذ عقد من الزمان لتمويل وبناء الموانئ والسكك الحديدية والطرق التي تربط مصانعها بالأسواق الخارجية، إذ اشترت مجموعة تشاينا ميرشانتس المملوكة للدولة حصة قدرها 23.5% في ميناء جيبوتي عام 2013، وأنشأت محطة دوراليه متعددة الأغراض. كما انضمت إريتريا إلى مبادرة الحزام والطريق في عام 2021، ومنذ ذلك الحين تعمل الشركات الصينية على تحديث ميناء مصوع، وبناء الطريق الذي يربطه بميناء عصب. وهذا ما يجعل تلك الشبكة الإقليمية في شرق أفريقيا جزءا مهما من طريق التجارة بين آسيا وأوروبا.

وبفضل اتفاقية النقل البحري التي أبرمتها مصر مع إريتريا وحضورها في ميناء دوراليه بجيبوتي، فإن القاهرة لديها احتكاك مباشر مع هذا الممر، وليس فقط مع الأسواق المحلية في شرق أفريقيا. لكن لا يتضح ما إذا كانت هذه استراتيجية متعمدة أم مجرد استغلال للفرص الناجمة عن الاختناقات والاحتياجات في بقية المنطقة. وقد تحدثنا مع عدد من المصادر في قطاعات الشحن والموانئ والتجارة ممن يتابعون التحركات المصرية للإجابة عن هذا السؤال.

هذا التوسع من جانب مصر في موانئ شرق أفريقيا "يتعلق بأزمة البحر الأحمر في المقام الأول، ثم بممر الحزام والطريق في المقام الثاني"، حسبما صرح لنا فولفغانغ ليماخر، الرئيس السابق لقطاعي النقل وسلاسل التوريد في المنتدى الاقتصادي العالمي. وأضاف أن تحركات مصر نحو جيبوتي وبرنيس وسفاجا تعد توظيفا للبنية التحتية التي بنيت ضمن مبادرة الحزام والطريق، بهدف تعزيز قوتها في هذا الممر وعقيدتها الأمنية في ذلك الممر البحري المضطرب.

ويوضح ليماخر أن مصر "تستخدم تمويلات مبادرة الحزام والطريق للمبادرة ببناء مسارات بديلة"، أي محفظة من المسارات الأخرى لخطوط التجارة بين آسيا وأوروبا ترتكز على جيبوتي وبرنيس وسفاجا، بدلا من المراهنة على طريق واحد. وأضاف أن "نقاط الاختناق لم تعد مجرد ممرات، بل أدوات للنفوذ"، مشيرا إلى أن الاستثمارات المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق ترتقي بمصر "من مجرد دولة عبور إلى مهندس للممرات التجارية بين الصين وأوروبا ودول الجنوب العالمي بأسره"، فالموانئ التي تستهدفها لم تعد مجرد محطات توقف.

الخطوات المبدئية للدولة

أوضح إشارة تنظيمية على هذا التوجه حتى الآن هي قرار مصلحة الجمارك بتوسيع نطاق إعفاء شحنات الترانزيت من التسجيل المسبق، ليشمل كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وجيبوتي وإثيوبيا. يلغي هذا الإجراء متطلبات التسجيل المسبق لشحنات الترانزيت التي تقع وجهتها النهائية خارج مصر، مما يسهل استخدام الموانئ المصرية كمحطات عبور للشحنات التي تتحرك عبر مسارات التجارة في شرق أفريقيا. طبقت مصر هذا الإعفاء بداية من شهر مارس على شحنات الترانزيت المتجهة إلى دول الخليج عبر موانئ نويبع والعين السخنة وسفاجا. وإضافة 6 دول من شرق أفريقيا إلى نطاق الإعفاء تشير إلى أن مصر لديها طموحات أخرى.

واكبت الدولة هذا التوجه التنظيمي بآخر على أرض الواقع، وأسست شركة تراست القناة لخدمات السفن لتقديم إجابة على السؤال المتبقي: ما هو الطريق الفعلي الذي ستخدمه الدولة في شرق أفريقيا؟ هذه الشركة هي مشروع مشترك بين شركة القناة للتوكيلات الملاحية وشركة تراست للتجارة والنقل، ودورها هو تشغيل سفن تجارية متخصصة لنقل الماشية والبضائع المصرية بين الموانئ المصرية وموانئ شرق أفريقيا، إلى جانب تقديم خدمات الوكالة الملاحية والتخليص الجمركي والنقل البري والتخزين والتنسيق مع سلطات الموانئ والجمارك والجهات البيطرية والتنظيمية. ومن المقرر أن يكون ميناء سفاجا هو أول ميناء لرسو سفن الشركة، على أن تليه موانئ أخرى على البحر الأحمر.

تذكر: تسارعت وتيرة مساعي مصر لحجز مكان لها بتلك المسارات خلال الأشهر القليلة الماضية. فقد أبرمت اتفاقا بحريا مع إريتريا لتدشن طريقا مباشرا لشحن البضائع عبر البحر الأحمر بين البلدين، وأمنت لنفسها موطئ قدم في ميناء دوراليه بجيبوتي. كما تروج لميناء برنيس الواقع على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر كبوابة لوجستية ومنطقة اقتصادية لجذب المستثمرين الجدد منذ عام 2024 على أقل تقدير.

والقطاع الخاص يراهن على تلك المساعي أيضا

تخطط شركة أوراسكوم للاستثمار القابضة لاستغلال زخم الممر البحري عبر منصتها أوتروفاتو المتخصصة في التجارة بين مصر وكينيا، والتي ستبدأ أعمالها العام المقبل. ضمت الشركة حتى الآن نحو 200 مصنع مصري، وتستهدف الوصول بحجم التجارة بين مصر وكينيا إلى 30-60 مليون دولار، وهو ما يمثل نحو 5-10% من حجم التجارة بين البلدين حاليا، مع التركيز على المواد الغذائية ومواد البناء والأثاث والأسمدة والبلاستيك. ومن المقرر تأسيس منصة رقمية متكاملة تربط الموردين المصريين بالمشترين في شرق أفريقيا عام 2027، وستكون كينيا أول مركز لها، وتستهدف ضم 500 مصنع خلال عامين.

زحام جدة يفتح الباب للموانئ المصرية

العامل الحاسم في توفر هذه الفرصة لا يعتمد فقط على تحركات القاهرة، بل على عنق الزجاجة المجاور. فقد جرت العادة أن تمر شحنات الترانزيت المتجهة إلى شرق أفريقيا عبر ميناء جدة، لكن الميناء يرزح تحت ضغوط ترتبط بحالة عدم اليقين في مضيق هرمز، إذ تنتظر السفن لأسبوعين أو أكثر حتى تُتاح الأرصفة بسبب نقص الشاحنات وتكدس الساحات الداخلية للحاويات، مما يعوق سلسلة التوريد، وفقا لأحمد مصيلحي، مدير المشاريع في مجموعة فينمار.

هذا التكدس يفتح بابا لم تدخله مصر بعد. فالحاويات القادمة من آسيا يمكن تفريغها في محطات البحر الأحمر المصرية وإعادة توزيعها في جميع أنحاء شرق أفريقيا عبر سفن أصغر حجما، وهو نفس النموذج الذي اتبعه ميناء جدة لسنوات، بحسب مصيلحي. وتبدي خطوط الشحن بالفعل اهتماما ملموسا بهذا الأمر، مدفوعة بالسعة المتاحة في ساحات الموانئ المصرية، والتوجه الأوسع في القطاع نحو زيادة مرونة سلاسل التوريد بعد الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز.

لكن: التجارة المباشرة بين مصر وشرق أفريقيا وحدها لن تدفع خطوط الشحن في هذا الاتجاه، فحجم التجارة المتبادلة ليس كبيرا بما يكفي، كما أن أسعار الشحن على هذا الطريق منخفضة إلى درجة تجعل الخدمة غير مربحة لملاك السفن، وفقا لمصيلحي. واستغلال هذه الفرصة يتطلب تحرك القطاع بأسره معا، وليس وزارة واحدة فحسب.

بدأنا نرى بالفعل شكل هذا الطلب خارج إطار قطاع حاويات الشحن التقليدية. فقد اضطرت شركات التصنيع المصرية مثل السويدي إلكتريك إلى استخدام سفن متخصصة في الرفع الثقيل، لنقل المكونات الضخمة إلى سد جوليوس نيريري في تنزانيا عبر ميناء دار السلام قبل نقلها برا، حسبما أوضح مصيلحي. وتنسق مجموعة فينمار حاليا مع مشغلي المحطات لتأسيس ممر لوجستي دائم، وهي خطوة يؤكد مصيلحي أن وتيرتها تسارعت بسبب الإعفاءات الحكومية الأخيرة لتجارة الترانزيت.

رأينا: هذه المساعي بإمكانها أن تخدم مسارات أخرى كذلك. فالمحطات التي تُبنى لاستقبال البضائع الآسيوية المتجهة إلى شرق أفريقيا ستكون قادرة كذلك على استقبال البضائع الآسيوية المتجهة إلى أوروبا، وهي طريقة أخرى لتستفيد مصر من ذلك الممر في خدمة حركة شحنات البضائع العابرة عموما، بدلا من خدمة تجارة طرف معين.

الرهان الأبعد: نهر النيل

تمضي المساعي المكملة لتلك الجهود البحرية بوتيرة أبطأ. فقد أقر مجلس الوزراء عقدا مع شركة فريكونتيس النمساوية لتطوير نظام معلومات نهري يغطي مجرى النيل، عبر تزويد السفن بأدوات ملاحة فورية تتيح تنفيذ العمليات التجارية على مدار 24 ساعة، وتهدف الحكومة من ذلك على المدى الطويل إلى رفع حصة نهر النيل من حركة نقل البضائع إلى 10% بحلول عام 2038. إذ تستطيع العبارة النهرية الواحدة حمل ما يعادل حمولة 40 شاحنة، ويعد نظام فريكونتيس أول استثمار حقيقي في البنية التحتية الرقمية، بهدف تحويل نهر النيل إلى شريان لوجستي تجاري بدلا من مجرد ممر مائي ذي مناظر خلابة.

رأينا: إذا أصبحت موانئ البحر الأحمر محطة إعادة التوزيع في هذا الممر، فإن نهر النيل هو وسيلة السيطرة على المرحلة التالية، أي نقل البضائع إلى عمق الدول الأفريقية الحبيسة بمجرد وصولها إلى اليابسة.

ومع ذلك، فإن تحويل نهر النيل إلى طريق شحن فعال يتطلب التغلب على العوائق المادية في النهر، مثل المناطق غير الصالحة للملاحة والشلالات والسدود التي تقسم الممر المائي إلى أجزاء منفصلة، والتي لا يمكن لأي سفينة عبورها دون أعمال هندسية كبرى. ويرى الخبراء أن هذا الربط سيحتاج إلى دراسات جدوى متعمقة قبل اتخاذ أي خطوة.

ما نترقبه: يرى ليماخر أننا على مدى 3-5 سنوات علينا أن نتابع "ما إذا كانت مصر ستحول هذه المساعي لإعادة تصميم المسارات اللوجستيات في ظل الأزمات الحالية إلى نفوذ اقتصادي دائم، أم ستكتفي بمشاهدة المسارات المنافسة وهي تقوض أهميتها، بينما تتفكك حركة الشحن العالمي إلى خريطة من الممرات البحرية المتنافس عليها والتي تتزايد فيها الخيارات البديلة".