Posted inبعد الخامسة

لبسي: تطبيق يعيد الحياة للملابس المستعملة في مصر

🛒 قبل بضع سنوات كانت عبارة الملابس المستعملة في مصر تحمل وصمة اجتماعية، إذ لم تكن مرتبطة بالاستدامة أو الأناقة أو حتى توفير النفقات. أما اليوم، فقد أسهم التضخم وارتفاع الوعي الاستهلاكي في تغيير هذه النظرة، ومع صعود تريند الوكالة والانتشار المتزايد لشراء الملابس المستعملة، أصبحت هذه السوق جزءا من النمط الاستهلاكي اليومي لدى كثير من المصريين. من هذا التحول، رأت لارا سليمان(لينكد إن)، الشريكة المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمنصة لبسي، فرصة لبناء منظومة أكثر تنظيما لإعادة بيع الأزياء عبر الاستفادة من الملابس المكدسة في خزانات المصريين، وحولت هذه الفكرة إلى واقع بإطلاق تطبيق لبسي عام 2024.

نجح التطبيق في جذب أكثر من 30 ألف مستخدم دون إنفاق كبير على الإعلانات، في إشارة واضحة إلى تفاعل المستهلكين في مصر مع رؤية سليمان. "الأمر المثير للسخرية هو أنني لم أكن أخطط لأن أصبح رائدة أعمال بالأساس، لكن حجم المشكلة التي لمستها ووضوح الحل المتاح دفعاني لخوض التجربة دون تردد"، أوضحت سليمان لإنتربرايز.

من برلين ونيويورك إلى الوكالة

بدأت علاقة سليمان بالملابس المستعملة قبل نحو 10 سنوات، إذ كانت تحرص على زيارة الوكالة خلال عطلاتها الصيفية والشتوية، رغم عدم ترحيب والديها بالفكرة آنذاك، وبحكم إقامتها معظم فترات حياتها في أوروبا والولايات المتحدة تشكل شغفها بالأزياء المستعملة عبر متاجر البيع بالكيلو في برلين ومتاجر الفينتج الكلاسيكية في نيويورك ومنصات إعادة البيع الشهيرة مثل فينتد وديبوب. عندما عادت للاستقرار في مصر خلال فترة الجائحة كانت نظرة المجتمع إلى الوكالة قد تغيرت، إذ أصبح مفهوم الملابس المستعملة يحظى بقبول أوسع، كما تحولت فعاليات تبادل الملابس إلى نشاط دوري بين صديقاتها.

رغم خلفيتها الأكاديمية في الدراسات الدولية والاقتصاد ومسيرتها المهنية المبكرة في مجال البيانات والتنمية، اتجهت سليمان إلى عالم الأزياء في خطوة لم تكن متوقعة، إلا أنها كانت سبيلها الوحيد إلى تحقيق طموحها في إحداث تأثير مباشر في هذا القطاع. أسست تطبيق لبسي بالتعاون مع صديق طفولتها توماس ويرنيجا (لينكد إن)، المتخصص في علوم البيانات والاقتصاد القياسي، والذي قاد تطوير التطبيق من الصفر وأشرف على جميع الجوانب التقنية والتشغيلية واللوجستية.

لم تعتمد لبسي على حملات تسويقية ضخمة لاستقطاب المستخدمين، إذ لم تستثمر منذ إطلاقها سوى في إعلانين فقط. معتمدة على استجابتها لاحتياج قائم بالفعل، إذ كان يبحث المستخدمين عن مساحة تمنح ملابسهم فرصة ثانية وتساعدهم على اكتشاف قطع مميزة واقتصر دور لبسي على تسهيل هذا التفاعل، بحسب سليمان.

كنوز مهدرة

سعت سليمان من خلال إلى إعادة تعريف تجربة شراء الملابس المستعملة وجعلها خيارا متاحا ومقبولا للجميع، مع تغيير الصورة النمطية التي تربط هذا النوع من التسوق بالسلع الرخيصة أو منخفضة الجودة. ورغم أن المنصة تشجع على إعادة تدوير القطع المستعملة، فإن نحو 60% من المعروضات عبارة عن ملابس جديدة تماما لا تزال تحمل بطاقات أسعارها الأصلية ولم ترتد سوى مرة واحدة أو لم تستخدم مطلقا، كما يتيح التطبيق فرصة لاقتناء قطع فينتج كانت تباع بأسعار مرتفعة في السابق، وهو ما ينعكس بوضوح على تنوع قاعدة مستخدمي التطبيق.

سوق عابرة للأجيال: أظهرت أبحاث السوق التي أجرتها سليمان قبل إطلاق التطبيق أن الأجيال الأكبر سنا التي قد لا تكون على دراية كافية بهذا التوجه مقارنة بالشباب ترحب بالفكرة أيضا. "نعمل على تلبية هذا النطاق الواسع من الأسعار والفئات والاحتياجات، بما في ذلك طلاب الجامعات الراغبين في تحويل خزاناتهم المكدسة إلى سيولة نقدية لتغطية نفقاتهم، وجامعي القطع الثمينة المهتمين بشراء وبيع قطع الفينتج من العلامات العالمية، إلى جانب الأمهات الراغبات في بيع ملابس أطفالهن التي أصبحت غير مناسبة لهم"، تضيف سليمان.

في حال كان المستخدمون من المتمرسين في شراء الملابس المستعملة أو ممن يخوضون التجربة للمرة الأولى، فإنهم يطرحون دائما الأسئلة ذاتها: هل هذه القطعة نظيفة بالفعل؟ ما مصدرها؟ ماذا لو استلمتها وبها عيب؟ وكيف يمكنني إرجاعها؟ وهنا يأتي دور لبسي في بناء منظومة قائمة على الثقة وتقليل المخاطر المرتبطة بالتجربة، بحسب سليمان.

الثقة أولا

على غرار منصات التسوق الحديثة، تعتمد لبسي على نظام توصيات مدعوم بالذكاء الاصطناعي، يحلل تفضيلات المستخدمين ويقترح عليهم القطع الأقرب إلى أذواقهم. كما تتميز المنصة بنظام حماية المستهلك، إذ تضاف رسوم إلزامية إلى كل عملية شراء لفحص جودة القطعة والتأكد من مطابقتها للمواصفات قبل تسليمها. تسير هذه العملية وفق خطوات محددة، إذ يتولى أحد سائقي المنصة استلام القطعة مباشرة من البائع ونقلها إلى مركز مراقبة الجودة التابع للشركة، حيث تخضع للفحص للتأكد من خلوها من العيوب ومطابقتها للمواصفات المعروضة على التطبيق بالتعاون مع شركة بريطانية متخصصة في مصادقة السلع المعاد بيعها، وفقا لسليمان.

تتضمن عمليات الشراء خدمات اختيارية للتنظيف الجاف داخل المركز، يليها فحص دقيق للقطعة للتأكد من مطابقتها للمواصفات قبل تسليمها إلى المشتري، وتجتاز نحو 89% من القطع المعروضة هذا الفحص بنجاح. "حقق مستخدمونا ملايين الجنيهات عبر منصتنا، وتلقينا رسائل من أشخاص أكدوا لنا أن التطبيق ساعدهم في تجاوز أوقات عصيبة من حياتهم، وهو ما يعني لي الكثير"، تقول سليمان.

بخلاف معظم منصات التجارة الإلكترونية التي تعتمد على مستودعات ضخمة لتخزين البضائع، يتواجد مخزون لبسي الذي يبلغ نحو 70 ألف قطعة بالكامل تقريبا داخل خزانات ملابس مستخدمين التطبيق ما يقلل الحاجة إلى رؤوس أموال كبيرة للتوسع، إذ تتعامل المنصة مع كم كبير من الطلبات يوميا داخل مركز مراقبة الجودة، دون أن تتجاوز مدة بقاء أي قطعة هناك 24 ساعة، وتؤكد سليمان أن هذا النموذج يتيح قابلية عالية للتوسع بكفاءة ويعتمد على هيكل عمل مرن ومنخفض التكاليف.

طموح يتخطى حدود العاصمة

تتطلع لبسي إلى توسيع نطاق خدماتها خارج القاهرة، لتصل إلى جميع أنحاء مصر، ثم إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع توفير خدمات الشحن في اليوم نفسه أو في اليوم التالي، وتبدأ خطتها الحالية بإتاحة المنصة في مزيد من المدن المصرية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة.

بالنسبة لسليمان، الجانب الأكثر إرضاء في رحلة بناء لبسي هو رؤية الفكرة تتحول من مجرد خيال إلى واقع ملموس، إذ تسترجع كيف كانت تدون في مذكراتها قبيل إطلاق التطبيق بعامين أن هدفها المباشر يتلخص في تشغيل المنصة وتأمين التمويل لها، وهو ما حققته لبسي مؤخرا بإغلاق جولتها التمويلية ما قبل الأولية بدعم من صناديق رأس المال المغامر ومستثمرين ملائكيين.