Posted inحياة المكتب

مفارقة توظيف النساء في سوق العمل المصرية: أرقام مبشرة نظريا.. مقلقة عمليا

♀️ المشكلة غير المتوقعة للنساء في سوق العمل المصرية: يبدو أن النساء اللاتي يتقدمن لوظيفة مكتبية هن أوفر حظا من الرجال، إذ من المرجح أن تتلقى السيدات ردودا بنسبة تفوق قليلا معدلات الرد التي يتلقاها الرجال، وذلك بحسب تقرير شركة بشر سوفت، المطورة لمنصة التوظيف وظف الشهيرة.

ما معنى ذلك؟ يستند التقرير إلى بيانات جمعتها الشركة على مدار عام كامل من المنصة، شملت 5.4 مليون طلب توظيف من أكثر من 400 ألف باحث نشط عن العمل عبر 50 ألف إعلان وظيفي في عام 2025، وجاءت النتيجة غير المتوقعة: جذبت طلبات توظيف النساء مشاهدات من أصحاب العمل بنسبة تفوق الرجال بـ 6.2%، مع ارتفاع معدل التواصل وعروض المقابلات بنسبة 1.4% لكل طلب.

ما المشكلة إذن؟ شكلت النساء نسبة 41% من الباحثين عن عمل عبر منصة وظف، لكنهن قدمن 29% فقط من إجمالي الطلبات، إذ بلغ متوسط عدد الوظائف التي تتقدم لها النساء نحو 10.6 طلب لكل باحثة، مقارنة بنحو 14 وظيفة للرجال، ما يعني هذا أن عددا أقل من النساء يدخلن سوق البحث عن عمل، ومن يفعلن ذلك يتقدمن بوتيرة أقل.

يتجلى هذا التراجع بوضوح أكبر عند النظر إليه حسب الفئة العمرية، ففي المرحلة العمرية بين 17 و23 عاما، وهي سنوات الدراسة الجامعية ومرحلة التخرج، تتطابق معدلات تقديم النساء لطلبات التوظيف تقريبا مع معدلات الرجال. لكن بعد سن 24 عاما، تبدأ الفجوة في الظهور وتتسع باطراد: فبحلول 25 عاما، يقدم الرجال طلبات توظيف تبلغ ضعف ما تقدمه النساء، وبحلول 36 عاما، ترتفع النسبة إلى ثلاثة أضعاف، لتصل إلى خمسة أضعاف بحلول 43 عاما. يتزامن هذا التراجع بشكل شبه تام مع سن الزواج ومرحلة تربية الأطفال، دون أن تسجل هذه المعدلات أي تعاف لاحق.

يتماشى ذلك مع المشهد الكلي الذي يبدو أسوأ بقليل مما تعكسه بيانات المنصة، إذ تمثل النساء نحو 53% من خريجي الجامعات في مصر، لكن حصتهن في القوى العاملة أقل بكثير، إذ تقارب نسبة مشاركة الإناث في القوى العاملة 18% مقابل نحو 73% للرجال، بحسب بيانات البنك الدولي، وهو من بين أدنى المعدلات عالميا. هذه النسبة مرشحة لمزيد من التراجع، إذ تراجعت مشاركة الإناث بنحو 16.5% في عام 2024، مقارنة بنحو 23% في عام 2010 وهو تراجع يبلغ 6.5 نقطة مئوية خلال 14 عاما، بحسب بيانات منظمة العمل الدولية، وذلك رغم تفوق النساء المستمر في معدلات الالتحاق بالتعليم الجامعي.

ما وراء الأرقام

هناك تحولات ملحوظة تشكل هذا الواقع، مثل التراجع المستمر لوظائف القطاع العام بشكلها القديم، الذي لطالما كان الأمثل لظروف الزواج والإنجاب، والذي تقلصت حصته من الوظائف لصالح نمو القطاع الخاص غير الرسمي. إلى جانب ذلك، تتصاعد أعباء الرعاية المنزلية، إذ تقضي النساء المتزوجات في مصر 7 أضعاف الوقت في أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر مقارنة بالرجال.

كما يكاد يغيب الدعم الملائم من ناحية رعاية الأطفال، إذ لا تتجاوز نسبة تغطية دور الحضانة للأطفال الرضع حتى سن 4 سنوات حاجز 8%. كل ذلك يدفع الاهتمام بالوظائف عن بعد، إذ يشير التقرير إلى أن 18% من النساء يفضلن وظائف بنظام العمل عن بعد بالكامل، في حين لا توفر هذا الخيار سوى 7% فقط من الوظائف المعلنة.

غياب العدالة في توزيع الرواتب مستمرة: إلى جانب تحديات هيكل سوق العمل الذي يفرض شروطا لا تظهر مرونة بالنسبة للنساء، لا تزال أزمة الرواتب مستمرة، إذ بلغ متوسط الأجور المعروضة للوظائف الموجهة للإناث على المنصة 13 ألف جنيه مقابل 19 ألف جنيه للوظائف المحايدة بين الجنسين و18 ألف جنيه للوظائف الموجهة للذكور.

يبرز قطاع البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات كاستثناء ملحوظ لنمط فجوة الأجور، إذ تتضاءل الفجوة بين الجنسين عبر كافة المستويات الوظيفية، بل وتنعكس الآية في المناصب القيادية، فمديرات البرمجيات على المنصة يتوقعن أجورا تزيد بنسبة 11% مقارنة بنظرائهن من الذكور، وهي الفئة الوظيفية الوحيدة في التقرير التي تشهد ذلك.

مع الأسف، لا يضمن المستوى التعليمي المتكافئ للمرأة فرصا متساوية للوصول إلى الوظائف ذات الأجور المرتفعة في القطاع الخاص، ولا تكمن ضرورة مجابهة مثل هذه الفروقات في تحسين الوضع الحالي للنساء فحسب، القضاء على الفجوة في التوظيف يمكن أن تعزز الاقتصاد المصري بنحو 56%، حسبما أشارت بيانات البنك الدولي.

إذا كان اهتمام أصحاب العمل يميل بالفعل لصالح النساء، فإن التحسن الحقيقي لن يتحقق إلا بتغيير ظروف العمل ذاتها، وهو ما يتطلب توفير المزيد من الوظائف المرنة وعن بعد، وزيادة القدرة الاستيعابية لدور الحضانة، وتفعيل تدابير الحماية التي ينص عليها قانون العمل لعام 2025، فتلك هي المؤشرات الحقيقية على تحسن الواقع المهني.