☕ لسنوات طويلة، ظلت نقاشات دمج ذوي الإعاقة مقتصرة على العمل الخيري، إذ ساد الاعتقاد بأن تعيين شخص من ذوي الإعاقة يعني تحمل تكلفة إضافية، سواء على المستوى التشغيلي أو التجاري أو الثقافي، لكن مقهى Socks — الذي فتح أبوابه في الكوربة بمصر الجديدة أغسطس الماضي — جاء ليغير هذا الاعتقاد، ليؤكد أنه بمجرد تلقي الأفراد ذوي الاضطرابات النمائية التدريب والدعم المناسبين، سيصبحون قادرين على العمل والإنجاز على أعلى مستوى. الآن وبعد مرور عشرة أشهر، نجح المقهى في مهمته تلك.
صاحبة الفكرة: أمضت رانيا عبد العزيز المؤسسة المشاركة لمقهى سوكس — وخبيرة برنامج التدخل المبكر "دي أي أر فلورتايم" وممارسة التخاطب واللغة المعتمدة — عقدا كاملا في العمل بمجال الاضطرابات النمائية، وأسست منصة التوعية هوب أند بيوند خلال الجائحة، كما شاركت في تأسيس مركز اتواصل للتدخل المبكر القائم على منهجية تركز على التواصل أولا. يعد المقهى أحدث مبادراتها، والذي أثبتت من خلاله أن عجز النظام عن رؤية قدرات الأفراد ذوي التنوع العصبي هو فشل في التصور، وليس دليلا على غياب تلك القدرات.
ولكن أولا، ما سر اختيار الاسم؟ يحتفل العالم باليوم العالمي لمتلازمة داون في 21 مارس بارتداء جوارب غير متطابقة، في إشارة بصرية لشكل الكروموسومات تحت المجهر، وقد أرادت عبد العزيز اسما يحمل قصة، فكان سوكس هو الخيار الأمثل.
من أين جاءت الفكرة؟
البداية؟ تشخيص طبي: في عمر 19 شهرا، شُخصت حالة حمزة ابن شقيق عبد العزيز بطيف التوحد الشديد. "لم أكن أفهم شيئا عن التوحد قبل هذا التشخيص، ثم أصبح من الضروري أن يدرك فرد واحد على الأقل في العائلة ما يمر به حمزة". تركت عبد العزيز عملها كمترجمة في هيئة إنقاذ الطفولة وأعادت تأهيل نفسها، وأمضت عشر سنوات في بناء أنظمة الدعم التي كانت تتمنى وجودها عند تشخيص حالة حمزة، حسبما قالت لإنتربرايز.
الإلهام إماراتي: ولدت فكرة سوكس عندما زارت عبد العزيز برفقة صديقتها آلاء المصري، والتي تعاني شقيقتها من متلازمة داون، مقهى مواهب في دبي — وهو ملاذ للبالغين من ذوي الاحتياجات الخاصة — لإطلاق كتابها التعليمي للأطفال عن التوحد والمستوحى من تجربتها الشخصية. في طريق العودة، كان السؤال بديهيا: لماذا لا يوجد لدينا مقهى كهذا في القاهرة؟ عرضت عبد العزيز الفكرة على طه موسى، صديق شقيقها والمؤسس المشارك لمجموعة 929 للأغذية والمشروبات، والذي لم يتردد إطلاقا. انطلقت بعدها مرحلة التدريب في يناير 2025، قبل أن يفتتح المقهى أبوابه في وقت لاحق من ذات العام.
بناء المقهى
كل تفصيلة في سوكس خطط لها بعناية، إذ صمم إسلام سالم، المهندس المعماري والمؤسس المشارك لمجموعة 929، المكان ليكون مريحا بألوان هادئة وإضاءة مدروسة وعزل صوتي، مع إخفاء المقابس الكهربائية واستخدام جهاز تبخير حليب آلي بدلا من الجهاز التقليدي، إذ قد تسبب الإضاءة القوية فرط استثارة حسية قد ينتج عنها نوبات بالنسبة للموظفين المصابين بالصرع.
.. واختيار فريق العمل أيضا: تولى هشام سيد — الذي انضم كمدير للعلامة التجارية دون خبرة سابقة في مجال الاحتياجات الخاصة — إدارة برنامج التدريب من يناير حتى الافتتاح وقد نجح في بناء منظومة كاملة، إذ لم يقتصر دوره على تدريب الموظفين، بل خلق بيئة مريحة وطبيعية داخل المقهى، تمكن أن زائر من أن يفهم الموظفين ويتعامل معهم دون صعوبة، حسبما قالت عبد العزيز.
خير دليل: يمثل محمود بهواشي، وهو أحد موظفي المقهى من ذوي الإعاقة الذهنية البسيطة وله تاريخ من حالات الصرع الشديدة، دليلا حيا على نجاح هذا النموذج وبيئة العمل داخل سوكس، إذ يدير حاليا نوبات العمل باستقلالية، بل وبدأ في توجيه زملائه الجدد. يعد بهواشي موظفا قادرا وطموحا ومحل ثقة، وبإمكانه أن يترقى في المقهى ليصبح مديرا في وقت من الأيام، بحسب عبد العزيز.

الجانب التجاري
"هناك فرق بين التعاطف والشفقة": ترغب عبد العزيز في أن يقبل الزبائن على المقهى من أجل الجودة والخدمة التي يقدمها وليس بدافع التعاطف، إذ يمثل ذلك أهمية كبرى من الناحية التشغيلية، فالعميل الذي يزور المكان مرة واحدة بدافع الشفقة والتعاطف ويجد المنتج دون المستوى لن يعود مجددا.
من الناحية التنظيمية، كان تأسيس المقهى سهلا على نحو مفاجئ، إذ تجلى الدعم الحكومي لتوظيف ذوي الإعاقة على مستوى السياسات، فلم يواجه المقهى أي عقبات كبيرة في التراخيص تتعلق بهيكل العمالة الخاص به، بل كان التحدي الأكبر ثقافيا وليس تنظيميا.
مشكلة الأحكام المسبقة
تظهر مشكلة الأفكار المسبقة على صعيدين: الأول هو العملاء، فبمجرد دخولك إلى سوكس ستسمع أحيانا من يصف الموظفين بالملائكة أو من يدعون لهم بالشفاء، مدفوعين بحسن نوايا مبنية على تصورات مسبقة غذتها وسائل الإعلام التقليدي والرقمي. تتعامل عبد العزيز مع هذا السلوك بشرح الواقع أولا، ثم وضع الحدود ثانيا.
أما الصعيد الآخر فيتعلق بالعمال الذين يأتون إلى سوكس بسلوكيات نابعة أيضا من افتراضات مسبقة، كالحاجة إلى مراقبة زملائهم من ذوي الإعاقة والتصحيح المبالغ فيه لتصرفاتهم أو التعامل معهم كأفراد بحاجة إلى التوجيه والإدارة الدائمة، لا زملاء عمل على قدم المساواة. يستهدف سيد هذا الجانب مباشرة، من خلال تدريبات عمل تبني ثقافة داخلية يكون أساسها الدمج وليس مجرد المساعدة.
المستقبل
التوسع والتحديات: تخطط عبد العزيز إلى التوسع مستقبلا، بالرغم من وجود تحديات هيكلية بعينها مثل المدارس التي لا تستطيع استيعاب الطلاب ذوي التنوع العصبي بشكل كاف لعدم وجود طاقة استيعابية أو شغف واهتمام حقيقي من المدرسين، والبرامج الجامعية التي لا تخرج عددا كافيا من المتخصصين المؤهلين، وسوق العمل التي تلقي بتكلفة التدخل والتعامل مع الحالات بالكامل تقريبا على عاتق الأسر.
خطوة ناجحة: تلقى المقهى دعوة لتقديم خدمات الطعام في فعالية مشاهدة مباراة مصر وبلجيكا ضمن منافسات كأس العالم، والتي استضافتها العاصمة الجديدة، وهي الدعوة التي جاءت بعد حضور عبد العزيز لحدث رئاسي لفت فيه المقهى انتباه إدارة العاصمة. ومن وجهة نظرها، لا تعتبر عبد العزيز هذه المشاركة نجاحا تجاريا بقدر ما هو انعكاس لنجاح الرؤية والمنهج الذي تتبعه، فالمقهى يديره أشخاص مختلفون قادرين على الإتيان بالأعمال التي توكل إليهم.