🦆 هل سئمت من نتائج البحث التي يفرض فيها الذكاء الاصطناعي نفسه قبل الروابط التقليدية؟ لست وحدك. مع تسارع شركات التكنولوجيا نحو دمج الذكاء الاصطناعي في محركات البحث، تصاعدت في المقابل أصوات المستخدمين الباحثين عن تجربة أكثر بساطة وأقرب إلى الشكل التقليدي، ويبدو أن المستفيد الأكبر من هذا التوجه هو محرك البحث داك داك جو، الذي يركز على الخصوصية ويتيح للمستخدمين البحث دون الاعتماد المكثف على ملخصات الذكاء الاصطناعي.
الطفرة في الاهتمام بهذا المحرك جاءت عقب مؤتمر المطورين السنوي لشركة جوجل، الذي كشفت خلاله عن خطط تجعل الذكاء الاصطناعي محور تجربة البحث المستقبلية، إذ سجلت صفحات البحث الخالية من أدوات الذكاء الاصطناعي التابعة لداك داك جو أعلى معدل استخدام يومي في تاريخه يوم الاثنين الماضي، وارتفعت الزيارات بنحو 30% على أساس أسبوعي.
كما قفزت معدلات تثبيت التطبيق على هواتف أيفون في الولايات المتحدة بنحو 70%، ليصبح من بين أكثر ثلاث تطبيقات تحميلا ضمن فئة المتصفحات على أبل ستور. يعكس هذا الأداء حالة متزايدة من الإرهاق أو التشبع لدى بعض المستخدمين تجاه أدوات الذكاء الاصطناعي، وأمام هذه الأرقام التي لا يمكن تجاهلها، يبرز تساؤل مهم: هل يمكن أن يؤدي التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل محركات البحث إلى فتح المجال أمام منافسين جدد، أم أن هيمنة جوجل ستظل عصية على التحدي؟
لماذا دوك دوك جو؟
تغيير بالقوة: عندما بدأت جوجل في إعطاء الأولوية لميزات تلخيص البحث بالذكاء الاصطناعي على حساب روابط نتائج البحث التقليدية التي ارتبطت بها تجربة البحث لسنوات، قوبلت هذه الخطوة بانتقادات من معظم المستخدمين الذين فضلوا الشكل الكلاسيكي للبحث. سرعان ما برز داك داك جو كبديل سهل، إذ أطلق أداة جديدة يمكن إضافتها للمتصفحات متاحة على كروم وفاير فوكس، تتيح للمستخدمين استبعاد نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر تعيين الرابط كمحرك البحث الافتراضي.
رغم ذلك، لا تتبنى شركة داك داك جو موقفا معارضا للذكاء الاصطناعي بحد ذاته، إذ أطلقت أواخر العام الماضي بوت الدردشة بالذكاء الاصطناعي الخاص بها، وحتى قبل ظهور الموجة الساخطة على محركات البحث بوقت طويل، اشتهرت شركة داك داك جو بكونها بديلا لجوجل يضع الخصوصية وحماية البيانات في المقام الأول.
ما هذا الاستياء من ملخصات البحث؟
الإجابة تكمن في دقة المعلومات: يقر حتى أكثر المتحمسين لهذه التقنية بأن مراجعة الإجابات والتحقق منها يمثل خطوة ضرورية، إذ تقدم هذه الميزات معلومات دقيقة في نحو 90% من الحالات، حسبما تشير دراسة تحليلية أجرتها شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة أومي، في حين أظهر تقييم داخلي أجرته جوجل لنموذج جيميني 3، الذي يعتمد على ميزة تلخيص البحث أن النموذج قدم معلومات غير صحيحة في 28% من الحالات. ورغم أن هذه النسبة تبدو جيدة، فإنها تكتسب بعدا مختلفا عند النظر إلى الحجم الهائل لعمليات البحث على جوجل المقدرة بنحو 5 تريليونات عملية بحث سنويا، فأي خطأ ضئيل قد يتسبب في ظهور عشرات الملايين من النتائج غير الدقيقة.
لكن المخاوف لا تتعلق بالدقة وحدها، إذ انتقلت نتائج البحث من قائمة واضحة من الروابط والمصادر إلى إجابات مجمعة تستند إلى محتوى مأخوذ من مصادر متعددة، وهو ما يثير القلق حول مدى استناد هذه الإجابات إلى المصادر التي تشير إليها، فحتى لو قدم الملخص إجابات صحيحة، قد لا تكون مرتبطة بالمصادر المقترنة بها. وقد ارتفعت نسبة الإجابات التي تفتقر إلى مرجع واضح يدعمها من 37% في أكتوبر الماضي إلى 56% في فبراير، بحسب الدراسة، ما يعني أنك قد تحصل على الإجابة الصحيحة، لكن دون وسيلة واضحة للتحقق من صحتها.
السوشيال ميديا في الواجهة: تعتبر منصتا فيسبوك وريديت من أكثر المصادر التي تستند إليها ميزات تلخيص البحث بالذكاء الاصطناعي من جوجل، ومع ذلك، كشفت الدراسة عن مؤشرات تثير تساؤلات حول موثوقية هذه البيانات، إذ تبين أن جوجل يعتمد على فيسبوك بنسبة 5% من الإجابات الدقيقة، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 7% في الإجابات غير الدقيقة. ما دفع بعض الشركات إلى محاولة استغلال الثغرات عبر إغراق منصات مثل ريديت بالمحتوى الترويجي الموجه لزيادة فرص ظهوره ضمن نتائج الملخصات لدى جوجل.
تضارب الإجابات الفورية: يواجه النظام تحديا آخر يتمثل في عدم استقرار بعض النتائج، إذ قد يقدم محرك البحث إجابات متباينة للسؤال نفسه عند تكراره في أوقات متقاربة، ما يعني احتمالية حصول المستخدم على إجابة دقيقة في إحدى المرات، ثم إجابة خاطئة عند إعادة البحث عن الموضوع في توقيت مختلف.
الناشرون يتحملون العبء الأكبر
يواجه الذكاء الاصطناعي انتقادات حادة بسبب اعتماده على محتوى الناشرين والمواقع الإلكترونية دون مقابل، إذ تظل الإشارة إلى المصادر الأصلية محدودة أو غير واضحة في كثير من الأحيان، وهو ما ينعكس سلبا على معدلات الزيارات التي تحصل عليها تلك المواقع.
ولمواجهة هذه المشكلة، طالبت الجهات التنظيمية في المملكة المتحدة شركة جوجل أمس الأربعاء بإبراز روابط وإشارات أوضح إلى محتوى الناشرين داخل نتائج البحث المنشأة بالذكاء الاصطناعي. كما أعلنت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية أن الناشرين أضحى بإمكانهم رفض استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التابعة لجوجل لمحتواهم. ويمنح القرار الجديد — الذي وافقت عليه جوجل — الناشرين حرية الانسحاب من استخدام محتواهم في منتجات الذكاء الاصطناعي دون الخشية من معاقبتهم عبر خفض ترتيب مواقعهم في نتائج البحث التقليدية.
ومع تراجع نتائج البحث التقليدية لصالح الملخصات المولدة بالذكاء الاصطناعي، تتزايد الدعوات إلى وضع قواعد للمحاسبة. وسواء نجحت رؤية جوجل التي تضع الذكاء الاصطناعي في قلب تجربة البحث، أو استمر المستخدمون في تفضيل البدائل التقليدية مثل داك داك جو، يظل الذكاء الاصطناعي تقنية تتطلب ضوابط ورقابة مستمرة، وليس مجرد دمج متواصل دون حدود واضحة.