Posted inتعليم

لماذا أصبحت مصروفات التعليم قصة تمويل استهلاكي؟

أصبح البريد الإلكتروني القادم من المدرسة واحدا من أكثر الرسائل التي يخشاها الآباء على مدار العام. فالأسر التي كانت تعتمد في السابق على المكافآت السنوية أو الجمعيات أو ادخار جزء من دخلها لتغطية المصروفات الدراسية، باتت تتجه بشكل متزايد إلى حلول التمويل الاستهلاكي مع ارتفاع تكاليف التعليم بوتيرة أسرع من نمو الدخول، بحسب أحمد محسن، الرئيس التنفيذي لمنصة لايم المتخصصة في تمويل التعليم.

يتزايد الضغط على ميزانيات الأسر: تشير البيانات الرسمية إلى أن التعليم يستحوذ على حصة متنامية من إنفاق الأسر. فبحسب آخر بحث للدخل والإنفاق والاستهلاك أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في عام 2019، استحوذت النفقات المرتبطة بالتعليم على نحو 15.7% من إجمالي إنفاق الأسر الحضرية سنويا عند احتساب المصروفات الدراسية والتكاليف المرتبطة بها. ومن المرجح أن تكون هذه النسبة قد ارتفعت أكثر خلال السنوات الأخيرة في ظل موجات التضخم المتعاقبة وتآكل مدخرات الأسر.

تكاليف التعليم تعيد تشكيل التخطيط المالي للأسر: على مدار العقد الماضي، اتجهت أعداد متزايدة من الأسر المصرية نحو المدارس الدولية والجامعات الأجنبية ومؤسسات التعليم الخاصة، بينما أسهمت السياسات الحكومية الداعمة للاستثمار في القطاع في دخول مدارس وجامعات جديدة إلى السوق. وأدى ذلك إلى ارتفاع مستمر في المصروفات الدراسية، بالتوازي مع توسع منظومة الإنفاق المرتبطة بالتعليم لتتجاوز حدود الفصل الدراسي. ويقول محسن: "المحفز لم يكن التمويل الاستهلاكي، بل الطلب المتزايد على التعليم الجيد". ومع إعطاء مزيد من الأسر أولوية للالتحاق بالمدارس والجامعات المتميزة، أصبح التعليم يستحوذ على جزء أكبر من ميزانيات الأسر.

من الادخار إلى التمويل: اعتادت الأسر المصرية تمويل نفقات التعليم من خلال مزيج من المدخرات والمكافآت وحصص الأرباح والجمعيات. وكانت الفكرة بسيطة: التعليم أولوية لا يمكن التنازل عنها. فقد تؤجل الأسر الإجازات أو المشتريات غير الضرورية أو تخفض بنود إنفاق أخرى، لكن المصروفات الدراسية كانت تأتي دائما في المقدمة.

لكن نموذج الادخار أصبح أكثر صعوبة. فقد ارتفعت المصروفات الدراسية بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، في وقت تعرضت فيه الدخول المتاحة للإنفاق لضغوط بفعل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. ويشير محسن إلى أن "الأسلوب التقليدي القائم على ادخار الأموال على مدار العام لم يعد كافيا لكثير من الأسر التي تواجه مدفوعات تعليمية كبيرة تدفع دفعة واحدة".

الحاجة إلى المرونة: مع سعي المدارس والجامعات لتلبية الطلب على خيارات سداد أكثر مرونة، بدأت العديد من المؤسسات التعليمية في تقديم خطط تقسيط مباشرة لأولياء الأمور. إلا أن هذه الخطط غالبا ما تتطلب ثلاث أو أربع دفعات كبيرة خلال العام، ما يفرض ضغوطا كبيرة على التدفقات النقدية للأسر.

وهنا برز دور شركات التمويل الاستهلاكي. فبدلا من تمويل مشتريات تقديرية مثل الأجهزة الإلكترونية أو المنزلية، طورت شركات مثل لايم منتجات مخصصة للتعليم تتيح للآباء توزيع المصروفات الدراسية والتكاليف المرتبطة بها على فترات تتراوح بين ستة واثني عشر شهرا. ويقول محسن: "القضية ليست ما إذا كان الآباء سيدفعون مقابل التعليم أم لا، فهم سيدفعون بطريقة أو بأخرى. السؤال الحقيقي هو كيف سيديرون التدفقات النقدية".

ويضيف محسن: "اليوم الذي تصل فيه رسالة المدرسة الإلكترونية هو كابوس لكل ولي أمر. بغض النظر عن مستوى دخلك، تجد نفسك مطالبا فجأة بدفع 50 ألف أو 70 ألف أو 100 ألف جنيه. ما نحاول حله في الواقع هو مشكلة المرونة والسهولة". ويتيح نموذج الشركة للآباء إتمام عملية التمويل رقميا بالكامل، بينما تتولى لايم سداد الرسوم مباشرة للمؤسسة التعليمية. كما توفر المنصة منتجا لإعادة التمويل يسمح للأسر بالحصول على سيولة مقابل فواتير التعليم التي سبق سدادها.

التعليم لم يعد مجرد مصروفات دراسية: أحد التحولات الرئيسية الأخرى يتمثل في اتساع مفهوم الإنفاق التعليمي. فبينما لا تزال المصروفات الدراسية تمثل البند الأكبر، أصبحت تكاليف النقل والكتب والمعسكرات التعليمية وبرامج تنمية المهارات والدروس الإضافية وخدمات الدعم التعليمي المتخصصة تشكل جزءا متزايدا من إنفاق الأسر.

وينعكس هذا التحول على طبيعة المنتجات التمويلية نفسها. فقد توسعت لايم لتشمل شراكات مع جهات تقدم برامج تطوير القيادات والأنشطة التعليمية وخدمات دعم الطلاب ذوي التحديات التعليمية، في ما يصفه محسن بأنه "منظومة تعليمية متكاملة". ويقول: "التعليم اليوم لا يقتصر على المصروفات الدراسية فقط. فالآباء ينفقون على النقل والكتب والأنشطة وتنمية المهارات وخدمات الدعم المختلفة. لقد أصبحت منظومة التعليم أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق".

ولا تزال السوق في بدايتها: رغم النمو السريع، يرى محسن أن السوق لا تزال بعيدة عن مرحلة التشبع. فشركة لايم تتعاون حاليا مع أكثر من 400 مؤسسة تعليمية بين مدارس وجامعات، لكنه يعتقد أن سوق تمويل التعليم في مصر ما زالت كبيرة بما يكفي لاستيعاب العديد من اللاعبين المتخصصين مع استمرار نمو الطلب. أما بالنسبة للأسر، فقد يكون التغيير الأكبر ثقافيا أكثر منه ماليا. فما كان يوما ما بندا ماليا سنويا ضخما أصبح يشبه بشكل متزايد اشتراكا شهريا، يحول واحدة من أكبر نفقات الأسرة إلى عبء أكثر قابلية للإدارة ضمن الميزانية اليومية.

العلامات: