Posted inإنتربرايز تشرح

هل يمكن أن تكون العقود المستقبلية وسيلة أفضل لإدارة مخاطر السوق؟

ماذا تعني المشتقات المالية لمستثمري البورصة المصرية؟ بدأ تداول المشتقات المالية في البورصة المصرية في الأول من مارس 2026، مع إطلاق العقود المستقبلية للمرة الأولى في السوق المحلية، في خطوة تمثل تحولا هيكليا في الطريقة التي يمكن للمستثمرين من خلالها المشاركة في السوق.

ما هي المشتقات المالية؟ المشتق المالي هو عقد تستمد قيمته من أصل أساسي. فبدلا من شراء سهم في السوق الفورية وانتظار ارتفاع سعره، يمكن للمستثمر الاتفاق اليوم على السعر الذي سيشتري أو يبيع به في المستقبل. وقبل إطلاق السوق، شرح رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية الحالي ورئيس البورصة المصرية آنذاك، إسلام عزام، المشتقات المالية ببساطة قائلا: "المشتقات ليست سوى عقود. في السوق الفورية تشتري السهم بسعر اليوم، أما في سوق المشتقات فأنت تتفق اليوم على سعر مستقبلي". (شاهد 27:09 دقيقة)

كيف تعمل العقود المستقبلية

إذا توقع المستثمر ارتفاع السوق، يمكنه الدخول في عقد مستقبلي بصفته مشتريا. فعلى سبيل المثال، إذا كان عقد EGX30 المستقبلي يتداول عند مستوى 50 ألف نقطة وتوقع المستثمر أن تدفع التطورات الاقتصادية الإيجابية السوق إلى الارتفاع، يمكنه شراء العقد. وإذا ارتفع المؤشر لاحقا إلى 55 ألف نقطة، فإنه يحقق ربحا يعادل الزيادة البالغة 5 آلاف نقطة.

أما إذا توقع المستثمر تراجع السوق، فيمكنه الدخول في العقد بصفته بائعا عند مستوى 50 ألف نقطة. وإذا انخفض المؤشر لاحقا إلى 45 ألف نقطة، يمكنه شراء عقد مماثل لإغلاق الصفقة. وبذلك يكون قد باع عند 50 ألف نقطة واشترى مجددا عند 45 ألف نقطة، محققا ربحا يعادل الفرق البالغ 5 آلاف نقطة. ولأن ما يجري تداوله هو عقد وليس الأسهم نفسها، فلا يحتاج المستثمر إلى امتلاك الأصل قبل اتخاذ موقف يتوقع فيه هبوط السوق.

من يحق له التداول؟ وما الذي يجري تداوله؟ وكيف تحتسب الأرباح؟

الوصول إلى السوق ليس متاحا تلقائيا. إذ يتعين على المستثمرين الأفراد اجتياز اختبار إلكتروني متعدد الخيارات لدى شركة السمسرة التي يتعاملون معها قبل السماح لهم بالتداول. ويهدف هذا الشرط إلى التأكد من فهم المشاركين لمفاهيم الرافعة المالية وطلبات تغطية الهامش وآلية التسوية اليومية وفقا لأسعار السوق قبل الدخول في عقود ملزمة.

يجري التداول من خلال شركات السمسرة الحاصلة على ترخيص مزاولة نشاط الوساطة في العقود المستقبلية من الهيئة العامة للرقابة المالية. كما يجب على المستثمر فتح حساب فرعي مخصص للمشتقات والتوقيع على مستندات الإفصاح عن المخاطر حتى لو كان يمتلك بالفعل حسابا لتداول الأسهم.

ما الذي يجري تداوله في المرحلة الأولى؟ يقتصر التداول حاليا على العقود المستقبلية المرتبطة بمؤشر EGX30، مع خطط للتوسع لاحقا لتشمل مؤشر EGX70 وأسهم الشركات. وتطرح العقود بآجال استحقاق ثلاثة أشهر وستة أشهر، بينما حددت البورصة معامل التسعير عند واحد إلى واحد، بحيث تعادل كل نقطة في المؤشر جنيها واحدا. أي إذا ارتفع المؤشر من 50 ألف نقطة إلى 51 ألف نقطة، فإن الزيادة البالغة ألف نقطة تعني ربحا قدره ألف جنيه لحامل العقد. وتتم تسوية عقود المؤشرات نقديا بدلا من التسليم الفعلي للأصل الأساسي.

لماذا يعد ذلك مهما؟

توفر العقود المستقبلية لأول مرة أداة تحوط رسمية في السوق المصرية. وعلى عكس ما قد يتبادر إلى الذهن، فإن ذلك قد يسهم في خفض التقلبات بدلا من زيادتها. فعندما يتوقع المستثمرون المؤسسيون أو الأجانب تراجعا في السوق، كانوا غالبا يضطرون إلى بيع الأسهم مباشرة، وهو ما قد يؤدي إلى سحب السيولة واتساع الفجوات السعرية وتعميق التراجعات.

التحوط بدلا من الخروج من السوق: مع وجود العقود المستقبلية، يصبح بإمكان مدير محفظة يمتلك استثمارات أسهم بقيمة 10 ملايين جنيه ويتوقع هبوطا مؤقتا في السوق أن يدخل اليوم كطرف بائع في عقد مستقبلي لسهم ما، مع الاحتفاظ بالسهم نفسه.

مثال على ذلك: إذا تراجع السوق من 50 ألف نقطة إلى 40 ألف نقطة، فقد تخسر المحفظة جزءا من قيمتها، لكن مركز البيع على العقود المستقبلية يمكن أن يحقق أرباحا تعوض جزءا من تلك الخسائر. وقال إسلام عزام إن المستثمر يستطيع بهذه الطريقة "خفض معامل بيتا إلى ما يقرب من الصفر"، ما يعني القدرة على تحييد مخاطر السوق العامة دون تصفية الأصول.

امتصاص الصدمات: من خلال تمكين المستثمرين من البقاء داخل السوق مع إدارة المخاطر، يمكن للعقود المستقبلية أن تقلل الحاجة إلى البيع العشوائي خلال فترات الاضطراب. ويساعد ذلك في الحفاظ على عمق السوق وسيولته، إذ تستطيع المؤسسات التحوط مؤقتا ثم إنهاء هذه المراكز عندما تستقر الأوضاع. وبهذا المعنى، يمكن أن تؤدي المشتقات دور "ممتص للصدمات" الذي يساعد السوق على الحفاظ على توازنه في أوقات التقلبات.

سد فجوة طال انتظارها: لطالما اعتبر غياب سوق للمشتقات إحدى الثغرات الهيكلية التي تحد من جاذبية البورصة المصرية للمؤسسات الدولية، إذ تشترط العديد من الصناديق العالمية توافر أدوات للتحوط ضمن أطر إدارة المخاطر الخاصة بها. قبل إطلاق العقود المستقبلية، كان الاستثمار في مصر يعني إما تحمل مخاطر السوق كاملة أو الخروج منه بالكامل. أما الآن، فقد أزيل هذا الخيار الثنائي، بما قد يعزز مشاركة المؤسسات الأجنبية ويوسع قاعدة المستثمرين.

المشتقات مفيدة أيضا في الأسواق الصاعدة: في فترات التفاؤل، يمكن للمستثمرين استخدام مراكز شراء على العقود المستقبلية لزيادة انكشافهم على السوق بكفاءة دون الحاجة إلى إعادة تخصيص مبالغ كبيرة مباشرة في السوق النقدية. وقد يساهم ذلك في تعزيز العوائد وزيادة النشاط التداولي دون فرض معاملات ضخمة على السوق الفورية.

عامل الرافعة المالية: في المقابل، تضيف العقود المستقبلية عنصر الرافعة المالية. فالمستثمر لا يدفع القيمة الكاملة للعقد، بل يودع هامشا أوليا يتراوح عادة بين 10% و15% من قيمته.

مثال على ذلك: إذا بلغت القيمة الاسمية للعقد 100 ألف جنيه، فقد يكتفي المستثمر بإيداع ما بين 10 آلاف و15 ألف جنيه كهامش أولي. وفي هذه الحالة، فإن تحركا بنسبة 5% في الأصل الأساسي يعني ربحا أو خسارة قدرها 5 آلاف جنيه، وهو مبلغ قد يمثل نسبة كبيرة من رأس المال المودع.

التنفيذ والتسوية

التسوية اليومية: يجري احتساب الأرباح والخسائر يوميا وفقا للأسعار السوقية، بحيث تنتقل الأرباح من حساب الطرف الخاسر إلى حساب الطرف الرابح، وهو ما يقلل من المخاطر النظامية.

طلبات تغطية الهامش: إذا انخفض رصيد المستثمر دون الحد الأدنى المطلوب، يتلقى طلب تغطية هامش ويكون ملزما بإيداع أموال إضافية. وفي حال عدم الاستجابة، قد يجري إغلاق مركزه قسريا.

كيف تغلق المراكز؟ يمكن للمستثمرين إغلاق مراكزهم قبل تاريخ الاستحقاق من خلال تنفيذ صفقة معاكسة، على أن تتم المقاصة عبر شركة المقاصة. وفي معظم الأسواق العالمية، تغلق غالبية العقود المستقبلية قبل حلول موعد الاستحقاق بدلا من الاحتفاظ بها حتى نهايته.