بات قطاع صناديق الاستثمار في مصر مسارا موازيا لمدخرات الأسر، بحجم أصول بلغ 411 مليار جنيه، مسجلا نموا بنسبة 30% في ربع سنوي واحد. إذ يتزايد إقبال المستثمرين الأفراد على هذه الصناديق بدلا من الأوعية الادخارية التقليدية مثل الذهب الفعلي، والوحدات العقارية، والودائع البنكية. لا يأتي هذا التحول على حساب الودائع، فلا يزال إجمالي صافي قيمة أصول الصناديق يمثل نحو 3% فقط من إجمالي الودائع البنكية، بل إنه يفتح قناة ادخار خاضعة للتنظيم تتيح للأسر الاستثمار في الأصول التي طالما كانت مفضلة بالنسبة إليهم ولكن بتكلفة دخول أقل، وفق ما ورد في أحدث تقارير الهيئة العامة للرقابة المالية (بي دي إف). ارتفع عدد الصناديق إلى 187 صندوقا من 172، في حين قفز عدد وثائق الاستثمار المصدرة بنسبة 54.7% على أساس ربع سنوي ليصل إلى 31.4 مليار وثيقة.
يمثل هذا التوجه إعادة صياغة لما يمكن وصفه بـ "الدليل التقليدي" للمدخرات في مصر، ولكن بتكلفة استثمارية أقل. فبعد أن اعتادت الأسر على الاعتماد على الذهب الفعلي والعقارات لحفظ قيمة أموالها، أصبحت اليوم أمام منتجات مالية خاضعة للرقابة تحاكي تلك الأصول دون الحاجة إلى المبالغ الضخمة المطلوبة لشرائها مباشرة. في تعليقه لإنتربرايز، قال العضو المنتدب لشركة أزيموت مصر أحمد أبو السعد: "أصبحت الصناديق في متناول الجميع من أي مكان، وهو مؤشر على تزايد وعي المستثمرين، والتوسع في استخدام التكنولوجيا المالية، فضلا عن الزيادة الملحوظة في مستوى الثقة في منتج صناديق الاستثمار". كذلك تتفق خبيرة الاقتصاد الكلي رانيا يعقوب مع هذا الرأي، وترى أن هذا الوضع نتيجة مباشرة لتسهيل وصول الأفراد للسوق. وأضافت: "تجلى هذا بوضوح في زيادة عدد المستثمرين المكودين في البورصة المصرية"، الذي قفز بنسبة 215% على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام، وفقا لتصريحات نائب رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية إسلام عزام. وأكدت يعقوب أن قطاع التمويل غير المصرفي "نجح في جذب المستثمرين الذين لا يقتصرون على هؤلاء المعتادين على الاستثمار عبر البنوك، بل وأيضا شرائح جديدة من المواطنين".
ما وراء المليارات
لا تزال الكفة تميل بشدة لصالح البنوك من حيث الحجم. يوضح خبير الاقتصاد الكلي مصطفى بدرة لإنتربرايز أن صافي قيمة أصول الصناديق البالغة 411 مليار جنيه تجاور ودائع بنكية تتراوح بين 13 و14 تريليون جنيه قبل نهاية عام 2025، مما يعني أن الصناديق تبقى قناة موازية وليست بديلا. ويضيف بدرة: "دعونا نفصل بين الاثنين، لأن لكل منهما عميله الخاص. فعلى الرغم من التوسع الكبير في الصناديق وقدرتها على جذب استثمارات وأموال ضخمة، لا تزال القاعدة الراسخة لعديد من المستثمرين تتمثل في الشهادات والودائع البنكية". ويؤكد أبو السعد الفكرة ذاتها، مشيرا إلى أن شهادات الإيداع لا تزال الخيار الأنسب للمدخرين الذين يعتمدون على الدخل الثابت لتغطية نفقات المعيشة، فيما توفر الصناديق أداة مختلفة للمستثمرين الباحثين عن مرونة أكبر. وقال: "لدى شهادات الإيداع جمهورها، ولكن بالنسبة للأشخاص الذين لم تكن الشهادات المنتج المناسب لهم، خلقت الصناديق خيارا آخر".
السيولة لا تنتظر إعادة التدوير.. بل تؤدي دورها بالفعل. تستحوذ صناديق أسواق النقد على صدارة القطاع، إذ بلغ صافي قيمة أصولها 276.3 مليار جنيه بنهاية مارس (ما يمثل 67% من السوق)، وتستحوذ على 54.1% من إجمالي وثائق الصناديق. كما حققت هذه الصناديق عائدا متوسطا بلغ 4.44% في الربع الأول، في حين تفوقت الصناديق النقدية الأفضل أداء على هذا المتوسط: إذ سجل صندوق "كل يوم" التابع لشركة إسكان للتأمين عائدا بلغ 6.37% في الربع الأول بعد أن حقق 24.7% في عام 2025، في حين حقق صندوقا "بساطة النقدي" و"وثاق" عائدين بلغا 5.22% و5.20% على التوالي. ولا يمثل هذا التركّز الكثيف لرؤوس الأموال في وعاء استثماري واحد جرس إنذار للسوق. تقول يعقوب: "معظم المواطنين يستثمرون في صناديق أسواق النقد للحفاظ على قيمة أموالهم وتحقيق أعلى عائد ممكن، مع الاحتفاظ بالقدرة على سحب تلك السيولة في أي وقت لتلبية احتياجاتهم اليومية". فيما يفسر أبو السعد الموضوع بشكل مباشر: "إذا نظرت إلى هيكل صناديق الاستثمار في أي دولة في العالم، ستجده قريبا جدا من هذه الأرقام، إذ إن صناديق أسواق النقد عادة ما تشكل بين 60% و80% من أي سوق للصناديق عالميا".
الملاذ الآمن لصغار المستثمرين
تصدرت صناديق المعادن النفيسة الأداء خلال الربع الأول دون منازع، وسجلت متوسط عائد بلغ 20.37%. وتضاعف صافي قيمة أصولها تقريبا ليصل إلى 10.1 مليار جنيه مقابل 5.2 مليار جنيه بنهاية 2025، لكنها لا تزال تشكل 2.5% فقط من إجمالي صافي قيمة أصول الصناديق في المجمل، وهذا يجعلها شريحة سريعة النمو في السوق، دون أن تمثل مركز الثقل فيه. بالإضافة إلى ذلك، سجلت الصناديق الأفضل أداء عوائد أعلى قليلا من المتوسط؛ فقد حقق صندوق "سبائك - بلتون إيفولف" عائدا بلغ نحو 21.7% في الربع الأول، بعد أن سجل 52.4% في عام 2025، في حين حقق صندوق "دهب - الأهلي إيفولف" عائدا قدره 21.41%، بعد مكاسب سنوية بلغت 50.4% في عام 2025.
يكمن السبب الهيكلي وراء نجاح صناديق الذهب في ارتفاع تكلفة الدخول لشراء الذهب الفعلي. وتشير جريدة المال إلى أن متوسط قيمة المصنعية يتراوح بين 350 و400 جنيه للجرام للمشغولات المحلية، وما بين 800 إلى ألف جنيه للجرام للقطع المستوردة. كذلك سترتفع المتوسطات الرسمية للمحاسبة الضريبية لمصنعية الذهب بنسبة 10% بداية من يوليو. وتوضح يعقوب: "معظم المستثمرين في هذه الصناديق يتسمون بالمرونة ولا يمتلكون سيولة كبيرة، لذا منحتهم صناديق المعادن النفيسة ما يبحثون عنه، أي القدرة على استثمار مبالغ صغيرة بصفة دورية". لكن أبو السعد يحذر من الخلط بين هيكل الصندوق وبين أدوات التداول، إذ قال: "يدرك الأشخاص أن الذهب استثمار طويل الأجل، وليس أداة للمضاربة. شهد الربع الأول موجة تضخمية قوية للغاية، ثم هدأت وتيرتها في الربع الثاني مع تراجع أسعار الذهب. ورغم هذا الهدوء، لا يزال الأفراد مشترين صافين في الربع الثاني، وإن كان بمعدل أقل بكثير".
تنمو استثمارات الأسهم، لكن النقد ما زال يرسم ملامح السوق. وتعد صناديق الأسهم الفئة الأكبر عددا بواقع 62 صندوقا بنهاية مارس، والثانية حجما بصافي قيمة أصول بلغ 56.4 مليار جنيه، وهو ما يمثل نحو 13.7% من السوق. ونما صافي قيمة أصول صناديق الأسهم بنسبة 29.3% على أساس ربع سنوي، وهذا يتماشى إلى حد كبير مع النمو الإجمالي للصناعة، في حين بلغ متوسط العوائد في الربع الأول 4.18%. وتفوقت صناديق المؤشرات في أدائها محققة عائدا بنسبة 7.54%، غير أنها لا تزال صغيرة الحجم بصافي قيمة أصول يبلغ 243.7 مليون جنيه فقط.
لا يعني هذا أن الانتعاشة التي شهدتها البورصة المصرية لم تنعكس على أداء الصناديق. يوضح أبو السعد: "قبل عام، كنا نتحدث عن أن جميع صناديق الأسهم تحوم حول 10 إلى 11 مليار جنيه — انظر أين وصلنا الآن". وأضاف: "الانعكاس الأكبر لهذا النمو جاء نتيجة للضوابط الجديدة الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، التي تلزم صناديق التأمين الخاصة وشركات التأمين بالاحتفاظ بحد أدنى من الاستثمارات في صناديق الأسهم". وتشير يعقوب إلى أن مشهد العوائد يعتمد أيضا على التوقيت والمؤشرات المرجعية. وأضافت: "القفزة الحقيقية في مؤشر EGX30 حدثت في الربع الأخير من العام، مما انعكس على صناديق الأسهم"، في حين شهدت بعض منتجات صناديق المؤشرات والصناديق المتوافقة مع الشريعة الإسلامية تحركات أقوى مرتبطة بالأسهم المكونة لها.
الاختبار القادم
يتطلع القطاع العقاري لتبني نموذج صناديق الذهب. فقد سجلت الصناديق العقارية القفزة الأقوى في صافي قيمة الأصول بحسب التقرير، إذ ارتفعت إلى 8.98 مليار جنيه مقابل 923.7 مليون جنيه بنهاية عام 2025. غير أن هذه الطفرة لا تزال في مراحلها الأولى؛ إذ تمثل الصناديق العقارية 2.2% فقط من إجمالي صافي قيمة أصول الصناديق وتمثل 0.32% من إجمالي الوثائق. وجاءت هذه القفزة مدفوعة بشكل أساسي بإطلاق أداة استثمارية واحدة ضخمة، وليس نتيجة الإقبال واسع النطاق من المستثمرين الأفراد. وترى يعقوب أن "الصناديق العقارية ستمثل فرصة جيدة لتنظيم القطاع العقاري وتسعيره في مصر". وأضافت: "بمجرد أن يحصل هذا المنتج على فرصته في التسويق، سيجذب شريحة واسعة جدا من المستثمرين، على غرار ما حدث مع صناديق الذهب".
الاختبار القادم يكمن في الملكية الجزئية للعقارات. يتوقع أبو السعد أن تتركز الموجة التالية حول تحويل العقار إلى منتج استثماري بتكلفة دخول أقل. ويضيف: "الصناديق التي نعتزم إطلاقها هي التي تتيح للأفراد الاستثمار في العقارات بـ 5 آلاف جنيه، وهنا تتجلى فكرة الملكية الجزئية للعقارات". وتتجه منصات مثل بارتمنت ونموذج الملكية الجزئية لناوي شيرز الخاضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية بالفعل في هذا الاتجاه. يختتم أبو السعد حديثه قائلا: "إذا نجحنا في القطاع العقاري، فإن العقار سيتوج ملكا للمرحلة المقبلة".
يكتسب الإطار التنظيمي أهمية قصوى في القطاع العقاري. فطالما كانت هذه الفئة من الأصول الأكثر عرضة للاتفاقيات غير الرسمية، والنزاعات حول التقييم، ومشكلة ازدواجية التسعير، التي نراها حاليا في الأراضي الصناعية. ويؤكد بدرة على أهمية البعد التنظيمي بوضوح. إذ يقول: "ما دام هناك إطار تنظيمي يتمثل في صناديق استثمار، وشركات استثمار منظمة، وشركات تمويل خاضعة للرقابة، فإن ذلك يمنح المجتمع الثقة. بالنسبة لي، ما دام يندرج تحت مظلة الدولة وإشرافها ورقابتها، فهو أمر مطمئن". وسوف تتجلى الرؤية بمزيد من الوضوح خلال 4-6 فصول ربع سنوية مقبلة لمعرفة ما إذا كانت فرضية تيسير الوصول إلى هذه الأدوات الاستثمارية ستشمل أصولا ذات تكلفة تتجاوز صناديق الذهب، وما إذا كانت المظلة الرقابية للهيئة قادرة على الصمود أمام هذا الاختبار.