تراهن مصر مجددا على موقعها الجغرافي الفريد وإمكانية تحويله إلى فرص استثمارية واعدة. الرؤية تبدو بسيطة من الناحية النظرية: تحويل البلاد إلى مركز رئيسي لسلاسل إمداد الغذاء الإقليمية عبر استغلال موقعها الاستراتيجي وتوسيع قدرتها التخزينية. لكن هذا التوجه يطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن لنموذج "التخزين وإعادة التصدير" أن ينجح فعليا في واحدة من أكثر أسواق السلع الأساسية حساسية للأسعار في العالم؟
بوادر التحول
بدأت ملامح هذه الاستراتيجية تتشكل مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، والتي كشفت عن هشاشة ممرات الإمداد في البحر الأسود. وفي أوائل عام 2025، طرحت مصر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز لتخزين الحبوب الأوكرانية وإعادة تصديرها إلى أفريقيا، ثم وسعت هذا الطرح ليشمل أمريكا الجنوبية خلال محادثات جرت في عام 2024 مع مستثمرين برازيليين لإنشاء مركز لوجستي زراعي، وهو مشروع حاول وزير الخارجية بدر عبد العاطي إحياءه خلال قمة بريكس الشهر الماضي. وتتبع الحكومة الآن نهجا مشابها مع موسكو؛ حيث جرت محادثات رفيعة المستوى في وقت سابق من هذا العام بشأن إنشاء مركز مشترك لتداول الحبوب والطاقة، في حين تدرس وزارة النقل تدشين ممر لوجستي لربط محطات الحاويات والمناطق الصناعية على البحرين الأحمر والمتوسط بالموانئ الروسية على البحر الأسود وطريق الحرير القطبي، وقبل أيام قليلة شارك وزير التموين شريف فاروق في المنتدى الروسي للحبوب للتفاوض بشأن إبرام عقود طويلة الأجل لتوريد القمح.
تحول كلي؟ يشير هذا التحرك إلى عملية إعادة تشكيل أوسع لمنظومة الأمن الغذائي في أفريقيا بعيدا عن الموردين الغربيين، وتنويع سلاسل الإمداد وسط ضغوط الأسعار والتوترات السياسية المستمرة. وتعد الجزائر — أحد أكبر مشتري القمح في العالم — مثالا حيا على هذا التوجه؛ إذ تخلت عن واردات القمح الفرنسي إثر توترات دبلوماسية، مما يوضح كيف تعيد التوترات الجيوسياسية رسم خريطة التجارة.
مستهدفات طموحة
ظاهريا، يتوافق هذا الطرح تماما مع استراتيجية الدولة الأوسع نطاقا الرامية لتحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى منصة صناعية ولوجستية إقليمية تربط بين أوروبا والخليج وآسيا وأفريقيا. وتوفر شبكة الموانئ المصرية الآخذة في التوسع وبنيتها التحتية المتنامية للتخزين الأساس الصلب لهذا التوجه، مدعومة بالمشروع القومي للصوامع الذي أعلن عنه في عام 2015 بهدف بناء 50 صومعة، قبل أن يتوسع إلى 81 صومعة في جميع أنحاء البلاد بحلول عام 2025. وقفزت السعة التخزينية من 1.5 مليون طن إلى 3.6 مليون طن، مع مستهدف للوصول إلى 6 ملايين طن بحلول عام 2030.
وهنا تبرز أرقام السوق الملحة، إذ تظل مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم بمشتريات تتراوح بين 13 و14 مليون طن سنويا، مقابل استهلاك محلي يناهز 20 مليون طن، وفق ما صرح به المدير العام لشركة ميدترنين ستار للتجارة هشام سليمان لإنتربرايز. ويضيف سليمان أن واردات الذرة الضخمة تعد حيوية لصناعة الدواجن والأعلاف المحلية، وتستحوذ البرازيل على نحو 51.4% من الواردات حتى منتصف مايو الماضي نظرا لملاءمتها لإنتاج مصنعات الأعلاف، تليها الأرجنتين بنسبة 17.8% وأوكرانيا بنسبة 17.5%.
ومع ذلك، يبدي بعض الخبراء شكوكا حول فرضية حدوث إعادة هيكلة كبرى في التجارة العالمية. إذ يقول الرئيس التنفيذي لشركة سوف إيكون أندري سيزوف لإنتربرايز: "أرى الكثير من التصريحات، في حين أن التحول الفعلي على أرض الواقع محدود للغاية". ويرى سيزوف أيضا أنه على الرغم من حديث الدول المكثف عن التنويع والأمن الغذائي منذ الحرب الروسية الأوكرانية، فإن تجارة الحبوب تظل مدفوعة بالأسعار في المقام الأول، مضيفا: "في الواقع، لم يتغير الكثير".
الجدوى الاقتصادية تصطدم بطموح المركز الإقليمي
تتميز تجارة الحبوب بهوامش ربح منخفضة للغاية وحساسية شديدة لتكاليف الشحن. فبخلاف النفط، حيث تعتبر مستودعات التخزين أداة تحوط موثوقة ضد الاضطرابات الجيوسياسية، تتداول الحبوب من خلال سلاسل إمداد ذات تنافسية سعرية عالية، ما يجعل الشراء المباشر هو الخيار الأفضل. إذ قال نادر نور الدين، أستاذ الزراعة بجامعة القاهرة والمستشار الأسبق لوزير التموين، إن رسوم الترانزيت في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس — إلى جانب تكاليف التفريغ والتخزين وإعادة الشحن — يصعب تبريرها للدول الأفريقية الحساسة للأسعار. ويوافقه في الرأي سليمان الذي تساءل: "لماذا تشتري أي دولة حبوبا مرت بمصر أولا... في حين يمكنها استيرادها مباشرة من البرازيل أو روسيا نفسها؟".
وتشكل تكلفة الشحن الداخلي عقبة هيكلية إضافية؛ إذ تتركز البنية التحتية للمطاحن في البلاد بشكل كبير حول مدن السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان والسادات ومحافظات الصعيد. ويستحوذ ميناءا الإسكندرية والدخيلة على نحو 65% من تدفقات التجارة المصرية وفقا لسليمان، في حين يخدم ميناء دمياط منطقة الصعيد بفضل مزاياه الواضحة في تكلفة الشحن. وفي المقابل، فإن الشحنات التي تصل عبر مينائي السخنة أو السويس ستضطر لتحمل تكاليف نقل بري باهظة بالشاحنات، وهو ما يفسر سبب بقاء ميناء بورسعيد مقتصرا بشكل شبه كامل على الحاويات. ويقول سليمان: "لا يوجد مستورد لبضائع الصب الجاف يرغب في استخدام ميناء بورسعيد لأن النقل الداخلي يبدد الجدوى الاقتصادية تماما".
ويتفاقم هذا الوضع نتيجة الاختناقات اللوجستية القائمة، حيث لا يزال التجار يواجهون تأخيرات ناتجة عن الفحوصات المعملية المركزية، ومحدودية السعة الاستيعابية للموانئ، وارتفاع غرامات التأخير المقومة بالدولار. ويشير سليمان إلى أنه "بحلول وقت صدور الموافقات، قد تكون الشحنة قد قضت بالفعل أسبوعا في الانتظار".
هذا الجدل ليس جديدا؛ إذ أوضح نور الدين أن خطط إنشاء مركز لوجستي للحبوب في دمياط نوقشت في عامي 2005 و2014، ولكن جرى التخلي عنها لاعتبارات تتعلق بالجدوى التجارية. ويعيد هذا إلى الأذهان محاولة البرازيل الفاشلة لإنشاء مركز لتخزين السكر في لبنان خلال سبعينيات القرن الماضي، والذي انهار في غضون عامين فحسب لأن تكاليف المناولة المزدوجة التهمت هوامش الربح، على حد قول نور الدين.
خلل هيكلي في استراتيجية التخزين
أصبح الأمن الغذائي قضية أمن قومي منذ الحرب الروسية الأوكرانية، ما دفع حكومات المنطقة إلى الاستثمار بقوة في التخزين والخدمات اللوجستية ومرونة سلاسل التوريد. لكن نور الدين يشير إلى أن أنظمة التخزين في مصر مصممة على أساس معدل دوران المخزون وليس أحجام الاستهلاك السنوي، إذ تستورد البلاد مليون طن من القمح شهريا بدلا من شراء احتياجاتها السنوية دفعة واحدة.
ويرى سليمان أن مراكز التخزين قد تصبح حيوية في حالات الطوارئ أو الاضطرابات الجيوسياسية الكبرى. إذ يمكن لروسيا، على سبيل المثال، استخدام مصر كممر آمن مؤقت أو مركز تخزين إذا تعرض الأمن في البحر الأسود للتهديد. لكن أنشطة الترانزيت والتخزين تولد قيمة مضافة أقل مقارنة بالتصنيع؛ إذ يقول سليمان: "كل ما سأحصل عليه هو رسوم الترانزيت فقط، وليس عوائد التصنيع وإعادة البيع". وبعيدا عن حالات الطوارئ، يظل من غير الواضح ما إذا كان يمكن تحويل هذه الأصول إلى منصة تجارية ذات جدوى اقتصادية في ظروف السوق العادية.
وفي حين تنظر الحكومة إلى استراتيجية اللوجستيات كركيزة للأمن القومي — على غرار طموحاتها لتصبح البلاد مركزا لتداول الطاقة — فإن السلع الزراعية تخضع لمنطق تجاري مختلف تماما، إذ إن "السلع الأساسية لا تتحرك بنفس هوامش الربح أو قفزات الأسعار التي تشهدها أسواق النفط"، وفق سليمان.
إن لم يكن التخزين الحل.. فما البديل؟
تكمن عملية خلق القيمة المضافة في "التصنيع والتحويل" وليس مجرد إعادة تصدير الحبوب. فقد أكد نور الدين أن العوائد الحقيقية تأتي من المصانع، التي تنتج وتصنع وتصدر. وهنا يبرز النموذج التركي كبديل هيكلي ناجح؛ إذ أشار سيزوف إلى أن تركيا "تستورد القمح، وتحول جزءا منه إلى دقيق، وتصدر منتجات ذات قيمة مضافة أعلى".
وقد بدأت مصر بالفعل في هذا المسار؛ إذ زادت بالفعل صادراتها من الدقيق؛ وتتوقع وزارة الزراعة الأمريكية (بي دي إف) أن تصل صادرات البلاد من الدقيق إلى 1.2 مليون طن في العام التسويقي 2027/2026، بارتفاع نسبته 20% عن العام التسويقي 2026/2025، مدفوعة بخطط للتوسع في أسواق أفريقية جديدة. ووفقا لسيزوف، صدرت الدولة نحو 1.4 مليون طن من الدقيق في عام 2025/2024، مقارنة بنحو 500 ألف طن فقط قبل بضع سنوات.
للتوضيح: تمتد السنوات التسويقية للحبوب من يوليو إلى يونيو، تماشيا مع دورة الحصاد في نصف الكرة الشمالي، ولهذا السبب يعلن عن البيانات الزراعية بناء على تقاويم تختلف عن المؤشرات الاقتصادية الأوسع.
ويأتي هذا النمو على الرغم من التباطؤ في بعض الأسواق التقليدية، حيث تراجعت الصادرات إلى الوجهات الخمس الأولى لمصر — وهي السودان، والصومال، وإريتريا، واليمن، وفلسطين — بنسبة تقارب 8.6% في العام التسويقي 2026/2025، نظرا لقيام السودان، الذي يعد تاريخيا أحد أكبر مشتري الدقيق من مصر، باستعادة قدرات الطحن الرئيسية لديه تدريجيا وتقليص اعتماده على الدقيق المستورد.
ما الذي ينبغي مراقبته؟ مدى شمول التوسعات الجارية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على قدرات تصنيعية وطحن فعلية، وما إذا كانت إعادة بناء المطاحن في السودان ستستمر في التهام أكبر سوق تصديرية تاريخية لمصر. وسيكون التقرير السنوي للحبوب والأعلاف الصادر عن وزارة الزراعة الأمريكية بشأن مصر والمقرر نشره العام المقبل (في مارس أو أبريل) هو القراءة الأكثر وضوحا للمشهد.