Posted inأعمال

الشركات المصرية تدير ظهرها للبنوك وتلجأ للتمويل الذاتي لدعم نموها

أفاد أحدث استطلاع صادر عن البنك الدولي عن الشركات في مصر (بي دي إف) بأن الشركات المصرية سجلت انكماشا حقيقيا في مبيعاتها السنوية بنسبة 11.4%. يعني هذا أن الشركات تخلفت عن نمو بنسبة 5.2% سجلته منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ثمة مجموعة من النتائج المتعلقة ببيئة التشغيل تكمن وراء هذا التراجع الملحوظ، وتشير إلى أن جهود الاستقرار الكلي في مصر على مدار ثلاث سنوات لم تنعكس حتى الآن تماما على التحديات اليومية التي ترى الشركات أنها أكبر العقبات أمام نموها. وشمل الاستطلاع ألف شركة بين سبتمبر 2025 ويناير 2026.

يتماشى هذا الانكماش مع قراءات مؤشر مديري المشتريات لشهر أبريل، التي أظهرت انكماش القطاع الخاص غير النفطي بأسرع وتيرة له خلال أكثر من ثلاث سنوات. قفزت تكاليف مستلزمات الإنتاج إلى أعلى مستوياتها المسجلة منذ أوائل عام 2023، مما أجبر الشركات على رفع أسعار البيع بأسرع وتيرة لها منذ أغسطس 2024، وأدى هذا على الفور إلى تراجع الطلبات الجديدة. ورغم ضعف الإيرادات، واصل التوظيف نموه بنسبة 3.9% على أساس سنوي.

الشركات المصرية تستثمر بعيدا عن البنوك: شكلت تمويلات الاستثمارات التي تقدمها البنوك إلى الشركات في مصر 3% فقط، مقارنة بنحو 15% في جميع أنحاء المنطقة. وفي غضون ذلك، تمول الشركات 88% من نفقاتها الرأسمالية داخليا، بينما يساهم الائتمان التجاري من الموردين بنسبة 4%، ويظل التمويل من خلال الأسهم ضئيلا عند 0.5%.

تتجلى الصورة بوضوح أكبر بين الشركات الصغيرة والكبيرة. فقد أفادت 3.2% فقط من الشركات الصغيرة و1.4% من الشركات الكبيرة باستخدام التمويل المصرفي للاستثمار، مقارنة بنحو 24.7% من الشركات المتوسطة. لم يحدد الاستطلاع الأسباب الكامنة وراء انخفاض الاعتماد على الائتمان المصرفي، غير أن هذه النتائج مصحوبة ببيئة تشهد ارتفاعا في أسعار الفائدة، وربما تعكس أيضا متطلبات البنوك لضمان التمويلات، أو عزوفها عن المخاطرة بتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، أو ربما تعكس كذلك ضعف الرغبة من جانب هذه الشركات، بتنوعاتها، في التوسع نتيجة تباطؤ الطلب.

لا تزال الكهرباء العقبة الأكبر أمام الأعمال رغم الاستثمارات في قدرات التوليد التي استمرت منذ سنوات. إذ أفاد نحو 16% من الشركات بأن الكهرباء تمثل العقبة الأكبر أمامها، في حين أفاد أكثر من ثلث الشركات بتعرضها لانقطاعات في التيار الكهربائي، بمتوسط أربع مرات شهريا. تبدو هذه المشكلة حادة بشكل خاص للشركات الكبيرة، التي أبلغت 29.7% منها عن انقطاعات في التيار الكهربائي.

يسلط الاستطلاع الضوء أيضا على الاختناقات المستمرة في توصيل المرافق. إذ تواجه الشركات التي تسعى للحصول على وصلة كهرباء جديدة مدة انتظار تبلغ نحو 89 يوما في المتوسط، مقارنة بنحو 66 يوما في عموم المنطقة و35 يوما في بلدان الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط. أما الشركات التي تفتتح منشآت جديدة أو توسع طاقتها الإنتاجية، فيمكن أن يُترجم هذا التأخير إلى أشهر من تعطل رأس المال قبل بدء العمليات. وأفادت الشركات أيضا بوجود متوسط انتظار يبلغ 86 يوما للحصول على رخصة بناء، مقارنة بنحو 60 يوما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و37 يوما في بلدان الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط.

وجاء الفساد في المرتبة الثانية ضمن أكبر العقبات أمام الشركات، إذ ارتأت نحو 15% منها أنه يمثل التحدي الأكبر. تلاه عدم الاستقرار السياسي بنسبة 11%، بينما أشارت نحو 8% من الشركات المشاركة إلى كل من صعوبة الحصول على التمويل، ونقص العمالة المؤهلة، والجريمة والاضطرابات. ومع أن معدل انتشار الرشوة الإجمالي بلغ 3% بين الشركات المصرية، مقارنة بنحو 13% في المنطقة كلها و17% في بلدان الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط، أفادت نحو 17% من الشركات المحلية المتقدمة للحصول على رخص بناء بأنها طُلب منها تقديم هدايا أو أموال بصورة غير رسمية. كذلك كانت الشركات الكبيرة أكثر عرضة للإبلاغ عن طلبات الرشوة مقارنة بالشركات الأصغر.

لا يزال الاقتصاد غير الرسمي يلقي بظلاله الثقيلة على الشركات المسجلة. إذ أبلغت نحو 41% من الشركات عن منافستها لكيانات غير مسجلة، مما يجعل القطاع غير الرسمي ثالث أكبر عقبة أمام الأعمال بعد الكهرباء والفساد. وتشير النتائج إلى أن العديد من الشركات الرسمية تستمر في تحمل تكاليف الضرائب والتنظيم والامتثال، بينما تتنافس مع كيانات تعمل خارج المنظومة الرسمية من الأساس.

الصادرات تظل محدودة رغم الاعتماد على مدخلات مستوردة: أشار الاستطلاع إلى أن 5% فقط من الشركات المصرية تصدر 10% على الأقل من مبيعاتها بشكل مباشر، مقارنة بنحو 11% في الاقتصادات المماثلة. واللافت هنا أن نحو 31% من الشركات المصنعة تستخدم مواد خام أو إمدادات مستوردة، مقارنة بنحو 60% في أنحاء المنطقة و51% في بلدان الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط.

تفوق مصر في زمن التخليص الجمركي مقارنة بنظيراتها في المنطقة، إذ يجري تخليص الصادرات في أربعة أيام والواردات في ثمانية أيام في المتوسط، وهو ما حددته وزارة الاستثمار أولوية قصوى في السنوات القليلة الماضية لتطويرها من أجل تحسين تعزيز جاذبية السوق أمام المستثمرين.

التدريب والابتكار لا يزالان ضعيفين: تقدم 8% فقط من الشركات تدريبا رسميا لموظفيها، في حين تنفق 7% فقط على البحث والتطوير. وقدمت نحو 9% منها منتجا أو خدمة جديدة، فيما نفذت 3% فقط ابتكارا في العمليات.

نقطة مضيئة: سجلت الشركات المصرية 54.4 نقطة على مؤشر ممارسات الإدارة التابع للبنك الدولي، لتتفوق بذلك على كل من المتوسط الإقليمي البالغ 52.2 نقطة وأيضا المتوسط المسجل في بلدان الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط البالغ 49.0 نقطة. وتشير النتائج إلى أن جودة الإدارة ربما لا تمثل العامل الرئيسي الذي يعيق أداء الأعمال.

السؤال الأهم: لا تزال الشركات المصرية تستثمر وتوظف وتعمل رغم انخفاض المبيعات، لكنها تفعل ذلك بشكل متزايد دون دعم ملموس من النظام المصرفي. ويثير الاستطلاع تساؤلا أوسع حول ما إذا كانت المرحلة التالية من الإصلاح الاقتصادي يمكن أن تتجاوز الاستقرار الكلي وتعالج التحديات اليومية التي تقول الشركات إنها تعيق نموها: بدءا من الحصول على الائتمان وتوصيل المرافق، ووصولا إلى الضغوط التنافسية التي يفرضها الاقتصاد غير الرسمي.