تدرس شركة "كيه بي إم جي" إعادة هيكلة أعمالها في السوق المصرية، في خطوة قد تنهي شراكتها التاريخية الممتدة منذ أكثر من أربعة عقود مع ذراعها المحلية مكتب حازم حسن، وفق ما أكدته ثلاثة مصادر مطلعة لإنتربرايز. وأوضحت المصادر أن الخطوة المحتملة تأتي ضمن خطة إعادة هيكلة عالمية أوسع نطاقا للشركة الهولندية التي تعد واحدة من الأربعة الكبار في مجال المحاسبة على مستوى العالم.
قال مصطفى عبد القادر، مستشار الضرائب الدولية في الأمم المتحدة ورئيس مصلحة الضرائب الأسبق، إن قطاع المحاسبة والمراجعة في مصر يشهد حالة من الاضطراب تؤثر على عديد من الشركات الدولية الكبرى، وذلك خلال حديثه إلى إنتربرايز. ويعزو عبد القادر حالة عدم اليقين التي يشهدها السوق إلى إرجاء مصر تطبيق إطار ضريبة الحد الأدنى العالمية، ضمن الركيزة الثانية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي يلزم الشركات متعددة الجنسيات بحد أدنى للضريبة يبلغ 15%. وأضاف أن غياب جدول زمني واضح لاعتماد هذا الإطار زاد من الضبابية تجاه المعاملات الضريبية الدولية وعمليات الشركات متعددة الجنسيات في مصر.
تذكر- أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قواعد نموذج الركيزة الثانية في ديسمبر 2021، ضمن مبادرة أوسع لمواجهة التحديات الضريبية الناتجة عن رقمنة الاقتصاد العالمي. وأقرت أكثر من 135 دولة هذا الإطار، بما يمثل نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ويفرض هذا الإطار حدا أدنى عالميا للضريبة بنسبة 15% على الشركات متعددة الجنسيات التي يتجاوز إجمالي إيراداتها السنوية المجمعة 750 مليون يورو.
شرط حاسم للاستمرار: حدد مسؤولو كيه بي إم جي حدا أدنى للإيرادات يبلغ 300 مليون دولار، إذ تصنف الشركات الأعضاء التي تقل إيراداتها عن هذا الحد بأنها "أصغر من أن تظل عضوا كاملا في شبكة الشركة على المدى الطويل"، وفق ما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز حينها. وبموجب هذا الحد الأدنى الجديد، سينخفض عدد الوحدات الاقتصادية عبر الشبكة العالمية لشركة المحاسبة إلى 32 وحدة بحلول عام 2026، مقارنة بأكثر من 100 وحدة قبل عامين، بحسب تقرير الصحيفة.
ثمة سبب آخر وراء الأزمة: في حديثهما إلى إنتربرايز، صرح مصدران مقربان من كواليس المناقشات داخل مكتب حازم حسن بأن أحد أبرز نقاط الخلاف تتعلق بهيكل العلامة التجارية لمؤسسة "كيه بي إم جي"، إذ تفيد تقارير بتوجه المؤسسة نحو تطبيق نظام الامتياز التجاري (الفرنشايز)، بما يسمح لعدة مكاتب بالعمل تحت العلامة التجارية نفسها في أسواق معينة.
لكن الشراكة لا تزال قائمة حتى الوقت الحالي: أكد أحد المصادر من داخل مكتب حازم حسن لإنتربرايز أن الأنباء التي تتردد حول إنهاء الشراكة بحلول سبتمبر القادم لا أساس لها من الصحة، موضحا أن مثل هذا القرار يتطلب وجود فترة انتقالية طويلة، لحماية العلاقات مع العملاء وضمان استمرارية إصدار القوائم والميزانيات المالية الخاضعة لعمليات التدقيق. وأضاف أن المفاوضات بين الجانبين لا تزال مستمرة لإنقاذ الشراكة التي استمرت لعقود.
صرح مصدران من داخل المجموعة لإنتربرايز بأن مكتب حازم حسن بدأ بالفعل في إعداد سيناريوهات بديلة. وأوضحا أن المكتب يدرس عدة خيارات للحفاظ على استقرار قاعدة عملائه، من بينها إمكانية التحالف مع شركة محاسبة أخرى من الأربعة الكبار، التي تعرف بـ "بيج فور"، أو إبرام اتفاقية امتياز تجاري دولية جديدة. وتتمثل الأولوية بالنسبة للمكتب في الاحتفاظ بعملائه من الشركات متعددة الجنسيات، التي يشترط كثير منها التعامل مع مكتب مراجعة تابع لمؤسسة دولية لإصدار التقارير ربع السنوية وتلبية متطلبات الامتثال، لكن المصدرين أشارا أيضا إلى أن إنهاء الشراكة قد يتيح استقطاب عملاء محليين جدد.
"السوق تشهد اهتزازا بسبب وجود تحديات كبرى لدى شركات المحاسبة الأربعة الكبار والمشهد لا يتضمن حازم حسن فحسب بل يمتد للثلاث الكبار"، ديلويت، وبي دبليو سي، وإرنست آند يونج، وفق تصريحات عبد القادر. وأضاف أن الإطار الضريبي الدولي بات يتطلب الآن دراسة متأنية للسياسات، للمحافظة على استقرار قطاع المحاسبة والاستشارات في مصر.
إعادة رسم خريطة القطاع بالكامل: يقول مصدر في إحدى شركات البيج فور لإنتربرايز إن "الفترة القادمة قد تشهد إعادة تشكيل قطاع الاستشارات والضرائب الدولية في مصر بالكامل". ويضيف: "يترقب السوق حركة تنقلات للعملاء والكوادر بين الشركات لتلبية متطلبات المرحلة المقبلة، فضلا عن احتمالية تنفيذ صفقات استحواذ وتأسيس كيانات جديدة تتوافق مع الضوابط الضربية الدولية، بموجب قواعد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية".