⛵ في 2024، أعلن الشاب المصري عمر نوك عبر منصة إنستجرام عن هدف جريء ورحلة مثيرة: سيسافر من مصر إلى اليابان سيرا على الأقدام. لفتت هذه الرحلة أنظار الجميع ممن تابعوها لحظة بلحظة، ونجح نوك في بناء سمعة واسعة بعد إنجاز المهمة، واشتهر حتى جذب أكثر من 600 ألف متابع على إنستجرام. قد تظن، عزيزي القاريء، أن من يعبر آسيا سيرا على الأقدام سيحتاج إلى استراحة، لكن نوك كان يتوق ببساطة لمغامرة أكبر، إذ قرر المسافر الرحال الانطلاق من مصر إلى مصر، في رحلة دائرية حول العالم.
تواصلنا مع المستكشف المصري الملهم فور رسوه بأمان في منطقة البحر الكاريبي، لنعرف قصته عن قرب، وإليكم مقتطفات محررة من حوارنا معه:
إنتربرايز: كيف تسير رحلتك حتى الآن؟ وما أبرز التحديات الجديدة التي واجهتها مقارنة برحلتك من مصر إلى اليابان؟
عمر نوك: الرحلة تسير بشكل جيد، وهي مشابهة لرحلتي السابقة ومختلفة عنها في الوقت ذاته. مشابهة بالطبع في الأسلوب، إذ أعتمد على التخييم والسفر بحقيبة الظهر دون كثير من الأمتعة وما إلى ذلك، إلى جانب روح المغامرة التي لا تزال كما هي. نقطة الاختلاف تتجلى من ناحية ما أواجهه، نظرا لوجود الكثير من المسطحات المائية. وهذا يمثل تحديا جديدا مقارنة برحلة مصر واليابان، لأن الأخيرة تضمنت عبور قارة آسيا برا في الغالب. أما هذا التحدي فيتطلب مني عبور محيطين.
لذلك كان التحدي هو العثور على قارب شراعي، والبحث عن أشخاص يوافقون على اصطحاب شخص لا يعرفونه ضمن طاقمهم لمساعدته في العبور. وبالطبع، كانت عملية العبور بحد ذاتها مليئة بالتحديات.
إنتربرايز: هل يمكنك إخبارنا المزيد عن مسيرتك المهنية قبل أن تبدأ السفر حول العالم؟
نوك: كنت محللا ماليا، إذ درست الاقتصاد والتمويل ثم عملت في شركة أمازون. بدأت كمتدرب، ثم محلل مالي مبتدئ، فمحلل مالي، وأخيرا محلل مالي أول، على مدار 5 سنوات ونصف في المجمل. عملت في لوكسمبورج وميونيخ لمدة 3 سنوات ونصف وسنتين على التوالي. كنت مسؤولا عن التقارير المالية الخارجية للشركة والموجهة لأي جهة خارجية، كالبنوك المركزية والسلطات الضريبية ومدققي الحسابات ومؤسسات الاتحاد الأوروبي ومكاتب الإحصاء، في العديد من الدول الأوروبية.
إنتربرايز: يعتبر معظم المهنيين أن وجود فجوة في مسيرتهم المهنية يمثل عائقا، فكيف تعاملت ذهنيا مع ذلك عندما قررت التفرغ للسفر؟
نوك: بالنسبة لي، كان الأمر بمثابة إعادة تهيئة ذهنية. كان عملي يدور حول الأرقام يوميا، ولم يكن لدي أي مشكلة مع الوظيفة بحد ذاتها، لكني كنت أرغب في السفر. أخذت في البداية إجازة تفرغ لمدة ثلاثة أشهر، وبعدها استقلت. كانت تلك الأشهر الثلاثة بمثابة فترة اختبار بالنسبة لي.
أردت أولا أن أرى: هل سأفتقد الروتين؟ هل سأشعر بالتعب بعد ثلاثة أشهر؟ هل سأشعر بالرضا والاكتفاء بثلاثة أشهر من السفر ثم أعود؟ لذا اتخذت الأمر خطوة بخطوة. وأدركت حينها أن السفر هو ما أريد القيام به على المدى الطويل، لأكثر من 3 أشهر.
وبصراحة، عانيت قليلا من.. لا أريد تسميته بالاحتراق الوظيفي. كنت قد انتقلت للتو إلى ميونيخ خلال فترة الجائحة. وجدت نفسي في مدينة جديدة، وحيدا في المنزل لمدة عام ونصف أو عامين، لا أفعل شيئا سوى العمل، وفي وقت فراغي كنت أبقى في المنزل لأن كل شيء كان مغلقا. أثر هذا سلبا علي. في ذلك الوقت، احتجت إلى استراحة، وتزامنت كل تلك العوامل معا. هكذا نظرت إلى الأمر من منظور مهني، كشيء أحتاجه لأنني شعرت بانخفاض مستويات طاقتي في العمل.
إنتربرايز: عندما قررت المغادرة، ما كانت استراتيجيتك لضمان ترك العمل بشروط تسمح لك بالعودة إلى عالم الشركات إذا اخترت ذلك مستقبلا؟
نوك: لم أكن قلقا لأنني أجيد ما أفعله. كما كانت لدي علاقات قوية جدا مع زملائي في العمل، لأنني لا أؤمن بفكرة ألا تكون صديقا للأشخاص الذين تقضي معهم معظم يومك.
إنتربرايز: كيف تخطط لميزانية رحلاتك؟
نوك: بالتجربة والخطأ. عندما بدأت رحلاتي تطول قليلا، كنت أحسب إجمالي ما أنفقته وأقسمه على عدد الأيام لأحصل على متوسط التكلفة اليومية لإنفاقي خلال السفر.
فيما يخص الميزانية، لدي حساب ادخار وآخر للإنفاق، ولا يمكنني الإنفاق من حساب الادخار. ما أفعله هو تحويل مبلغ تلقائيا كل شهر — لدي حد أقصى للميزانية الشهرية — من حساب الادخار إلى حساب الإنفاق. أتعامل معه وكأنه راتب، فهو تحويل شهري تلقائي. لذا، من الممكن أن أنفق أقل من الميزانية المحددة لشهرين أو ثلاثة، فتتراكم بعض المدخرات.
إنتربرايز: كيف يمكن للمهنيين استكشاف العالم دون الانقطاع تماما عن العمل؟
نوك: يمكن دائما استخدام ميزة تجميع الإجازات المدفوعة أو إجازات التفرغ القصيرة التي تسمح بها الشركة. بالطبع، لكل شركة سياستها الخاصة ومدة الإجازة التي تسمح بها، هذا إن كانت تسمح بذلك أصلا. رغم ذلك، لا أعتقد أن أخذ استراحة من العمل يعني بالضرورة إحداث فجوة مدمرة.
إنتربرايز: هل يمكن حقا الاحتفاظ بوظيفة مؤسسية شديدة الضغط أثناء السفر البري، أم أن السفر يتطلب انقطاعا تاما ليكون ذا مغزى؟
نوك: يمكن أن يكون السفر ذا مغزى دون انقطاع تام. رأيت أنماطا مختلفة من الأشخاص يؤدون وظائف متعددة عبر الإنترنت، أو ما يعرف بالرحالة الرقميين. واعتمادا على طبيعة الوظيفة والشخص نفسه، أرى أن الأمر يضيف بعض التوتر للبعض، بينما وجد آخرون التوازن المثالي.
يعتمد الأمر على التجربة والخطأ حتى يجد الشخص التوازن المناسب له. بالطبع، هناك أمور عدة يجب أخذها في الحسبان، مثل وجهة السفر. فأحيانا يحتاج البعض إلى التواصل مع أشخاص في مناطق زمنية مختلفة، بينما يدير البعض الآخر أعمالهم الخاصة ولا يحتاجون إلى اجتماعات أو مكالمات، بل ينجزون مهامهم وحسب، فلا تتأثر أعمالهم باختلاف التوقيت.
إنتربرايز: ما هي الرؤية أو الملاحظة الوحيدة التي اكتسبتها عن الاقتصاد العالمي أو حالة العالم من خلال ترحالك؟
نوك: ما تعلمته هو أنني لا أعرف شيئا. هذه هي العقلية التي بدأت تتشكل لدي، أنني لا أعرف أي شيء عن أي مكان، قبل أن أزوره. مهما سمعت من الأخبار، لا يمكنني معرفة كيف تسير الحياة هناك، وكيف هم الناس، وكيف يعمل مجتمعهم.