Posted inفي دور العرض

Sentimental Value: دروس قيمة في تجسيد صراعات المرء مع ماضيه

🎥 عبء التصالح مع إرث الماضي: في فيلمه الأخير Sentimental Value، نجح المخرج النرويجي يواكيم ترير في تفكيك صدمات الإرث العائلي بعيون متأنية، تعكس لنا صورة فنية آسرة لعائلة بسيطة تعاني شروخا تحملها معها من ماضيها. الفيلم من بطولة ستيلان سكارسجارد ورينات رينسف، في تعاون جديد لها مع ترير والمؤلف إسكيل فوجت، اللذين اشتهرت معهم في فيلم The worst person in the world.

الحبكة: نورا (رينسف) وأجنيس (إنجا إيبسدوتر ليلياس)، شقيقتان تلتقيان مجددا بوالدهما المنفصل عنهما منذ زمن جوستاف (سكارسجارد)، المخرج السينمائي البارز الذي يسعى للعودة إلى الساحة الفنية بعد غياب. يعرض جوستاف على ابنته نورا الممثلة المسرحية، دور البطولة في فيلمه الجديد المستوحى من تاريخ العائلة وصدماتها. وبينما ترفض نورا الفكرة قلبا وقالبا، يلجأ جوستاف إلى الممثلة الهوليوودية رايتشل كيمب (إيل فانينج) لتلعب دور ابنته.

الفيلم حقيقي وصادق، وهذا هو أجمل ما فيه: يتجنب ترير، بالتعاون مع شريكه المعتاد في الكتابة فوجت، الوقوع في فخ الميلودراما العائلية المفرطة. يعتمد النص على سرد دقيق وهادئ، يقدم بعدسة متأنية التباين الواضح بين شخصيات العمل الرئيسية. هذا التناقض الواضح خاصة بين شخصيتي الشقيقتين يمثل أداة رئيسية لتحريك الأحداث. تجسد نورا الفوضى الداخلية والصراع المستمر مع الماضي متجسدا في صدمة رحيل والدها، بينما تحمل أجنيس صوت العقل الهادئ الذي يبدو أقرب إلى التصالح مع الماضي وتقبله.

هذا التناقض بين الأختين مهد لواحد من أكثر مشاهد الفيلم تأثيرا: رغم تشاركهن في الماضي والصدمة الأبوية ذاتها، إلا أن طفولتهما اختلفت تماما، فكانت نورا وهي الأخت الكبرى حائط الصد أمام أجنيس الذي يحميها من قسوة الواقع، فيما وقع عبء مواجهة الصدمات للمرة الأولى على الأخت الكبرى. يربط الفيلم ببراعة بين الخطوط الدرامية المتشابكة والمنزل الكبير المتهالك، الذي يتجلى فيه شرخا يرمز إلى الكثير.

إرث الصدمات كحبكة فنية: طرح الفيلم إشكالية هامة تتعلق بالحدود المرتبطة بتحويل الألم العائلي الخاص إلى عمل فني، فعندما قرر جوستاف استبدال ابنته بممثلة لتقديم قصة عائلته، تكشفت أمامها مدى أنانيته التي تنبع من صراعات داخلية يمر بها هو الآخر. هذا ما يصوره المخرج ببراعة ودون إطلاق أحكام أخلاقية مسبقة، بل يتركه كحالة تستحق التأمل حول تسليع الذاكرة من أجل استعادة المجد المهني المفقود.

حكمنا النهائي؟ هذا فيلم عاطفي يغمر المتفرج بمشاعر تلمس حتى أبعد نقطة في قلبه. استحق العمل الإشادة والتكريم كأفضل فيلم دولي خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار الماضي، وهو خليق بوقتكم إن كنتم تبحثون عن تجربة إنسانية خالصة.

أين تشاهدونه: في سينما زاوية. (شاهد التريلر، 2:07 دقيقة)


الحياة بعد سهام: رحلة بصرية للتصالح مع الفقد ومواجهة أشباح الذاكرة

📺 في فيلمه الجديد الحياة بعد سهام، يواصل المخرج المصري الفرنسي نمير عبد المسيح مشروعه السينمائي الذي يمزج فيه بين الشخصي والعام. يأتي هذا الوثائقي كجزء ثالث من ثلاثية عائلية بدأها بفيلم أنت وجيه عام 2005، والعذراء والأقباط وأنا عام 2012، إذ لا يعتمد المخرج على تقديم سرد وثائقي فحسب، بل يستخدم الشاشة كصيغة لاستبقاء الذاكرة حية، محاولا عبر عدسة الكاميرا فهم المخاوف العائلية العميقة وفتح الأحاديث الصعبة المسكوت عنها لسنوات.

الحبكة: يبدأ الفيلم من لحظة فارقة في حياة المخرج وهي رحيل والدته سهام عام 2015، الشخصية التي كانت محورا لفيلمه السابق. أمام صدمة الفقد وعدم القدرة على استيعاب الغياب الأبدي، قرر عبد المسيح تصوير الجنازة وما تبعها من تفاصيل يومية كوسيلة لمحاولة لاستبقاء أثر والدته عبر الشاشة. اعتمد المخرج على توظيف ودمج لقطات أرشيفية من كلاسيكيات السينما المصرية، في مقدمتها فيلم عودة الابن الضال، لتصبح جسرا بصريا يربط خيال الأم بواقع الابن.

ما أعجبنا: يتتبع الفيلم رحلة مشاعرية ممتدة بين وفاتين، تتقاطع فيها مشاعر الحزن والفقد مع محاولات الفهم وبناء الأمل، من خلال أرشيف شخصي يمتد لسنوات، ومحادثات مع الأب والأبناء، ومقاطع من كلاسيكيات السينما المصرية. يحاول المخرج في هذا الفيلم صياغة وداع لم يتحقق، وإعادة فهم واستكشاف ماضيه وواقعه. كما برع عبد المسيح في استخدام الكاميرا كأداة للمواجهة والهروب في آن واحد، لفتح موضوعات شائكة وصعبة مع عائلته، وهي أيضا الوسيلة التي يشرح بها مخاوفه وأفكاره عن الغياب.

يقدم المخرج معالجة ذكية تتنقل بسلاسة بين حالة التشكك والبحث عن اليقين، إذ يبدو تائها في بداية الفيلم بين شذرات الغياب وصور الأرشيف، وينهي رحلته وهو لا يزال يحمل هذا الشك تجاه الذاكرة، لكنه تيه مصوغ بطريقة أكثر جمالا يمنح الفيلم عمقه الإنساني.

حكمنا النهائي؟ يتجاوز فيلم الحياة بعد سهام كونه عملا عن الفقد أو الموت، ليصبح تجربة استكشافية تضعنا وجها لوجه أمام مخاوفنا، وتمنحنا صيغة بصرية للتصالح مع أشباح الذاكرة.

أين تشاهدونه:سينمازاوية، ورينيسانس. (شاهد التريلر 1:33 دقيقة)